أبيي من شقدوم إلى لاهاي  (2)
تأليف البروفيسور سليمان محمد الدبيلو
عرض وتحليل
أحمد إبراهيم أبوشوك
تناولنا في الحلقة الأولى من مُدارسة كتاب الأستاذ الدكتور سليمان محمد الدبيلو أبيي من شقدوم إلى لاهاي الخلفية الأكايمية والجهوية والسياسية للمؤلف، والهيكل البحثي الذي اعتمد عليه في نسج فصول كتابه بمجلديه الاثنين، والآن ننتقل إلى المحور الأول من محاور عرضنا الثلاثة لكتاب، مسلطين الضوء على البُعد التاريخي لقضية الصراع في منطقة أبيي من منظور المؤلف، المعضد بإرث أهله المسيرية والوثائق التاريخية المصاحبة؛ وعلنا بذلك نمهد الطريق إلى القارئ الكريم؛ لينظر بعين فاحصة في المحور الثاني الذي يقوم سُداه على موقع أبيي في خارطة النزاع التفاوضي الذي أفضى إلى اتفاقية السلام الشامل لسنة 2005م، وبروتوكولاتها المرتبطة بقضية أبيي، وطبيعة الواقع النزاعي الذي قاد إلى قرار التحكيم في لاهاي.     



التطور التاريخي لمشكلة أبيي
يرى البروفيسور الدبيلو أن التطور التاريخي للمشكلة ارتبط بأربع مراحل رئيسة، وصفها بالبراءة، والعنفوان، والنضوج، والشيخوخة. وتبدأ مرحلة البراءة بوصول المسيرية إلى منطقة أبيي، والمناطق المجاورة للرقبة الزرقاء، ورقبة بييرو، وبحر العرب منذ مطلع القرن الثامن عشر للميلاد، بينما وصل رصفاؤهم من دينكا نقوك إلى المنطقة نفسها في نهاية القرن التاسع عشر للميلاد، وذلك بعد الفيضانات التي تعرض لها موطنهم الأصل في وادي الزَّراف في جنوب السُّودان، وغارات النوير التي هددت وجودهم في مراعي الجزء الشمالي الشرقي من منطقة بحر الغزال وحول بحيرة نو. وتوصل الدبيلو إلى هذه النتيجة من بعض المصادر والمراجع التي استشارها، ونذكر منها مخطوط الفكي النور موسى الذي يرجع تاريخه إلى عام 1700م، ومشاهدات الرحالة محمد بن عمر التونسي، وكتابات بعض الإداريين البريطانيين أمثال ك. دي. دي. هندرسون، وأي. دو سي هاملتون، وبول هاول، والباحث الانثربولوجي إيان كنسون. وبذلك حاول أن يدحض ما جاء في تقرير لجنة خبراء حدود أبيي الذي استقى معلوماته من مدونات هندرسون التي اعتمد فيها على رواية القسيس نبيل، التي تزعم بوصول دينكا نقوك إلى المناطق الواقعة شمال بحر العرب عام 1755م، وكذلك مذكرات الرحالة براون الذي زار المنطقة عام 1798م، وأشار إلى وجود مجموعة من الدينكا في المناطق المتاخمة لبحر العرب دون تحديد الفرع الدينكاوي الذي ينتمون إليه. وواضح أن هذا التباين في المصادر التاريخية يعطي قراءات متعارضة، تجعل قضية الأسبقية في الإقامة محل نزاع بين الطرفين، علماً بأن الرأي الراجح بالنسبة للدبيلو أن دينكا نقوك قدموا إلى المنطقة الواقعة شمال بحر العرب بعد تحويلهم إدراياً إلى مديرية كردفان. وقد استأنس في ذلك بتقرير الاستخبارات الإنجليزية المصرية رقم 128، المؤرخ في مارس 1905م، الذي ينص على تبعية دينكا نقوك إدارياً لمديرية كردفان، ولم يذكر القرار مدينة أبيي الحالية؛ لأنها لم تكن موجودة في ذلك الوقت، بل إنها أُسست بعد عدة سنوات من إصدار  ذلك القرار. وبذلك يخلص المؤلف إلى نتيجة مفادها أن قرار عام 1905م يعني انضمام دينكا نقوك وأراضيهم في جنوب بحر العرب إلى مديرية