البروفيسور عثمان سيدأحمد إسماعيل البيلي (1930-2011م)
رحيل مؤرخ ثبت وعَلَم رمز
أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

زرتُ البروفيسور عثمان سيدأحمد إسماعيل البيلي على فراش مرضه بمستشفى حمد العام بدولة قطر، وذلك قُبَيْلَ إجراء عملية الغضروف الجراحيَّة التي أرهقت قامته الشامخة، وكذلك بُعَيْدَ أن انجزها النطاسي البارع علي رضا. وكانت الزيارة الأخيرة في يوم الجمعة الموافق 11 مارس 2011م، وعندما وقفنا على باب غرفته الساكنة بسكون روحه الطاهرة فيها، لحظ أخي محمد أبوشوك أن هناك لافتة زرقاء كُتب عليها ممنوع الزيارة، فهممنا بالعودة إلى أدراجنا لطفاً بحالته الصحية؛ إلا أن حرمه الفضلى هدى أكدت لنا أنه يجد راحة في عيادة زواره، دخلنا عليه وهو في كامل حضوره ووقاره، رحب بالزيارة التي استمرت قرابة نصف الساعة، تجاذبنا معه أطراف الحديث في قضايا شتى، من ضمنها إسهاماته الأكاديمية في جامعة قطر، حيث ثـمَّن عطاء الأستاذة الدكتورة الشيخة عبد الله المسند- رئيسة جامعة قطر، وأعطى إشارات طيبة تجاه إسهامات المرأة القَطَريَّة. ودَّعناه والأمل يملأ قلبه في الحياة الدنيا، والطمأنينة تسود نفوسنا على رجل تربطنا به وشائج قربى ومحبة صادقة، وتجمعني به علاقة مهنية راسخة، قوامها أستاذية شخصه الكريم في علم التاريخ، حيث أهداني معظم إصدارته العلمية الرائدة، التي درج على تمهيرها بخط يده الندية: "إلى ابني العزيز أحمد إبراهيم أبوشوك، مع وافر التقدير وأطيب الأمنيات"، ورداً لجمائله السابلة كنتُ أحرص على أن أهدي إليه نسخة من إصداراتي العلمية التي لا تلامس أطراف كسبه المعرفي، وأنتزع الفوز برأيه وتعليقاته العلمية الثاقبة، التي كانت تعينني كثيراً في تثقيف مساري الأكاديمي. فلا جدال أن هذه العلاقة الثلاثية الوارفة الظلال جعلتني أصطف وجدانياً في موكب المشيعين الذين حملوا نعشه إلى السودان، وواروا الثرى جسمانه الطاهر بمقابر فاروق بالخرطوم، وأفواج المعزيين الذين سردوا طرفاً من محاسن سيرته العطرة، ولسان حالهم يردد أبيات الإمام الشافعي:

الناس بالناس ما دام الحياة بهم **** والسُـعـد لاشــك تـارات وهبات
وأفضل الناس ما بين الورى رجـلُ **** تقضى على يـده للنـاس حاجـات
لا تمنعـن يـد المـعـروف عن أحــد **** مـادمت مـقتـدراً فالسُـعد تـارات
وأشكر فضائل صنع الله إذ جعلت **** إليـك لا لك عنـد الناس حـاجـات
قد مـات قوم وما مـاتت مكارمـهم **** وعاش قوم وهم في الناس أموات                 ***    
 

هكذا مات أستاذ الأجيال البروفيسور عثمان سيدأحمد إسماعيل البيلي في يوم الاثنين الموافق 14 مارس 2011م، وما ماتت مكارمه، مادام فيضه العلمي الدافق منبسطاً على أديم هذه الأرض وسط أساتذته وزملائه وطلابه الذين أهدى إليهم سفره الموسوم بـ "الكشاف الميسر لفهارس كتاب العبر وديوان المبتدأ الخبر في أيام العرب والبربر ومن عاصرهم في ذوي السلطان الأكبر"، وذلك بقوله: "إلى أساتذتي وزملائي وطلابي في جامعة الخرطوم بالسودان، وجامعة