أزمة أبيي بين القانون الدولي ومسألة التحكيم

 

تأليف الدكتور أمين حامد زين العابدين

 

عرض وتحليل : أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

يقول الفيلسوف الإغريقي أرسطو طاليس في سِفر السياسة: "العالم بُستان سياجه الدولة، الدولة سلطان تحيا به السُنَّة، السُنَّة سياسة يسوسها المُلك، المُلك نظام يعضده الجُند، الجُند أعوان يكفلهم المال، المال رزق تجمعه الرعيَّة، الرعيَّة عبيد يكنفهم العدل، العدل مألوف وبه قوام العالم." يبدو جليَّاً من هذا المنظور الأرسطي أن اختلال ميزان العدل يؤثر سلباً على مسارات العلاقة التبادليَّة بين صاحب السُلطة، وجنوده، وتوزيع الثروة وإدارتها مساواةً بين الرعيَّة ومؤسسات الدولة. وبفقدان العدل المؤسسي يفقد الناس ومنظمات المجتمع المدني الثقة في الحكومة ومؤسساتها العدليَّة؛ لأنها لا تمثل بالنسبة لهم سلطة محايدة يتخاصمون إليها، ويَقْبَلُون عن طيب خاطر قراراتها القضائية وشبة القضائية، بحجة أنها لا ترعى حقوقهم العامة والخاصة حسب نصوص القوانين وتفسيراتها المهنية. ونلحظ تاريخياً أن مثل هذا الشعور القادح في مهنية مؤسسات الدولة يعكس بُعدَّاً من أبعاد النـزاع حول شرعية الحكومة نفسها. فإذا كان مثل هذا النـزاع بين الحكومة والمعارضة حول قضية سياسية فهو أمر معلوم وطبيعي، لكنه إذا كان بين الشركاء في الحكم وحول ترسيم حدود إدارية داخل إقليم الدولة، فسيكون نشازاً عن المألوف؛ لأنه يجسد قيمة من ِقيم فقدان الثقة في مؤسسات الدولة الحاكمة، وفي الوقت نفسه يصور النـزاع حول الحدود الإدارية بحسبانه نزاعاً حول حدود دولية ربما تشكِّل في المستقبل القريب جزءاً من معالم دولة جديدة تُولد من صلب الدولة القديمة وترائبها. ولعلنا نجمع القول إن مثل هذا التصور النظري ينطبق على واقع الصراع القائم الآن حول منطقة أبيي في جنوب كردفان، علماً بأن قطبي الرحى فيه هما الطرفان الرئيسان في "حكومة الوحدة الوطنية" (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية)، واللذان جرحا في نزاهة الاحتكام إلى مؤسسات الدولة العدليَّة وتقرير لجنة خبراء مفوضية حدود أبيي، وآثرا التقاضي والاحتكام أمام هيئة التحكيم الدولية في لاهاي بهولندا. 

 

          قبل أسبوع من بداية جلسات هيئة التحكيم الدولية في لاهاي في يوم السبت الموافق 18 أبريل 2009م، لسماع مذكرات طرفي النـزاع وشهودهما حول قضية أبيي، أهدي ليَّ أستاذي الفاضل الدكتور أمين حامد زين العابدين نسخة من كتابه الصادر عام 2009م بعنوان: "أزمة أبيي بين القانون الدولي ومسألة التحكيم". وتدور إشكالية هذا الكتاب حول علاقة القانون الدولي بمشكلة أبيي، والصراع الراهن حول ملكيتها بين قبيلتي المسيرية ودينكا نقوك، ثم كيفية تطبيق مبدأ قدسية الحدود الموروثة من الاستعمار في حالة تعارض حقّ تقرير المصير لجنوب السودان مع الحفاظ على سلامة أراضي شماله ووحدتها، وكيفية إعادة ترسيم حدود السودان القديم في ظل أطروحات السودان الجديد التي تنشدها الحركة الشعبية لتحرير السودان. يتكون الكتاب من 159 صفحة من القطع المتوسط، مقسَّمة إلى مقدمة، وسبعة فصول رئيسة، تليها حزمة ملاحق وثائقية وخرائط توضيحية، ثم ثبت للوثائق والمراجع، ونبذة عن المؤلف، وتأهيله الأكاديمي، وخبرته العملية. ويسبق هذا العرض التنظيمي لإشكالية الكتاب إهداء إلى نفر سلفوا من عشيرة المؤلف الأقربين، وإلى روح زميله في الدراسة "مارك ماجاك أبييم الذي قضى نحبه في حوادث العنف التي شهدتها منطقة أبيي في يونيو 1977م، [وذلك] قبل إكمال رسالته للدكتوراه من جامعة لندن عن تاريخ أبيي". ويلي هذا الإهداء الحزين والمفعم بالأسى تقديم جيد الصنعة للبروفيسور عبد الله علي إبراهيم عن إشكالية الكتاب والقضايا المصاحبة لها. 