كردفان، وليس كما ورد في بروتوكول أبيي الذي حاول أن يطابق بين منطقة أبيي الحالية ومشيخات دينكا نقوك المستقرة في جنوب بحر العرب دون أدنى دليل تاريخي. وهنا يتفق البروفيسور الدبيلو مع الدكتور أمين حامد زين العابدين الذي ألقى باللائمة على المبعوث الأمريكي جون دانفورث الذي صاغ بروتوكول أبيي "على عجل، ودون وضع اعتبار للحقائق التاريخية المعروفة، الأمر الذي جعله يفسح المجال للتأويلات المختلفة، وذلك بعد تعثر المفاوضات وعدم تقدمها بسبب عدم اتفاق الأطراف حول كيفية حلِّ مشكلة أبيي". وبذلك عرَّف البروتوكول منطقة أبيي في المادة الأولى فقرة (2) على أنها منطقة مشيخات دينكا نقوك التي حُوَّلت إلى كردفان سنة 1905م، ونصَّ في المادة الخامسة على تأسيس مفوضية حدود أبيي، بهدف تحديد وترسيم منطقة مشيخات دينكا نقوك التسع التي حُولت إلى كردفان سنة 1905م. ولذلك ينتقد الدبيلو بروتوكول أبيي، الذي وقعه طرفا نيفاشا (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) في السادس والعشرين من مايو 2004م، ويُعدُّه من أبرز سلبيات اتفاقية السلام الشامل لعام 2005م، وذلك لتناقضه مع بروتوكول مشاكوس الذي عرَّف جنوب السُّودان حسب الحدود الإدارية التي كانت قائمة عام 1956م.
ويعزي الدبيلو نجاح تبعية دينكا نقوك إدارياً إلى كردفان إلى ميثاق الإخاء الذي أبرمه الناظر علي الجُلة والسلطان كوال أروب الذي خَلفَ والده على السلطنة أو النظارة، وبموجب ذلك الميثاق زادت هجرة دينكا نقوك إلى أبيي، وصحبهم أيضاً الدينكا البونقو الذين علَّق مدير بحر الغزال في خطاب صادر بتاريخ 21/7/1927م على هجرتهم واستقرارهم في المنطقة، بقوله: "ظلت العلاقة مع العرب جيدة. ترعى قطعان العرب والدينكا جنباً إلى جنب على الألسنة الدنيا من رقبة أم بيرو، وقد أظهر الدينكا (فرع بونقو) ثقة في العرب بتوسيع قراهم الدائمة أبعد نحو شمال الجرف ... كوال هو أكبر معجب بالناظر علي الجُلة." (مج1، ص: 53).
يرى المؤلف أن التعايش السلمي الذي شهدته تلك الفترة قد دفع السلطان كوال أروب مرّة أخرى إلى رفض العرض الذي قُدم له من طرف الحكومة الاستعمارية بشأن العودة إلى مديرية بحر الغزال عام 1930م، وذلك في إطار قانون المناطق المقفولة لجنوب السُّودان لعام 1922م، وتطوير مؤسسات الإدارة الأهلية. وكان رفضه مؤسساً على إجماع دينكا نقوك الذين آثروا الاستقرار في ديار المسيرية، تعللاً برسوخ العلاقات الودِّية التي نشأت بينهم وسكان المنطقة، وبإدراك زعيمهم السلطان كوال بأن أمر العودة إلى بحر الغزال سيفقدهم الأرض التي عاشوا عليها. ويعضد المؤلف هذا المشهد برواية الدكتور فرانسيس دينق التي تقول في إحدى مقاطعها: "صرح كوال أروب لاحقاً لزعماء الدينكا في اجتماع خاص بأن اختياره لم يكن تفضيلاً للعرب علي أهله الدينكا، لكنه كان وسيلة لحماية أرضهم ومصالحهم، فإذا زاد عددهم في أحد الأيام فأنهم سيعرفون أنهم شعب واحد مع أهلهم الدينكا، وسيرجعون إلى وطنهم الأصل للانضمام إليهم. وإذا قرر نقوك الانضمام للجنوب فإنه كان يخشى أن يطالب العرب بالأرض على أنها ملكهم، ومن ثم يتحولوا إلى جيران معادين، ويجبرون الدينكا على الخروج منها." (مج 1، ص: 56).
