عوداً على بدء (2/2)

  

أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

البُعد المتحرك وتداعياته السياسية

 

إذا انتقلنا من البُعد الساكن إلى البُعد المتحرك للانتخابات التشريعية والتنفيذية المزمع عقدها في السودان عام 2010م، فإننا نلحظ أن القوى السياسية قد ثـمَّنت الجوانب الإيجابية لقانون الانتخابات القومية لسنة 2008م، الذي أُسست مفرداته على مبادئ اتفاقية السلام الشامل والدستور الانتقالي لعام 2005م، إلا أنها اختلفت حول بعض القضايا المرتبطة بإدارة الانتخابات، وتحديد النسب المئوية الجامعة بين نظام الانتخاب الفردي ونظام التمثيل النسبي القائم عليهما نظام الانتخاب المختلط، وكيفية تحديد الوعاء الجغرافي لدوائر التمثيل النسبي: هل تكون على المستوى القومي أم المستوى الولائي؟ وكيفية تمثيل المرأة، هل عن طريق قوائم منفصلة أم قوائم خاصة بالنساء؟ أم تشرك المرأة في قوائم التمثيل النسبي على المستوى الولائي بنسبة 50%؟

 

كل هذه القضايا ومثيلاتها قد طُرحت على موائد الأحزاب السياسية وتنظيمات المجتمع المدني، وأثار طرحها علامات استفهام تصب في خانة البُعد المتحرك الذي يؤثر إيجاباً في كسب الانتخابات القادمة إذا وُظِّف توظيفاً موضوعياً وفق قراءة فاحصة للإرث الانتخابي في السودان، وشفافية مُحكمة، وبخلاف ذلك سيكون كسب العملية الانتخابية كسباً بخساً. وفي خانة البُعد المتحرك وحراكه الإيجابي ناقشت مجموعة من الأحزاب السياسية المعارضة مشروع قانون الانتخابات، واقترحت بعض التعديلات على المفوضية القومية للمراجعة الدستورية، ونذكر منها: اعتماد الولاية دائرة انتخابية للتمثيل النسبي، وأن يكون انتخاب نصف أعضاء المجالس الولائية، والمجلس التشريعي لجنوب السودان، والبرلمان الوطني عن طريق الانتخاب الفردي ذي الأغلبية البسيطة، والنصف الآخر عن طريق التمثيل النسبي (القائمة المغلقة)، وأن تمثل المرأة في البرلمان الوطني والمؤسسات التشريعات الأخرى بعدد لا يقل عن 25%. بالفعل أعتمد قانون الانتخابات القومية لسنة 2008م الولاية دائرة للتمثيل النسبي، واحتفظ أيضاً بنسبة 25% لانتخاب النساء على أساس التمثيل النسبي على المستوى الولائي غبر قوائم حزبية منفصلة ومغلقة، إلا أنه رفع نسبة الدوائر الجغرافية على مستوى جهورية السودان إلى 60%، وبذلك قُلصت نسبة التمثيل النسبي للقوائم الحزبية المنفصلة والمغلقة إلى 15%.   

 

وبشأن اختيار أعضاء المفوضية القومية للانتخاب فقد اقترحت مذكرة الأحزاب السياسية أن يكون ترشيح أعضاء المفوضية التسعة عن طريق الأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني. وأن تقوم تلك القوى بتقديم قائمة من خمسة عشر مرشحاً، يختار رئيس الجمهورية منهم تسعة، ويتم اعتماد تعيين كل منهم بعد نيله موافقة ثلثي أصوات أعضاء المجلس الوطني، وإن تضم عضوية المفوضية ثلاثة نساء على الأقل. إلا أن هذا الاقتراح لم يؤخذ به جملة وتفصيلاً، علماً مؤسسة رئاسة الجمهورية قد اقترحت عدداً من الأسماء، ثم طرحتها للمجلس الوطني لإجازتها. وبالفعل وافق المجلس الوطني على القائمة المقدمة من رئاسة الجمهورية في يوم 17 نوفمبر 2008م، وبناءً على ذلك جاء تكوين المفوضية القومية للانتخابات على النحو الآتي:-

 

مولانا أبيل ألير، رئيساً

 