 

          في عرضنا لمفردات هذا السِّفر القيم في موضوعة، ونَظْمِه الأكاديمي نتمرَّد على نمطية العرض التقليدي للكتب، ونستأنس بعرض تحليلي لا يلتزم بعرض فصول الكتاب كما هي عليه من حيث الترتيب والتسلسل الموضوعي، لكنه يقترح ثلاثة مداخل رئيسة من خلالها تتم مناقشة النص وتقويمه، ثم توطينه في ثبت الأدبيات المؤيدة لأطروحة الدكتور أمين حامد زين العابدين والمعارضة لها، وذلك توافقاً مع ما ذهب إليه المؤلف حين قال تواضعاً: "كان الباعث الأساس لتأليف هذا الكتاب البحث عن الحقيقة حول هذه القضية الشائكة، دون تحيز لأي طرف من أطراف النـزاع. وينعكس ذلك في استعداد المؤلف لقبول أي تفسير يعارض ما يعتقده حول المسائل المختلف عليها في قضية أبيي، متى ما ظهرت وثيقة، أو حقيقة تاريخية جديدة تثبت صحته، وتساهم في الوصول إلى الحقيقة المنشودة." وبذلك ترك المؤلف الباب موارباً لسماع الرأي الآخر الذي يكون معضداً بالحجة الثاوية، والبرهان الدامغ. ومن ثم آمل أن تُسلط هذه المدارسة ضوءاً ساطعاً على محتويات كتاب أزمة أبيي، وتؤسس لسماع نصح أهل الرأي بمنعرج اللوى قبل أن يطل على أهل السودان ضُحى الغد. ونأمل بفضل هذا النصح المنشود أن يحمد المدلجون السُّرى، قبل أن يذبحوا أبقارهم الإناث في شهور قَحْطهم العجاف، أو يصدروا قراراتهم المصيرية في ساعات حُرقةٍ جامحةٍ، أو انهزام مهيض الجناح، بل يحدونا الأمل أن يدركوا أن شهور الخريف (أي القرارات الصائبة) ستأتي إليهم بسنبلاتٍ خُضرٍ، وأبقار بطان إذا قدروها حق قدرها.

 

التاريخ الطبوغرافي لمنطقة أبيي

 

قدَّم الدكتور أمين حامد زين العابدين أطروحته حول أزمة أبيي من مدخل تاريخي، صوَّر من خلاله بعض ملامح منطقة أبيي الواقعة بين شمال بحر العرب، وجنوب كردفان في الفترة بين 1755 و1955م. وجادل بأن المسيرية وصلوا إلى منطقة أبيي، والمناطق المجاورة للرقبة الزرقاء، ورقبة بييرو، وبحر العرب منذ مطلع القرن الثامن عشر للميلاد، بينما وصل رصفاؤهم من دينكا نقوك إليها في عشرينيات القرن التاسع عشر للميلاد، وذلك بعد الفيضانات التي تعرض لها موطنهم الأصل في وادي الزَّراف في جنوب السودان. وخلُص المؤلف إلى هذه النتيجة في ضوء المصادر والمراجع التي استشارها مباشرةً، أو نقلاً عن مرجع آخر، ونذكر منها مخطوط الفكي النور الذي يرجع تاريخه إلى عام 1700م، ومشاهدات الرحالة وليم براون، ومحمد بن عمر التونسي، وكتابات بعض الإداريين البريطانيين أمثال ك. دي. دي. هندرسون، وبول هاول، والباحث الانثربولوجي أين كنسون. إلا أن الإشكالية في هذا الجانب تكمن في أن قراءة المصادر التاريخية تخضع في كثير من الأحيان إلى تفسيرات عدة، وتحليلات متباينة؛ لأن كلَّ طرف من أطراف النـزاع ينظر إليها من الجانب الذي يروق له. ولا يعني هذا الافتراض أن النتيجة التي توصل إليها الدكتور أمين حامد زين العابدين كانت مجافية للصواب، بل هي أقرب إليه، لأنه استطاع أن يعالج إشكالية البُعد التاريخي من خلال منهج أكاديمي حصيف. لكن في المقابل نلحظ أن الدكتور منصور خالد استأنس المصادر نفسها التي أشرنا إليها، ثم توصل إلى نتيجة مفادها أن تاريخ وصول القبيلتين إلى المنطقة المتنازع حولها محل نظر واختلاف. ومن ثم فإن الإقامة السابقة أو اللاحقة في المنطقة، يجب أن لا تملِّك أحداً من القبيلتين أرضاً في جنوب كردفان بهذه الكيفية، علماً بأن أهل المنطقة الأصليون هم النوبة والداجو ومجموعة ثالثة تسمى الشات يقال إن لها نسباً بالنوبة في الجبال، وبالجور في بحر الغزال. (منصور خالد، أبيي .. من قطع الخيط). ولا شك أن قول الدكتور منصور له وجاهته، لكن مثل هذا التوثيق التاريخي يجب أن ينظر إليه في إطار القضية المطروحة حالياً للتحكيم. ويبدو أن الدكتور أمين انطلق من فرضية تهدف إلى دحض الحجة التي أرتكن إليها تقرير لجنة خبراء حدود أبيي الذي استقى معلوماته من مدونات هندرسون التي اعتمد فيها على رواية القسيس نيبيل القاضية بوصول دينكا نقوك إلى المناطق الواقعة شمال بحر العرب عام 1755م، ومذكرات الرحالة براون الذي زار المنطقة عام 1798م، وأشار فيها إلى وجود مجموعة من الدينكا في المناطق المتاخمة لبحر العرب دون تحديد الفرع الذي ينتمون إليه من ضمن الفروع المختلفة لقبيلة الدينكا.