أحمدو بلو بزاريا في نيجيريا، وفي جامعة قطر. ومن قبل جامعة لندن، وجامعة كمبردج بالمملكة المتحدة، إليهم جميعاً أهدي هذا العمل المتواضع، حيث بهم، ومنهم، ومعهم كانت المعرفة بابن خلدون، والحديث المتجدد عن مقدمته وكتابه." وتسمو قامة هذا الوفاء والإهداء عندما يخرج الأستاذ البيلي من دائرة العام إلى الخاص، ويهدي كتابه "جوانب من الإسلام والثقافة العربية الإسلامية في إفريقيا" "إلى الراحلين المقيمين: الأستاذ الدكتور محمد أحمد الحاج، أستاذ التاريخ الإسلامي الإفريقي ومدير جامعة أمدرمان الإسلامية السابق؛ والأستاذ الدكتور يوسف العالم، أستاذ الشريعة والمدير المؤسس لجامعة القرآن الكريم بأمدرمان؛ والشيخ مبارك قسم الله، المدير التنفيذي المؤسس لمنظمة الدعوة الإسلامية بالخرطوم؛ والدكتور يايا أبوبكر عليو، أحد رواد تاريخ شمال نيجيريا بجامعة أحمدو بلو بزاريا؛ وكل من سبقونا إلى دار الخلود، ممن جمعتنا بهم مجالات العمل في الإسلام والثقافة العربية الإسلامية في إفريقيا، وشؤون أهلنا الإفريقيين وشجونهم. أنتم السابقون ونحن اللاحقون. نسأل الله لنا ولكم الرضوان والمغفرة، وإن يجمعنا وإياكم في أعلي عليين مع الشهداء والانبياء والصديقين وحسن أولئك رفيقاً.. تحية لكم وإخلاصاً لذاكركم وشهادة لفضلكم أهدي هذا الكتاب." نسأل الله العلي القادر أن يستجيب لدعاء أستاذ الأجيال، ويثيبه على فضل علمه الذي ارتقى به إلى مصاف ورثة الأنبياء عليهم أجل الصلوات والتسليم.

البروفيسور البيلي: جذورة الأسرية وكسبه المعرفي
ترجع أصول البروفيسور عثمان سيدأحمد إسماعيل البيلي إلى أسرة البيلياب الدينية الشهيرة، التي يُرفع نسبها إلى الشيخ عووضه بن أحمد بيلي، الذي عُرف بالعلم والصلاح في منطقة منصوركتي، فكانت خلوته محط رحال لطلاب العلم والمعرفة، وتوارث أحفاده هذه الصِّنعة من بعده، وأضحوا أعلام يشار إليهم بالبنان، وقباب صلحائهم شواهد على ذلك الكسب الموروث. درس فقيدنا المقيم الراحل بمدرستي عطبره الأولية والوسطى، حيث كان يعمل والده في سكك حديد السودان، ومنها انتقل إلى مدرسة وادي سيدنا الثانوية بأمدرمان، ثم إلى كلية الخرطوم الجامعية في مطلع خمسينيات القرن الماضي. وفي كلية الخرطوم الجامعية بدأت معارفه تنداح في محيط التراث الإسلامي العربي، حيث درس مقدمة ابن خلدون، وألفية بن مالك، ورسالة الغفران للمعري، والإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي؛ ونال قسطاً من الأدبي العربي الحديث، قوامه أعمال طه حسين، وعباس محمود العقاد، وزكي مبارك، وإبراهيم المازني، وتوفيق الحكيم، وأحمد حسن الزيات، وشوقي ضيف، وحافظ إبراهيم، وشعراء المهجر. ولم تقف همته المعرفية عند هذا الحد، بل تعدته إلى دراسة اللغة الإنجليزية بآدابها وتاريخها، المستقاه من أمهات كتب التراث الإنجليزي بعصورها المختلفة، مثل "أحاجي كنتبري" لتشوسر، و"أدويب" لسوفوكليس، وأعمال شكسبير الشعرية والمسرحية، و"الفردوس المفقود" لميلتون، و"بايوقرافيا ليتاريريا" لكولردج"، ومسرحيات