 بروفيسور عبد الله احمد عبد الله، نائباً للرئيس

 

 فليستر بايا لاويري، عضواً

 

 جيمس بول كاجمال، عضواً

   

 فريق شرطة عبد الله بله الحردلو، عضواً

 

 دكتورة محاسن عبد القادر حاج الصافي، عضواً

 

 دكتور محمد طه أبو سمرة، عضواً

 

 دكتور مختار محمد مختار الأصم، عضواً

 

 فريق شرطة الهادي محمد أحمد حسبو، عضواً

  

بالرغم من بعض التحفظات القانونية والسياسية التي أثارها رهط من زعماء المعارضة إلا أن المجلس الوطني قد أجاز قائمة مرشحي المفوضية القومية للانتخابية في جلست خاصة، اشترك فيها 310 نائباً، ووافق 298 منهم على ترشيح المفوضية، بينما اعترض 12 نائباً على الترشيحات. فلا غرو أن هذا العدد يفوق العدد المنصوص عليه قانوناً بشأن إجازة المفوضية، والذي يقدر بـ 275 نائباً من نواب المجلس الوطني. وواضح من هذا الاختيار أن مؤسسة الرئاسة قد حاولت أن تبعد نفسها من اختيار الأسماء الصارخة سياسياً، فضلاً أن المادة الخامسة من قانون الانتخابات القومية أعطت المفوضية حيزاً مهنياً طيباً، بحيث أنها "تكون مستقلة مالياً، وإدارياً، وفنياً، وتمارس كافة مهامها واختصاصاتها المخولة لها باستقلال تام، وحيادية وشفافية، ويحظر على أية جهة التدخل في شئونها، وأعمالها، واختصاصاتها، أو الحد من صلاحياتها".  ومن ثم نأمل أن يسهم هذا الإطار القانوني في إدارة الانتخابات بكفاءة مهنية عالية، وشفافية ونزاهة ترقي بها إلى مصاف أداء اللجان الانتخابية السابقة، التي أشرفت على انتخابات عام 1953م، و1965م، 1968م، ونفذت مهامها الوظيفية على أحسن ما يكون، دون أن تكون عرضة لانتقادات القوى الحزبية المتصارعة، التي أجمعت على شفافية عطائها المهني، الذي كان يمثل البُعد المتحرك في العملية الانتخابية.

 

لكن النـزاهة المهنية تحتاج إلى مناخ سياسي قوامه الحرية بمعناها الشامل، ويبدو أن تلازم هذين المصطلحين لتحقيق أية انتخابات ديمقراطية قد كان واحداً من الأسباب التي دفعت الأستاذ محجوب محمد صالح لعقد مقارنة بين واقع الانتخابات القومية القادمة والانتخابات البرلمانية الأولى التي أُجريت عام 1953م، وحجته في ذلك أن أياً منهما ينطلق من اتفاقية تهدف إلى تقرير مصير ينشده أهل الجنوب (السودان) سواء كان ذلك في إطار علاقتهم مع مصر والحكومة البريطانية حسب ما جاء في اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير لعام 1953م، أو في إطار علاقة الجنوب مع الشمال وفق مقتضيات اتفاقية السلام الشامل لعام 2005م. إذاً الانتخابات البرلمانية ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لإعداد المسرح السياسي السوداني تجاه خطوة مصيرية تقضى باستمرار وحدة السودان المستدامة، أو انفصال الجنوب عن الشمال عبر استفتاء عام. فالوحدة المستدامة هي الخيار المنشود والأفضل، لكن لا يتم تحقيقها إلا في ظل حكومة منتخبة راشدة ومدركة لسلبيات الانفصال. فالحكومة الراشدة لا تؤسس إلا في ظل مناخ سياسي تسوده الحرية وسماع الرأي الآخر، وعدالة القسمة في السلطة والثروة. فإذا كانت قضية السودنة، وجلاء القوات الأجنبية من السودان من متطلبات إجراء الانتخابات البرلمانية الأولى لعام 1953م، فإن إلغاء القوانين المقيدة للحريات (قانون الأمن الوطني، والإجراءات الجنائية، وقانون الصحافة والمطبوعات، ورفع حالة الطوارئ) من أولويات المرحلة الحالية، لأن إلغاءها أو تعديلها يسهم في إجراء انتخابات حرة ونزيهة، تعبّر نتائجها عن الأوزان الحقيقية للقوى السياسية المشاركة فيها. إلا أن مسودات القوانين المشار إليها أعلاه لا زالت محل شد وجذب بين الأحزاب الحاكمة والقوى السياسية المعارضة التي طرحت، بجانب تعديل القوانين المقيدة للحريات، فكرة قيام حكومة قومية تشرف على إدارة الانتخابات، بحجة أن هذه الحظوة ستوفر المناخ الصحي اللازم لإجراء انتخابات ديمقراطية ونزيهة.