           ويرى الدكتور أمين أن انتشار دينكا نقوك بين مديريتي كردفان وبحر الغزال قد خلق بعض التعقيدات الإدارية لاحقاً، الأمر الذي دفع إدارة الحكم الثنائي إلى تخييرهم بين البقاء في مديرية كردفان أو العودة إلى وطنهم الأصل في جنوب بحر العرب. وفي ضوء إيثارهم البقاء في كردفان قررت إدارة الحكم الثنائي عام 1905م بأيلولة "ملكية موطن السلطان أروب [بيونق] في منطقة ميثانق ديل في جنوب بحر العرب إلى مديرية كردفان، والتبعية الإدارية لدينكا نقوك لكردفان نتيجة لذلك، والسماح لهم بحرية الانتقال في مناطقها. لذلك لم يذكر القرار كلمة تحويل (transfer) لكي لا يطالب دينكا نقوك في المستقبل بالمناطق التي استقروا فيها في شمال بحر العرب إذا أرادوا الرجوع إلى موطنهم الأصل في مديرية بحر الغزال. ولم يذكر القرار مدينة أبيي الحالية، لأنها لم تكن موجودة في ذلك الوقت حيث لم يتم تأسيسها إلا بعد عدة سنوات من إصدار القرار." (أزمة أبيي، ص 20-21). وبذلك يخلص المؤلف إلى نتيجة مفادها أن قرار عام 1905م يعني "انضمام دينكا نقوك وأراضيهم في جنوب بحر العرب إلى مديرية كردفان، وليس تحويل مدينة أبيي الحالية من مديرية بحر الغزال إلى مديرية كردفان كما ورد خطأ في بروتوكول أبيي الذي حاول التطابق بين مدينة أبيي الحالية ومشيخات دينكا نقوك المستقرة في جنوب بحر العرب بدون أي دليل تاريخي." (أزمة أبيي، ص 20-21). وهنا يلقي الدكتور أمين حامد زين العابدين باللائمة على المبعوث الأمريكي جون دانفورث الذي صاغ بروتوكول أبيي "على عجل، ودون وضع اعتبار للحقائق التاريخية المعروفة، الأمر الذي جعله يفسح المجال للتأويلات المختلفة، وذلك بعد تعثر المفاوضات وعدم تقدمها بسبب عدم اتفاق الأطراف حول كيفية حلِّ مشكلة أبيي". وبذلك عرَّف البروتوكوك منطقة أبيي في المادة الأولى فقرة (2) على أنها منطقة مشيخات دينكا نقوك التي حُولت إلى كردفان سنة 1905م، ونصَّ في المادة الخامسة على تأسيس مفوضية حدود أبيي، بهدف تحديد وترسيم منطقة مشيخات دينكا نقوك التسعة التي حُولت إلى كردفان سنة 1905م. (أزمة أبيي، ص 92).

          وهنا مربط الفرس، حيث يرى الدكتور أمين حامد زين العابدين أن الاقتراح الذي تقدم به جون دانفورث، وضمَّنه في مقدِّمة البروتوكول الذي وَقَّع طرفا نيفاشا (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) عليه في السادس والعشرين من مايو 2004م، يعدُّ من أبرز سلبيات اتفاقية السلام الشامل لعام 2005م، وذلك لتناقضه مع بروتوكوك مشاكوس، والمواثيق الدولية التي تحرص على تأمين سيادة الدولة وصيانة وحدة أراضيها. سنعود لتفصيل هذا المشكل في موضع آخر، وذلك بعد الحديث عن التعايش السلمي، وجدلية الصراع المحلي والقومي في منطقة أبيي.

 

التعايش السلمي وجدلية الصراع

 يوضح الدكتور أمين حامد زين العابدين في سرده التاريخي الموثق أن قرار الأيلولة المكانية والتبعية الإدارية لعام 1905م قد تُوِّج بإبرام ميثاق إخاء بين ناظر المسيرية علي الجلة وسلطان دينكا نقوك كوال أروب الذي خَلفَ والده على السلطنة أو النظارة. وقد ساهم هذا الميثاق في زيادة هجرة دينكا نقوك إلى أبيي، وصحبهم أيضاً الدينكا البونقو الذين علَّق مدير بحر الغزال عام 1927م على هجرتهم واستقرارهم في المنطقة، بقوله: "أبدى [الدينكا] فرع البونقو ثقتهم بالعرب حيث امتدت قراهم الدائمة في مناطق شمال الجرف [أي بحر العرب]." (أزمة أبيي، ص 21).

          فلا جدال أن هذا التعايش السلمي الذي وثَّق له الدكتور أمين قد دفع السلطان كوال أروب مرّة أخرى إلى رفض العرض الذي قُدم له من طرف الحكومة الاستعمارية بشأن العودة إلى مديرية بحر الغزال عام 1930م، وذلك في إطار قانون المناطق المقفولة لجنوب السودان لعام 1922م، وتطوير مؤسسات الإدارية الأهلية. وكان رفضه مؤسساً على إجماع دينكا نقوك الذين آثروا الاستقرار في ديار المسيرية، تعللاً برسوخ العلاقات الودِّية التي نشأت بينهم وسكان المنطقة، وبإدراك زعيمهم السلطان كوال بأن أمر العودة إلى بحر الغزال سيفقدهم الأرض التي عاشوا عليها. ويعضد المؤلف هذا المشهد برواية الدكتور فرانسيس دينق التي تقول في إحدى مقاطعها: "صرح كوال أروب لاحقاً لزعماء الدينكا في اجتماع خاص بأن اختياره لم يكن تفضيلاً للعرب علي أهله الدينكا، لكنه كان وسيلة لحماية أرضهم ومصالحهم، فإذا زاد عددهم في أحد الأيام فأنهم سيعرفون أنهم شعب واحد مع أهلهم الدينكا، وسيرجعون إلى وطنهم الأصل للانضمام إليهم. وإذا قرر نقوك الانضمام للجنوب فإنه كان يخشى أن يطالب العرب بالأرض على أنها ملكهم، ومن ثم يتحولوا إلى جيران معادين، ويجبرون الدينكا على الخروج منها." (أزمة أبيي، ص 22).