برنادرشو، و"عمدة كاستربرج" لهاردي. وبهذه الزخيرة المعرفية انتقل الأستاذ البيلي إلى مواصلة دراساته العليا بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن عام 1956م، حيث درس تاريخ الإسلام والشرق الأوسط على ثلة من المستشرقين اللامعين، أمثال البروفيسور برنارد لويس والبروفيسورة آن لامبتون، وبعد ذلك أعدَّ أطروحته لنيل درجة الدكتوراه في تاريخ الدولة العباسية. وفور تخرجه عاد إلى السودان، وعمل محاضراً بكلية الآداب جامعة الخرطوم، وعميداً للطلاب (1964-1966م)، ثم رئيساً لقسم التاريخ (1966-1970م). بعد أن أقالته حكومة مايو ذات التوجهات اليسارية آنذاك مع نخبة من "الأساتذة الإسلاميين" هاجر البروفيسور البيلي إلى نيجيريا، للعمل بجامعة أحمدو بلو بزاريا (1971-1977م)، حيث شغل منصب مدير مركز أبحاث تاريخ شمال نيجيريا. وبعد عودته من نيجيريا إلى جامعة الخرطوم تولى رئاسة قسم التاريخ لدورة ثانية (1978-1979م)، ثم عمادة كلية الآداب (1979-1980م)، ومن بعدها أمانة المجلس القومي للبحوث (1980-1982م)، وأخيراً ختمَّ سجل حياته العملية في السودان وزيراً لوزارة التربية والتعليم (1982-1985)، وعضواً في المجلس التنفيذي لليونسكو بباريس. وفي عام 1985م انتقل للعمل بجامعة قطر، وشغل منصب مدير مركز الثوثيق والدراسات الإنسانية (1985-1995م). وفي خواتيم حياته العملية بدولة قطر عمل مديراً لمركز الشيخ محمد بن حمد آل ثاني لإسهامات المسلمين في الحضارة (1995-2011م)، الذي ضُمَّ إلى مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع عام 2009م، ثم آلت تبعيته الإدارية إلى كلية الدراسات الإسلامية.
وقفات عند بعض إسهاماته العلمية
يمكن تصنيف إسهامات الأستاذ الدكتور عثمان سيدأحمد إسماعيل البيلي العلمية-البحثية إلى ثلاث مجموعات رئيسة، تشمل المجموعة الأولى دراساته الأكاديمية عن الخلافة العباسية والحضارة الإسلامية، والثانية عن الإسلام في غرب إفريقيا، والثالثة عن الأدبيات السودانية. وتمثل منشوراته عن الخلافة العباسية ذروة سنام انتاجه العلمي في مجال تخصصه الدقيق، ونذكر منها سفريه الموسومين بـــ "دراسات في تاريخ الخلافة العباسية: ثلاثية الحكم في العصور العباسية - الخلافة والسلطة والدولة"، و"دراسات في تاريخ الخلافة العباسية: المعتصم وعسكرة الخلافة العباسية". يبدو أن مادة هذين السفرين المترجمين إلى العربية قد استندت إلى أطروحة البروفيسور البيلي التي قدمها لنيل درجة الدكتوراه بجامعة لندن، تحت عنوان (Early Abbasid History: The Reign of al-Mutasim 218-227/833-842)، ونشرها عام 2001م بعنوان: " Prelude to the Generals : A Study of some Aspects of the Reign of the Eighth Abbasid Caliph, al-Mutasim, 218-227AH/833-842AD".  