  

تحديات في طريق الانتخابات   

 

يّعدُّ الالتزام بنتائج التعداد السكاني الخامس من أهم التحديات التي تعتري طريق الانتخابات القومية القادمة، علماً بأن التعداد يتصل بحزمة من القضايا المهمة المختلف حولها سياسياً، وتأتي في مقدمتها قضية تقسيم الدوائر الانتخابية، وتحديد معايير تقسيم الثروة بين أقاليم السودان المختلفة، وتوزيع الخدمات طبقاً للكثافة السكانية، ومعرفة طبيعة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على التركيبة الديمغرافية في السودان بسبب النـزاعات الأهلية والظروف الطبيعية، والهجرة إلى الخارج، ومردود العائد النفطي على المشهد الاقتصادي. وانسحاباً على أهمية هذه القضايا المحورية بدأ الصراع السياسي محموماً قبل الشروع في عملية التعداد السكاني الخامس، حيث شكك بعض الخبراء القانونيين والأحزاب السياسية في حيدة مجلس الإحصاء السكاني القومي، متعللين بأن تكوينه قد جاء على نسق حكوميٍّ مسيسٍ، أفقده الصفة الحيادية. وذلك استناداً إلى المرسوم الرئاسي الذي شُكَّل بموجبه مجلس الإحصاء السكاني برئاسة الفريق بكري حسن صالح، وأمانة الدكتور يسن الحاج عابدين، مدير الجهاز المركزي للإحصاء، وعضوية وزير المالية الاتحادي، ووزير مالية الجنوب، ومدير مفوضية الإحصاء والتعداد بالجنوب، وممثل المجلس الوطني، وممثل مجلس الولايات، واثنين من الخبراء في مجال الإحصاء. ويبدو أن هذه الانتقادات قد أثارت حفيظة القائمين على أمر المجلس، ودفعتهم إلى إصدار بيان يؤكدون فيه أن الإحصاء السكاني "عمل فني محايد ينفذه محايدون محليون ودوليون بناءً على إجراءات قياسية ودولية، ولا علاقة له البتة بالحكومة، وإن لجنة المراقبة في مجلس التعداد السكاني تضم أكاديميين وأحزاب تراقب العملية" الإحصائية. فلا شك أنهم محقون فيما ذهبوا إليه، لكن الضمانات الفنية التي أكدوا عليها لا تمنع الخوف من طغيان نفوذ الجهات الإدارية ذات اللون السياسي الصارخ على حساب الجوانب الفنية، وبذلك سيأتي الإحصاء مشوهاً وفاقداً للشرعية، لأنه لا يلبي الأهداف الكلية التي أُسس عليها.

 

وبالفعل بدأ هذا التوجس يظهر جلياً في موقف الحركة الشعبية الرافض لنتائج التعداد السكاني الخامس التي اعتمدتها مؤسسة رئاسة الجمهورية في السادس من مايو 2009م، وكلفت بموجب ذلك المجلس القومي للتعداد السكاني بأن يقوم بإجراء التحليلات الفنية للمؤشرات الاجتماعية، والاقتصادية، للاستفادة منها في التخطيط القومي الشامل، وأن تشرع المفوضية القومية للانتخابات في تقسيم الدوائر الانتخابية. بيد أن الحركة الشعبية قد شككت في نتائج التعداد السكاني الخامس، ووصفتها بعدم النزاهة والشفافية، ورفضت الاعتماد عليها كمعيار لتقسيم الدوائر الانتخابات، والقضايا الأخرى المرتبطة بتقسيم الثروة، والاستفتاء. فلا عجب أن موقف الحركة الشعبية الرافض لنتائج التعداد السكان سيشكل عقبة كداء في طريق الانتخابات، إذ لم يتواضع الجميع على معايير مهنية وسياسية تخرج العملية الانتخابية من هذا النفق المظلم.