 

          وجاء المحاولة الثالثة لإقناع دينكا نقوك بالعودة إلى مديرية بحر الغزال، حسب رواية المؤلف، عندما شرعت الحكومة الثنائية في تأسيس مجلس ريفي المسيرية، وعرض ممثلها آنذاك، مايكل تييس مفتش مركز منطقة أبيي، ثلاثة خيارات على دينكا نقوك، وهى الانضمام إلى مجلس ريفي المسيرية بمديرية كردفان، أو مجلس ريفي قوقريال بمديرية بحر الغزال، أو المجلس الجديد المزمع تأسيسه في بانتيو بمديرية أعالي النيل. فكان الخيار الأمثل لدينكا نقوك هو الانضمام إلى مجلس ريفي المسيرية، وتفعيل مشاركتهم في عضوية المجلس عن طريق السلطان دينق مجوك وبقية طاقم إدارته الأهلية. ومنذ تلك الفترة لمع الزعيمان السلطان دينق مجوك، والناظر بابو نمر، حيث أسهما في ترسيخ قيم التعايش السلمي بين دينكا نقوك والمسيرية. ولم يعكر صفو تلك العلاقات الودِّية التي يسرت سبل كسب العيش في منطقة أبيي إلا الحروبات الأهلية التي اندلعت عشية إعلان الاستقلال وبعده في جنوب السودان، وألقت بظلالها على منطقة أبيي، وجعلتها عرضة لثارات المسيرية ودينكا نقوك المتبادلة. وتتجلى مرارة ذلك الواقع في حديث الناظر دينق ماجوك مع مفتش المركز، الذي استشهد المؤلف به في الفصل الثاني، إذ يقول الناظر ناصحاً المفتش: "أرجو أن تبلغ حاكم المديرية بأننا نواجه مشكلة حرق العديد من القرى، ونزوح معظم السكان إلى المدن الشمالية،  ونرجو منه أن يخطرنا إذا كان من الأفضل أن نبني منازلنا في المواقع القديمة، أم في مناطق جديدة، وقُل له أنه سواء أن شيدنا منازلنا في جنوب نهر كيرا أو شمال النهر فسنظل ... في كردفان، ومهما كان عدد القتلى والقرى المحروقة فإننا سنبقى في كردفان، ولن يستطيع أحد أن يجبرنا على الخروج منها." (أزمة أبيي، ص 22).

 

          ويبدو من هذا الطرح أن زعماء العشائر في القبيلتين كانوا مدركين لأهمية التعايش السلمي الذي يضمن لهم استمرارية العيش بسلام وأمان، وإن تأثير الصراعات القومية في نظرهم كان تأثيراً عارضاً، يجب أن لا يؤخذ به كأساس للطلاق البائن بين القبيلتين، والذي يسهم في توسيع بؤرة الصراع المحلى. وبجانب ذلك كانت مؤسسات الإدارة الأهلية تمثل بالنسبة لهم صمام الأمان الذي يسهم في حلّ النـزاعات التي تنشأ من حين إلى حين، ولكن حلّ الإدارة الأهلية في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وعدم إدراك الحكومة المركزية في الخرطوم وبعض أفراد النخبة الجنوبية لأهمية منطقة أبيي، كما يرى الدكتور منصور خالد ويوافقه الرأي الدكتور أمين حامد، قد أسهم في أضعاف الثقة بين طرفي المعادلة السياسية في المنطقة التي كان من المفترض أن تكون بمثابة جسر عبور ثقافي، وتواصل اجتماعي بين جنوب السودان وشماله.

 

          وقد تجسد هذا الواقع الصدامي، حسب قراءة المؤلف، في اتفاقية أديس أبابا لعام 1972م، التي تمَّ بموجبها تعريف جنوب السودان بالإقليم الذي يشمل "مديريات بحر الغزال، والاستوائية، وأعالي النيل حسب حدودها كما كانت في أول يناير 1956م، وأي مناطق كانت جزءاً ثقافياً وجغرافياً من جنوب السودان الذي يحتمل تقريره في استفتاء." وبذلك تمت الإشارة إلى منطقة أبيي بطريقة ضمنية، والاستفتاء كان ينظر إليه كأداة لتبرير ضم منطقة أبيي إلى مديرية بحر الغزال، إلا أن القائمين بالأمر، حسب رؤية فرانسيس دينق، أدركوا صعوبة التنفيذ، لأن الشمال لا يرغب في أن يمارس دينكا نقوك ذلك الحق ليستأصلوا بموجبه جزءاً مهماً من مديرية كردفان، ولم يكن الجنوب مستعدّاً للتضحية بالوحدة والسلام اللذين اكتسبهما مؤخراً لصالح قضية أبيي. وعند هذا المنعطف برزت خطة تنمية منطقة أبيي، بحجة أنها ستكون حلقة وصل بين الشمال والجنوب. ومن ثم يجب تطويرها بصفة خاصّة في ظلّ مناخ الوحدة والسلام الذي أفرزته اتفاقية أديس أبابا، وبموجب ذلك أُعلنت تبعية إدارتها إلى رئاسة الجمهورية عام 1974م. إلا أن هذا الإعلان لم يُصحب بعمل ميداني، وذلك لأسباب مختلفة، ارتبط بعضها بإفرازات اتفاقية أديس أبابا التي أعطت الجنوب حكماً ذاتياً، الأمر الذي دفع النخبة المتعلمة من دينكا نقوك إلى السعي الحثيث لضمِّ منطقة أبيي إلى المديريات الجنوبية، لتحصل تلك النخبة على جُعلها الوظيفي في إدارة الإقليم الجنوبي دون أن تكون أقلية من مديرية كردفان. وبجانب ذلك فإن الواقع المحلي في منطقة أبيي لم يكن متفاعلاً مع ذلك التوجه، بل كان معارضاً من طرف خفي لتولي بعض قادة دينكا نقوك للوظائف التنفيذية العليا في المنطقة. فضلاً عن ذلك أن الحكومة المركزية في الخرطوم لم تَفِ بالوعود التي قطعتها عليها نفسها بشأن تطوير منطقة أبيي. وبعد ذلك تعقدت الأمور على المستويين المحلي والقومي، وتأثَّرت منطقة أبيي بإسقاطات الفعل القومي الباخس لمقترح التمازج الوحدوي في المنطقة على هدي اتفاقية أديس أبابا، فضلاً عن أن تداعيات الحرب الأهلية التي اندلعت في جنوب السودان عام 1983م قد ألقت بظلالها القاتمة على واقع الحال بمنطقة بأييي. وبرز حلّ المشكلة مرّة أخرى في طيات مفاوضات نيفاشا التي أفضت إلى صياغة ببروتوكول أبيي، وتوقيعه من قبل حكومة السودان، والحركة الشعبية في السادس والعشرين من مايو 2004م.