وجاءت المحاولة الثالثة لإقناع دينكا نقوك بالعودة إلى مديرية بحر الغزال، حسب رواية المؤلف، عندما شرعت الحكومة الثنائية في تأسيس مجلس ريفي المسيرية، وعرض ممثلها آنذاك، مايكل تييس مفتش مركز دار المسيرية، ثلاثة خيارات على دينكا نقوك، وهى الانضمام إلى مجلس ريفي المسيرية بمديرية كردفان، أو مجلس ريفي قوقريال بمديرية بحر الغزال، أو المجلس الجديد المزمع تأسيسه في بانتيو بمديرية أعالي النيل. فكان الخيار الأمثل لدينكا نقوك هو الانضمام إلى مجلس ريفي المسيرية، وتفعيل مشاركتهم في عضوية المجلس عن طريق السلطان دينق مجوك وبقية طاقم إدارته الأهلية. ومنذ تلك الفترة لمع الزعيمان السلطان دينق مجوك، والناظر بابو نمر، حيث أسهما في ترسيخ قيم التعايش السلمي بين دينكا نقوك والمسيرية، وبلغت تلك العلاقة ذروتها عندما تمَّ اختيار السلطان دينق مجوك رئيساً لمجلس دار المسيرية عام 1955م. ولكن ذلك التعايش السلمي بدأ يتآكل عشية الاستقلال، عندما انضمَّ نفر من شباب دينكا نقوك المتعلمين إلى حركة أنانيا الأولى، وطالبوا بإلحاق منطقة أبيي بجنوب السُّودان. وألقت بعد ذلك الحروبات التي جرت بين المسيرية ودينكا نقوك بظلالها على منطقة أبيي، ويجسد ذلك الواقع المرير قول الناظر دينق مجوك إلى مفتش مركز ريفي دار المسيرية: "أرجو أن تبلغ حاكم المديرية بأننا نواجه مشكلة حرق العديد من القرى، ونزوح معظم السكان إلى المدن الشمالية،  ونرجو منه أن يخطرنا إذا كان من الأفضل أن نبني منازلنا في المواقع القديمة، أم في مناطق جديدة، وقُل له أنه سواء أن شيدنا منازلنا في جنوب نهر كيرا أو شمال النهر فسنظل ... في كردفان، ومهما كان عدد القتلى والقرى المحروقة فإننا سنبقى في كردفان، ولن يستطيع أحد أن يجبرنا على الخروج منها."
ويبدو من هذا الطرح أن زعماء العشائر في القبيلتين كانوا مدركين لأهمية التعايش السلمي الذي يضمن لهم استمرارية العيش بسلام وأمان، وإن تأثير الصراعات القومية في نظرهم كان تأثيراً عارضاً، يجب أن لا يؤخذ به كأساس للطلاق البائن بين القبيلتين، والذي يسهم في توسيع بؤرة الصراع المحلى. وإلى جانب ذلك كانت مؤسسات الإدارة الأهلية تمثل بالنسبة لهم صمام الأمان الذي يسهم في حلّ النـزاعات التي تنشأ من حين إلى حين، ولكن حلّ الإدارة الأهلية في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وعدم إدراك الحكومة المركزية في الخرطوم وبعض أفراد النخبة الجنوبية لأهمية منطقة أبيي، كما يرى الدكتور منصور خالد ويوافقه الرأي الدكتور الدبيلو، قد أسهم في إضعاف الثقة بين طرفي المعادلة السياسية في المنطقة التي كان من المفترض أن تكون بمثابة جسر عبور ثقافي، وتواصل اجتماعي بين جنوب السُّودان وشماله.