 

والتحدي الآخر يرتبط بتباين مواقف الحكومة والأحزاب وتنظيمات المجتمع المدني حول إجراء الانتخابات في دارفور. فالدكتور نافع علي نافع، نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني، يشدد على ضرورة انعقاد الانتخابات في موعدها في كل أنحاء السودان بما فيها دارفور، وحجته في ذلك أن "الأمن مبسوط في 99%" من أنحاء دارفور، وأن هذه "النسبة أكثر من كافية لإجراء الانتخابات" في الإقليم المنكوب. وفي الوقت نفسه يرى الدكتور كمال عبيد، أمين أمانة الإعلام بالمؤتمر الوطني ووزير الدولة للإعلام، أن "قضية دارفور لا علاقة لها بقيام الانتخابات، وأن السودان جرب في حقب مختلفة عدم إجراء الانتخابات في كل أنحاء البلاد، ورغم ذلك قامت برلمانات مسؤولة."

 

وفي الاتجاه المعاكس لموقف الحزب الحاكم يبرز موقف الحركات والتنظيمات الرافضة الانتخابات دون التوصل إلى سلام عادل، ويأتي في مقدمة الرافضين حركة تحرير السودان بقيادة كبير مساعدي رئيس الجمهورية، مني أركو مناوي، وحركة تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد نور، اللتان ترفضان الانتخابات قبل إحلال السلام وإعادة توطين النازحين والمشردين بسبب الحرب في دارفور.

 

ويتجسد بين هذين الموقفين المتناقضين موقف الحركة الشعبية المشاركة في الحكم، الذي يمثله ياسر عرمان، معتبراً "إن التقرير بشأن قيام الانتخابات في دارفور من عدمها يحتاج إلى مناقشة في أجهزة الدولة، وبين كافة الأحزاب، ومع أهل دارفور خاصة، وعلى صعيد الحركة فإنه من المبكر إصدار حكم في قضية تقع في دائرة الاستراتيجيات وتحتاج إلى تقييم دقيق ... لكن قيام ... الانتخابات بدون دارفور سيكون حدثاً جللاً تترتب عليه تعقيدات كبيرة." ويصب في الاتجاه ذاته مقترح مرشح رئاسة الجمهورية، الدكتور عبد الله علي إبراهيم، الذي يؤمن على ضرورة إقامة "الانتخابات في دارفور، بصورة مفصلة على وقائعها الديمغرافية، والاحتقانية، والأمنية الراهنة"، وذلك وفق آليات تتفق عليها القوى السياسية، "لتسد مسد التسجيل والتصويت المباشرين." لأن النظام الديمقراطية، من وجهة نظره، هو المدخل الأمثل لحل مشكلات دارفور، لأنه سيقع موقعه من رغبة سواد الدارفوريين، "بعد شتات طال، إلى استرداد صوتهم السياسي ليقرروا بشأن صورة الحكم في ولايتهم، والوطن بأسره."

 

فلا غرو أن هذه المواقف المتباينة تجسد نوعاً من الربكة السياسية التي تذكرنا بواقع الحال في الجنوب عام 1965م، عندما عجزت لجنة الانتخابات العامة من إعداد قوائم الناخبين في المديريات الجنوبية بالصورة المرجوة، وانسحاباً على ذلك نبعت فكرة المفاضلة بين إجراء انتخابات جزئية في السودان أو تأجيل العمليّة الانتخابية برمتها. وانقسم الرأي السياسي حول هذه القضية بين الإجراء الجزئي والتأجيل، وكانت كفة المؤيدين للإجراء هي الراجحة، السبب الذي أدى إلى مقاطعة حزب الشعب الديمقراطي للانتخابات الجزئية التي أُجريت في شمال السودان، ودفعه إلى اتهام المشاركين فيها بـ"الخيانة الوطنية"، لأنهم من وجهة نظره قد مهدوا الطريق لانفصال الجنوب عن الشمال. فلا غرو أن إجراء الانتخابات في الشمال دون الجنوب كان له انعاسكاته السالبة على المشهد السياسي، كما بينا ذلك في الحلقات السابقة، وكان أيضاً واحداً من الأسباب التي أربكت العمل الديمقراطي داخل الجمعية التأسيسية وخارجها، ووسَّعت الشقة بين الشمال والجنوب، وعجلت بحلِّ الجمعية التأسيسية قبل انتهاء دورتها القانونية، دون أن تنجز الدستور، وتحلّ كثير من القضايا السياسية العالقة، بل شغلت نفسها بإجراءات حل الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه من البرلمان، وتداعيات الصراع الذي نشب بين رئيس حزب الأمة السيِّد الصادق المهدي وعمه السيِّد الهادي المهدي راعي الحزب وأمام الأنصار.