 

 أزمة أبيي بين القانون الدولي ومسألة التحكيم

 

اختار الدكتور أمين حامد زين العابدين هذا العنوان الجانبي عنواناً لكتابه موضوع مدارستنا، ومهد لذلك بفصلين متلازمين، اعتمد في سردهما التاريخي على ثلة من مبادئ القانون الدولي المعضدة بشواهد الوقائع التحكيمية التي طُبقت على صعيد الواقع، والتي يمكن أن ينظر من خلالها إلى بروتوكول أبيي، وكيفية تقويمه في إطار المبادئ الدولية والسوابق التحكيمية التي أشار إليها المؤلف. فالفصل الثالث من الكتاب جاء بعنوان "حقُّ تقرير المصير"، والفصل الرابع بعنوان: "مبدأ أوتي بوسيتيديس جوريس"، وكلا الفصلين يقدمان مفاهيم مفتاحية تعين القارئ على استيعاب قضية أبيي ومسألة التحكيم حولها. وقبل الشروع في عرض محتويات هذين الفصلين وتحليلهما، يستحسن أن نطرح حزمة من الأسئلة المحورية التي تدور حولها رحى النقاش وتنطلق منها التحليلات القانونية المصاحبة: ما المقصود ببروتوكول أبيي؟ وما موقعه في اتفاقية السلام الشامل؟ وكيف نحاكمه في ضوء القانون الدولي وسوابق التحكيم المرتبطة بقضايا الحدود الإدارية والدولية؟   

 

          تأتي الإجابة عن السؤال المرتبط ببروتوكول أبيي في الفصل الخامس الذي يعرف البروتوكول بالوثيقة الإجرائية التي وقعتها حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان في السادس والعشرين من مايو 2004م. وقد مهد المبعوث الأمريكي، السناتور جون دانفورث، لهذا البروتوكول بجملة من المبادئ والقواعد الضابطة التي نجملها فيما يلي:-

 

أبيي جسر بين الشمال والجنوب يربط شعب السودان؛

 

إقليم أبيي هو المنطقة التي تقطنها مشيخات دينكا نقوك التسع التي ضمّت إلى كردفان عام 1905م؛

 

يحتفظ المسيرية والجماعات الرعوية الأخرى بحقوقهم التقليدية في الرعي والتحرك.

 

وإلحاقاً بهذه الضوابط الإجرائية وصَّى البروتوكول بأن تُنشأ رئاسة جمهورية السودان المكونة من رئيس الجمهورية ونائبيه لجنة لترسيم حدود منطقة أبيي التي حُولت إلى كردفان عام 1905م، وعلى أن تفرغ اللجنة من أداء واجبها في العامين الأولين من الفترة الانتقالية (2005-2011م). وفي نهاية الفترة الانتقالية يُجرى استفتاء منفصل عن استفتاء الجنوب ومتزامن معه. وبصرف النظر عن نتائج استفتاء جنوب السودان يُطرح على أهل أبيي الخيارين التاليين: الاحتفاظ بوضعهم الإداري الخاص في الشمال، أو أن يكونوا جزءاً من بحر الغزال.

 