وقد تجسد هذا الواقع الصدامي، حسب قراءة المؤلف، في اتفاقية أديس أبابا لعام 1972م، التي تمَّ بموجبها تعريف جنوب السُّودان بالإقليم الذي يشمل "مديريات بحر الغزال، والاستوائية، وأعالي النيل حسب حدودها كما كانت في أول يناير 1956م، وأي مناطق كانت جزءاً ثقافياً وجغرافياً من جنوب السُّودان الذي يحتمل تقريره في استفتاء." وبذلك تمت الإشارة ضمناً إلى منطقة أبيي، والاستفتاء كان ينظر إليه كأداة لتبرير ضم منطقة أبيي إلى مديرية بحر الغزال؛ إلا أن القائمين بالأمر، حسب رؤية فرانسيس دينق، أدركوا صعوبة التنفيذ، لأن الشمال لا يرغب في أن يمارس دينكا نقوك ذلك الحق ليستأصلوا بموجبه جزءاً مهماً من مديرية كردفان، ولم يكن الجنوب مستعدّاً للتضحية بالوحدة والسلام اللذين اكتسبهما مؤخراً لصالح قضية أبيي. وعند هذا المنعطف برزت خطة تنمية منطقة أبيي، بحجة أنها ستكون حلقة وصل بين الشمال والجنوب. ومن ثم يجب تطويرها بصفة خاصّة في ظلّ مناخ الوحدة والسلام الذي أفرزته اتفاقية أديس أبابا، وبموجب ذلك أُعلنت تبعية إدارتها إلى رئاسة الجمهورية عام 1974م؛ إلا أن هذا الإعلان لم يُصحب بعمل ميداني، وذلك لأسباب مختلفة، ارتبط بعضها بإفرازات اتفاقية أديس أبابا التي أعطت الجنوب حكماً ذاتياً، الأمر الذي دفع النخبة المتعلمة من دينكا نقوك إلى السعي الحثيث لضمِّ منطقة أبيي إلى المديريات الجنوبية، لتحصل تلك النخبة على جُعلها الوظيفي في إدارة الإقليم الجنوبي بدلاً من أن تكون أقلية في مديرية كردفان. وإلى جانب ذلك فإن الواقع المحلي في منطقة أبيي لم يكن متفاعلاً مع ذلك التوجه، بل كان معارضاً من طرف خفي لتولي بعض قادة دينكا نقوك للوظائف التنفيذية العليا في المنطقة. فضلاً عن ذلك أن الحكومة المركزية في الخرطوم لم تَفِ بالوعود التي قطعتها على نفسها بشأن تطوير منطقة أبيي. وبعد ذلك تعقدت الأمور على المستويين المحلي والقومي، وتأثَّرت منطقة أبيي بإسقاطات الفعل القومي الباخس لمقترح التمازج الوحدوي في المنطقة على هدي اتفاقية أديس أبابا، فضلاً عن أن تداعيات الحرب الأهلية التي اندلعت في جنوب السُّودان عام 1983م قد ألقت بظلالها القاتمة على واقع الحال بمنطقة أبيي. وبرز حلّ المشكلة مرّة أخرى في طيات مفاوضات نيفاشا التي أفضت إلى صياغة بروتوكول أبيي، وتوقيعه من قبل حكومة السُّودان، والحركة الشعبية في السادس والعشرين من مايو 2004م.


(يتبع الحلقة الثالثة: موقع أبي في خارطة التفاوض)
Ahmed Abushouk [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]