 

والتحدي الثالث، كما يرى الأستاذ المحامي إبراهيم علي إبراهيم، يتمركز حول إمكانية توعية الناخب السوداني، لأن الذين لم يشتركوا في انتخابات عام 1986م أصبحوا الآن مؤهلين للمشاركة في الانتخابات القادمة، إلا أنهم لم يشهدوا أية انتخابات ديمقراطية، وليس لهم إرث انتخابي تاريخي أو معرفة واسعة بثقافة الانتخابات الديمقراطية تأهلهم لأداء الدور الانتخابي المناط بهم حسب الصورة المرجوة، فلا جدال أن هذا الواقع يضع تحدياً حقيقياً أمام الأحزاب السياسية وتنظيمات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية، لتقوم بتوعية هذه الأجيال التي تشكل الثقل الانتخابي في الانتخابات القادمة، وإليها يستند محور التغير السياسي في السودان. فضلاً عن ذلك إن العملية الانتخابية ستكون أكثر تعقيداً، لأن الناخب في الشمال يجب أن يختار مرشحيه عبر ست بطاقات، بطاقة لرئيس الجمهورية، وأخرى لوالي الولاية، وثالثة لنائب الدائرة الجغرافية، ورابعة لقائمة الأحزاب، وخامسة لنائب البرلمان الولائي، وسادسة لدوائر المرأة؛ وسيدلي صنوه في الجنوب بسبع بطاقات، تمثل السابعة منها بطاقة رئيس حكومة الجنوب. وفوق هذه التحديات الإجرائية المرتبطة بتوعية الناخب، نلحظ إن الإرث الانتخابي السوداني بالرغم من تاريخه الطويل الذي يرجع إلى عام 1953م إلا أنه أرث تاريخي متقطع بفعل الانقلابات العسكرية، ولا يشكل منظومة تراكمية يمكن الاستفادة من مرجعيتها الفقهية والسياسية في حل المشكلات والنـزاعات السياسية التي تبرز إلى حيز الوجود أثناء العملية الانتخابية وبعدها. لكن يجب أن لا يمنع هذا الواقع المعقد تنظيمات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية من قراءة أحداث الماضي السياسي بوعي تاريخي، والاستئناس الموضوعي بتجارب الآخرين، لطرح حلول مناسبة لمشكلات السودان الآنية؛ لأن تقدم الشعوب والأفراد يقاس بمدى قدرتهم على فهم التحديات ووضع الحلول المناسبة، علماً بأن كل فعل إنساني يقوم على درجة من التحدي والاستجابة التي تمكنه من تجاوز ذلك التحدي، إذا كانت استجابته استجابةً مدروسةً، أو تقوده إلى الخضوع والإذعان لسلطان التحدي القاهر، إذا كانت استجابته استجابةً رخوةً ونابعةً من وحى تنجيمه وحدسه القاصر. فالمسافة بين التجاوز والإذعان هي المعيار الفاصل في تحديد درجة تقدم الشعوب والأفراد في إطار منظومة الزمن المتغيرة والمتجددة دوماً.