          توقّف الدكتور أمين حامد زين العابدين عند إشكالية الاستفتاء المفضي إلى تقرير المصير لجنوب السودان، وجاهد أن يوطِّن لها في محيط أدبيات القانون الدولي والممارسة التاريخية التي تنظر إلى مفهوم تقرير المصير من خلال بُعدين أساسيين، أحدهما خارجي، والآخر داخلي. ويتجلى البُعد الخارجي لتقرير المصير في ممارسة الشعب الأمريكي، مثلاً، عندما ناهض الاستعمار البريطاني سنة 1776م، وتوَّج ذلك الكفاح النضالي بتحقيق استقلاله، وتأسيس دولة ذات سيادة. إذاً من هذه الزاوية نلحظ أن حقّ تقرير المصير الخارجي هو الحقّ الذي كفلته هيئة الأمم المتحدة للشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية أو الأجنبية، ولا ينطبق على الشعوب المنظمة في شكل دول قطرية مستقلة. ومن ثم فإن قرار الأمم المتحدة رقم 1514 يدين أية محاولة تستهدف التمزيق الجزئي أو الكلي للوحدة القطرية وسلامة أراضي الدولة المعنية بالأمر. أما البُعد الداخلي لتقرير المصير فهو نوع من الحراك السياسي المرتبط بقضية تداول السلطة وتقسيم الثروة، وخير مثال لذلك الثورة الفرنسية لعام 1789م، التي قضت على مبدأ الحقِّ الإلهي لحكم الملوك الاستبدادي ليحل محله مبدأ السيادة الشعبية؛ لتكون الأمة مصدراً للسلطات، وركناً تؤسس عليه مفردات النظام الديمقراطي. وفي ضوء الشواهد التاريخية القائمة على فلسفة هذين البُعدين توصل الدكتور أمين حامد إلى "أن القانون الدولي لا يسمح لسكان الجنوب باستغلال مبدأ حقّ تقرير المصير الذاتي كستار للانفصال عن الدولة الأم، وتهديد وحدتها الوطنية وسلامة أراضيها بحدودها الموروثة من الاستعمار." (أزمة أبيي، ص 64) ومن وجهة نظر المؤلف أن هذا الوضع القانوني يجب أن ينظر إليه من زاوية أن سكان جنوب السودان لا يمثلون وحدة أثنية قائمة بذاتها، حيث "لا تجمع بينهم لغة مشتركة، أو ثقافة متجانسة، أو دين واحد"، فضلاً عن ذلك فإن اتفاقية السلام الشامل قد كفلت للسودانيين عامة "المشاركة في النظام الديمقراطي أثناء الفترة الانتقالية لكي يتمكنوا من إعادة صياغة الوضع الدستوري للوطن بطريقة تمنح المزيد من الصلاحيات اللامركزية لحكومات الأقاليم، وتوزيع الثروة القومية بعدل حتى لا يشعر المواطنون الذين يعيشون في الأطراف بالتهميش والظلم الذي أدّى إلى ظهور النـزعات الانفصالية التي استغلت المذهب القانوني لتقرير المصير لتهديد سيادة السودان ووحدة أرضية." (أزمة أبيي، ص 64).

 

          وفي ضوء هذا العرض النظري لمفهوم تقرير المصير الخارجي حاول الدكتور أمين حامد زين العابدين أن يطعن في حجية بروتوكول أبيي، ويقومه وفق مبدأ أوتي بوسيتيديس جوريس الذي يقضي بقدسية الحدود الموروثة من الاستعمار، ويرفض حق تقرير المصير الخارجي الذي يؤدي إلى تفتيت حدود القطر الواحد. وبذلك يصل إلى أن القانون الدولي مصحوباً بمبدأ قدسية الحدود الموروثة من الاستعمار يقضي بعدم شرعية بروتوكول أبيي؛ لأنه ربما يفضي في خاتمة المطاف إلى تحويل منطقة أبيي المتنازع حولها إلى جنوب السودان، علماً بأن ذلك الإجراء يتعارض مع مبدأ الحفاظ على سلامة وحدة أراضي شمال السودان الموروثة من الاستعمار.

           بالرغم من إدراك المؤلف الثاقب لأهمية الإطار النظري القانوني في حلّ أزمة أبيي، بَيْدَ أنه كان على دراية بأن مبادئ القانون الدولي وسوابقه، ومبدأ قدسية الحدود الموروثة من الاستعمار محلّ نزاع بين طرفي اتفاقية السلام الشامل، وبين قادة العمل السياسي في شمال السودان وجنوبه. وبهدف تجاوز هذا المشكل السياسي المعقد يقدم المؤلف اقتراحاً إجرائياً بديلاً لبروتوكول أبيي، يقوم على القواعد التّالية:-

"كل الأراضي في جمهورية السودان ليست ملكاً لفرد أو قبيلة معينة، وإنما تؤول ملكيتها إلى حكومة السودان والدولة السودانية صاحبة السيادة على كل أراضي البلاد. وتعني هذه الحقيقة أن جوهر النـزاع حول المنطقة المتنازع عليها (وهي المثلث جنوب بحر العرب ومدينة أبيي التي تأسست في 1914م) ليس نزاعاً قبلياً بين المسيرية والدينكا، بل حول أيلولة ملكية المنطقة المتنازع عليها إلى إقليم شمال السودان، أو الإقليم الجنوبي.

 

يستوجب دخول عامل تقرير المصير في اتفاقية السلام تنفيذ مبدأ أوتي بوسيتيديس جوريس لحماية حدود شمال السودان الموروثة من الاستعمار في حالة انفصال جنوب السودان، وتحويل الحدود الداخلية بين الإقليمين إلى حدود دولية، واعتباره الدليل الأساس لتحديد [...] ملكية منطقة أبيي [...] لشمال أو جنوب السودان قبل إجراء استفاء تقرير المصير.

 

الإقرار بوجود تناقض أساس بين مبدأ أوتي بوسيتيديس وبروتوكول مشاكوس الذي أقرَّ الحدود بين الشمال والجنوب طبقاً لحدود 1/1/1956م من جهة، وبروتوكول أبيي الذي منح سكان منطقة أبيي حق تقرير مصير ثانوي يكفل لهم حق الاستفتاء لتحديد مستقبل المنطقة من جهة أخرى، وتهديد الاستفتاء المزمع قيامه باقتطاع منطقة أبيي من الأراضي الإقليمية لشمال السودان، وتغيير حدوده الموروثة من الاستعمار والاجتهاد في الوصول إلى تسوية لحل هذه المعضلة." (أزمة أبيي، ص 116-117).

 

بَيْدَ أن المؤلف يرى في هذا الخيار الإجرائي –أيضاً- صعوبات عملية، يتجلى شقها الأوفى في إشكالية موافقة طرفي النـزاع على النتيجة التي سيتمخض عنها قرار هيئة التحكيم الدولية في لاهاي، علماً بأن الحكومة قد طعنتْ من قبل في صلاحية قرار مفوضية حدود أبيي من حيث الإجراء والمحتوي. ولا جدال أن رفض النتيجة من أي طرف بعد صدور القرار سيفضى إلى اندلاع حرب أهلية أخرى في المنطقة. وتجنباً لاندلاع الحرب المتوقعة يقترح الدكتور أمين حامد زين العابدين "تقسم المنطقة بالتساوي، حيث يتم ضم 50% من مساحتها إلى جنوب السودان، و50% من مساحتها إلى شمال السودان، مقابل موافقة الحركة الشعبية على تعديل الاتفاقية لتضمين صيغة نظام كونفدرالي فضفاض يمنح جنوب السودان وضع شبه سيادي في إطار السودان الموحد، وإلغاء المواد الخاصة بتقرير المصير لتجنب انفصال الجنوب، وتمزيق وحدة أراضي السودان." (أزمة أبيي، ص 117)

 وبهذا المقترح يعيدنا الدكتور أمين حامد زين العابدين مرّة أخرى إلي دائرة العقد المفقود من توصيات اتفاقية أديس أبابا لعام 1972م؛ لأنه يدعو، كما دعا من قبل الدكتور منصور خالد والدكتور فرانسيس دينق، بأن تكون منطقة أبيي جسر عبور بين الشمال والجنوب. إلا أن وجاهة هذا المقترح الجديد-القديم لا تمنعنا من طرح جملة من الأسئلة المحورية: ما الضمانات التي يقدمها المؤلف لسلامة تنفيذ المقترح المشار إليه على صعيد الواقع؟ وكيف يتم ذلك بعد أن دخلت الحركة الشعبية طرفاً مسانداً لدينكا نقوك، والمؤتمر الوطني طرفاً مناصراً لحقوق المسيرية في منطقة أبيي؟ وفوق هذا وذاك يجب أن لا ينسى المؤلف أن بلورة الصراع بهذه الكيفية وهذا الاستقطاب المحموم قد وضع حكومة السودان الرمز في منعطف حرج لا تحسد عليه؛ لأنها فقدت حيدتها التي تأهلها لنُصرة رعاياها ظالمين ومظلومين. وعند هذا المنعطف الحرج برزت فكرة التقاضي أمام هيئة التحكيم الدولية في لاهاي، بحجة أنها بديل عدل ومحايد للنظر في خصومة أبيي ذات البُعد المحلي-المركزي.

  ملاحظات عامة   

 

في ضوء هذه القراءة التحليلية لكتاب أزمة أبيي بين القانون الدولي ومسألة التحكيم نحاول أن نضع بين يدي القارئ الكريم بعض الملاحظات العامة المستأنسة من الكتاب موضوع النقاش والمستخلصة من الأدبيات الأخرى المرتبطة بقضية أبيي.

 

أولاً: إن هذا الكتاب يسلط ضوءً ساطعاً على أزمة أبيي، يخرجها في دائرة الضباب الصحافي الذي يحاول أن يربط بينها واكتشاف البترول في المنطقة ربطاً مطلقاً، دون أدنى اعتبار لبُعد القضية التاريخي، وطبيعة ارتباطها العضوي بهياكل السلطة القومية ونزاع الشمال والجنوب في السودان. وهذا الواقع لا يعني أن مشكلة أبيي مشكلة منعزلة عن بقية مشكلات الصراع الأثني حول ملكية الأرض في السودان، بل هي من هذه الزاوية أشبة بالصراع الذي نشب بين الكبابيش والهواوير حول ملكية أراضي كمجر في السنوات الأخيرة من الحكم الثنائي، إلا أن حل النـزاع في تلك الأثناء كان حلّاً مرضياً بالنسبة لطرفي النـزاع؛ لأنهما كانا يعولان على عدالة الحكومة الاستعمارية، ونزاهة القاضي هيس حكماً منصفاً بينهما، وناصراً لكليهما ظالماً ومظلوماً. وإذا انتقلنا من البُعد المحلي إلى البُعد القومي نلحظ أن قضية أبيي مرتبطة بتركيبة "العقل الاستراتيجي" في السودان، وطابعه الثنائي القائم على تقابلية الشمال والجنوب. فالعقل الشمالي يَعُدَّ نفسه صانع الاستقلال الذي شارك فيه إنسان الجنوب مشاركة متواضعة وسلبية في بعض الأحيان، ولعلّ هذا الوضع جعله ينظر للآخر نظرة استعلائية، ترتكز على الماضي البغيض، والحاضر المعرفي المكتسب. ونسبة لهذه النظرة الاستعلائية فقد رفضت حكومة الأزهري الأولى طلب الشريك الجنوبي الخاص "بالحكم الفدرالي"، متوهمةً بأن الاستجابة لمثل هذا الطلب المشروع ستقود إلى "وأد الاستقلال قبل ميلاده"، وجاء لاحقاً نقض حكومة مايو (1969-1985م) لمواثيق اتفاقية إديس أبابا لعام 1972م، وبذلك انهارت أولى قنوات الاتصال بين الشمال والجنوب عشية استقلال السودان، واتسع الفتق على الراتق بعد فرحة الاستقلال العارضة. أما العقل الجنوبي الانفصالي فقد توقفت عقارب ساعته الفكرية عند تجارة الرقيق، والحواجز القيمية التي وضعها الاستعمار البريطاني، وممارسة بعض الساسة الشماليين غير المبررة. وتنعكس بعض جزئيات هذا العقل الانفصالي، مثلاً، في الكلمة التي ألقاها الأب سترلينو لوهارو أمام البرلمان السوداني في يونيو 1957م: "إن الجنوب لا ينوي الانفصال عن الشمال كهدف بحد ذاته، بل يريد أن يعيش في ظل وحدة فدرالية بكامل إرادتها، ولكن الجنوب سينفصل عن الشمال حتماً بسبب الأعمال والتصرفات غير المسؤولة التي يقوم بها السياسيون الشماليون." (جون قاي نوت يوه، جنوب السودان). ويبدو أن هذا الواقع المرير قد دفع ديفيد كول وزميله رتشارد هنتنغتون إلى القول بأن مشكلة أبيي "ليست مشكلة محلية ذات تداعيات قومية، بل مشكلة قومية تُركت لتتقيح على المستوى المحلي".(نقلاً عن منصور خالد: أبيي .. من قطع الخيط).