 

ويرتبط التحدي الرابع بالتغيرات الأساسية التي طرأت على الخارطة السياسية وتضاريسها الديمغرافية، حيث بينت نتائج الاستطلاع الذي أجرته وحدة قياس الرأي العام بمعهد أبحاث السلم بجامعة الخرطوم أن الحركة الشعبية ستكتسح الانتخابات القادمة في ولايات الجنوب بنسبة 98% من أصوات الناخبين، ومنطقة جبال النوبة بنسبة 94%، ومنطقة أبيي في جنوب كردفان بنسبة 97%؛ وسيحقق المؤتمر الوطني تفوقاً في شمال السودان بنسبة 42%، وذلك باستثناء ولايات دارفور التي ستكون الغلبة فيها للحركات الجهوية بنسبة 97%، وفي شرق السودان ستحصل جبهة الشرق على نسبة 93%؛ وبناءً على هذه الاستنتاجات سيحصل حزب الأمة القومي على 23% من أصوات الناخبين بالمديريات الشمالية؛ والحركة الشعبية على 20%؛ والمؤتمر الشعبي على 6%؛ والحزب الشيوعي السوداني على 5%؛ والاتحادي الديمقراطي (المرجعيات) على 4%. وبالرغم من الإشكاليات الفنية التي تعتري نتائج هذا الاستطلاع وتشكك في صدقيتها، إلا أنه يعطي أيضاً بعض المؤشرات التي تؤكد أن الانتخابات القادمة، إذا أُجريت بحرية ونزاهة، ستحدث تغيرات واضحة على الخارطة السياسية، بما في ذلك وضع الأحزاب الحاكمة والمعارضة. بالنسبة للأحزاب الحاكمة ستُعدل النسب التي أقرتها اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا): 52% للمؤتمر الوطني، و28% للحركة الشعبية، و14% للقوى الشمالية، و6% للقوى الجنوبية، وفي المقابل ستفقد الأحزاب التقليدية (الأمة والاتحادي) عدداً من الأصوات في أماكن ثقلها السياسي لصالح الحركات الجهوية، والمؤتمر الوطني، والحركة الشعبية. إذاً اختلال الموازنة السياسية بهذه الكيفية سيطرح حزمة من علامات الاستفهام حول مستقبل اتفاقية السلام الشامل ذات الصبغة الثنائية، وحول موقف التنظيمات الجهوية في دارفور والشرق من معايير قسمة السلطة والثروة التي أقرتها اتفاقية نيفاشا، وحول طبيعة التحالفات السياسية الجديدة التي ستفرزها الحملة الانتخابية ونتائج الانتخابات بين طرفي اللعبة السياسية: الحكومة والمعارضة.

 

فالتحديات التي أشرنا إليها أعلاه تحتاج إلى قراءة ثاقبة من الأحزاب الحاكمة والمعارضة على حد سواء، لأن بعضها يقدح في فاعلية البُعد الساكن للعملية الانتخابية، نسبة لغياب بعض القيم المهنية، وتعاظم النفوذ الحزبي في المؤسسات المرتبطة بإدارة الانتخابات والإعداد لها، وتلك المؤسسات التي كان يفترض أن تُوصف بالحياد والشفافية، الأمر الذي أثار جملة من الشكوك حول نزاهة الانتخابات القادمة وشفافية إدارتها. ويرتبط بعضها الآخر بالبُعد المتحرك للعملية الانتخابية والمتمثل في النظرة الحزبية الضيقة لأهمية البُعد الساكن، وفاعلية البُعد المتحرك في معالجة بعض القضايا الاستراتيجية، مثل قضية إجراء الانتخابات في دارفور أو تأجيلها، فالجدل الدائر الآن في أوساط النخب السياسية يستند إلى مماحكات قطاعية ضحلة لا تفضي إلى إفراز حلول استراتيجية، بل تسهم في تعقيد المشهد السياسي ووضع عربة الكسب الحزبي المحدود أمام حصان المصلحة العامة دون الوصول إلى مصالحة وطنية حقيقية، تشكل الإطار السياسي للعملية الانتخابية في مناخ تسوده حرية الحراك السياسي وشفافية الأداء الحزبي. ونأمل أن لا تكون الانتخابات المزمع عقدها في 2010م عبارة عن مساحيق لتجميل القيم الشمولية على حساب أدبيات الديمقراطية الرحبة، وأن لا تكون خطوة تجاه خيار تشظي السودان إلى كينونات سياسية متناحرة على حساب الوحدة المستدامة في إطار التنوع.

  نقلاً: عن صحيفة الأحداث