 

ثانياً: يجب أن ننظر إلى تداعيات القرار الذي ستصدره هيئة التحكيم الدولية في لاهاي بشأن ترسيم حدود منطقة أبيي من منظور قومي حصيف، يتجاوز حدود المشكل المحلي وطبيعة الصراع التقليدي بين المسيرية ودينكا نقوك؛ لأن إنشاء حدود قاطعة بين الشمال والجنوب سيكون سابقة قانونية وإدارية خطيرة. وهنا نتفق مع الدكتور منصور خالد بأن ترسيم الحدود لا يقف عند المنطقة المجاورة لبحر العرب حتى لو آثر دينكا نقوك البقاء في كردفان أو رحلوا إلى بحر الغزال؛ لأن الحدود الفاصلة بين الشمال والجنوب تمتد من إفريقيا الوسطى إلى إثيوبيا، وبذلك يقع التأثير السلبي على ترحال البقارة بين دارفور وبحر الغزال في مناطق دينكا مالوال، وكذلك الحال بالنسبة لترحال الحوازمة في مناطق الدينكا باريانق، وترحال أولاد حميد ورفاعة الهُوي من منطقة خور يابوس بأعالي النيل، وترحال عرب سليم والشينخات ودار محارب في مناطق الدينكا والشلك والنوير بأعالي النيل. إذاً خيار الانفصال سيكون خياراً كارثياً على السودان، وتحديداً على أهل الكسب المتواضع الذين يقطنون على حدود التماس بين شطري القطر الواحد. ومن ثم يضحى العمل على ترسيخ خيار الوحدة الجاذبة في إطار النظام الفيدرالي الذي أقرَّته اتفاقية السلام الشامل لعام 2005م أفضل الخيارات المطروحة على الساحة السياسية على الإطلاق. إذاً قضية أبيي أكبر من أن ينظر إليها في إطار الواقع الثنائي الذي أفرزته اتفاقية السلام الشامل، بل هي قضية تهمّ كل أهل السودان ليربوا عن خلافاتهم المذهبية، ومطامعهم القطاعية، ويتواضعوا على حلّ سياسي فيه صلاح السودان، وصلاح أهله البسطاء الذي يجسده رد أحد حكمائهم المجهولين في فيافي منطقة أبيي على مراسل صحيفة الأحداث السودانية عندما سأله: هل تفضلون البقاء في الشمال أم الانضمام إلى الجنوب؟ فردَّ عليه صاحبنا بطيب خاطر يفوق حكمة بعض الساسة الكبار في الخرطوم: لا يهمنا أن نتبع للشمال أو الجنوب، لكن الشيء الذي يهمنا هو أن نعيش في سلام وئام، لا تعكر صفوهما إلا النـزاعات القبلية العارضة التي يمكننا أن نحلها في إطار مؤسستنا التقليدية.

 

ثالثاً: قد يختلف بعض الباحثين والقرَّاء حول الفرضيَّات التي انطلق منها أستاذي الفاضل الدكتور أمين حامد زين العابدين، والنتائج التي توصل إليها، وربما يضع بعضهم علامات استفهام استنكاريَّة حول المقترحات التي طرحها لحلّ أزمة أبيي. لكن مثل هذا الاختلاف لا يقدح في قيمة المقاربة القيمة التي قدمها لنا في ثنايا كتابه: أزمة أبيي بين القانون الدولي ومسألة التحكيم، والذي يجب أن يُقرأ مشفوعاً مع كتابه الآخر: اتفاقية السلام الشامل وخلفية الصراع الفكري؛ لأن بين الكتابين وشائج قربي وصلات رحم جامعة من حيث الطرح والموضوع. فكتاب أزمة أبيي كتاب فريد في موضوعه، وعظيم في تناوله وتحليليه للإشكالية، وتداعياتها السياسيَّة على الساحة السودانيَّة. فضلاً عن أنه صدر في وقت مناسب، والناس أحوج فيه للوقوف على كل الجوانب التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بهذه الأزمة القديمة، المتجددة سلباً مع حركة التاريخ السوداني الحديث والمعاصر، ليكونوا على بصيرة بطبيعة الصراع السياسي الذي تدور رحاه وتحاك حلقاته التآمُرية في داخل السودان وخارجه. فوقوف القرَّاء في دائرة الضوء ورحاب المعلومة الصحيحة الموثقة يُسهم في تثقيف الشارع السوداني، وحلّ المشكلة حلّاً موضوعياً؛ لأنه يبعد العقلاء من صاغة القرار السياسي في السودان عن دوائر تفكير النسق والقطيع المتفاعلة مع الحلول الآنية الفطيرة لمشكلات السودان دون مراعاة لتبعاتها المستقبلية البائسة، ويعصم الفضلاء من الزهو بأي رأي يصّب في محيط بيت الشاعر دريد بن الصّمة: "وهل أنا إلا من غزيَّة إن غوت غويتُ *** وأن ترشد غزيَّة أرشد".

 نقلاً عن الأحداث