نقل الأستاذ حسن محمد إسماعيل البيلي الكتاب الأول إلى العربية، وترجم المؤلف الكتاب الثاني، وقدم لهما المؤرخ اللبناني المشهور الدكتور إبراهيم بيضون. يتناول الكتاب الأول طبيعة العلاقة الجدلية بين الخلافة والسلطة والدولة في العصر العباسي، فالخلافة تعني بالنسبة للمؤلف "الإمامة الكبرى عند المسلمين التي تنبثق منها شرعية الحكم"؛ لأنها بعد العهد الأموي تحولت إلى ملك عضوض أفقدها قيمها الشورية؛ والسلطة ترمز إلى "الجهات التي لها الأمر الفعلي في ممارسة الحكم والمباشرة على جهاز الدولة"؛ والدولة تتمثل في "أجهزة الخدمة المدنية والمالية والاجتماعية". عالج الأستاذ البيلي هذه العلاقة الثلاثية في عهد الخليفة المعتصم بن هارون الرشيد (833-842م)، الذي كان يمثل محور إرتكاز كتابه الثاني الذي استهله بأزمة الخلافة العباسية، بدءاً بتأسيسها العاصف، ومروراً بصراعاتها المريرة التي استهدفت أهل السلطان والجاه، وانتهاءً بعهد الخليفة المعتصم الذي نقل حاضرة الخلافة إلى سامراء. وإلى جانب هذا الصراع السياسي أبرز المؤلف العطاء الفكري والثقافي الذي شهدته خلافة المعتصم، وبذلك استطاع أن يقدم للمكتبة العربية كتاباً ثبتاً ومهماً عن شخصية سياسية وقيادية كان لها وزنها الاجتماعي وإسهاماتها الحضارية والإدارية في تاريخ الخلافة العباسية. وتوَّج البروفيسور البيلي هذين العملين الرائدين بكتابه الموسوم بـ "الكشاف الميسر لفهارس كتاب العبر وديوان المتبدأ الخبر في أيام العرب والبربر ومن عاصرهم في ذوي السلطان الأكبر"، الذي يثمِّنه الأستاذ الدكتور هشام الخطيب بأنه "ليس مسألة تنظيم شكلي [لفهارس كتاب العبر] فحسب، بل هو أكبر من ذلك بكثير، ويستحق أن يوصف بأنه إحياء" لتراث ابن خلدون الذي يقوم سداه على مقدمة كتاب العبر والمجلدات الستة اللاحقة لها؛ إذ يحوي في صدره فهارس مسلسلةً عن محتويات الكتاب، ويكتنز في عجزه نخبة من الموضوعات المختارة التي تتناول المداخل المعرفية لابن خلدون وإسهاماتها الفكرية.
    أما إسهاماته العلمية عن تاريخ الإسلام في غرب إفريقيا فتشكل قوامها سلسلة من الأبحاث الأكاديمية الجادة، التي نشرها المترجم له في دوريات عربية وإنجليزية، فضلاً عن كتابه الموسوم بـ جوانب من الإسلام في إفريقيا (Some Aspects of Islam in Africa)، الذي نشرته مطابع إثاك بالمملكة المتحدة، ويدور محور هذا الكتاب حول الخلافة الصُكتية، وتوثيق بعض آثار الشيخ محمد بلو، والدفاع عن الإسلام بأنه انتشر في غرب إفريقيا بالمجادلة الحسنة والدعوة الصادقة بعيداً عن مزاعم المستشرقين التي تصفه بأنه دينٌ دمويٌ وأن دعوته تقوم على حد السيف. ويصب في معين هذه الإصدارت مقالاته التي جمعها في كتاب بعنوان جوانب من الإسلام والثقافة العربية الإسلامية في إفريقيا، نشره مركز محمد عمر بشير، الجامعة الأهلية أمدرمان، عام 2005م، ونذكر منها: "اللغة العربية والحرف العربي في غرب إفريقية"، و" الأصول التاريخية للعلاقات العربية الإفريقية بغرب إفريقيا"، و"حركتا الشيخ عثمان بن فودي ومحمد أحمد المهدي وأثرهما"، و"ملاحظات وخواطر حول الحياة الفكرية في الخلافة العثمانية الصكتية- القرن الثالث الهجري/التاسع عشر الميلادي".
    أما السودان فكان يمثل البُعد الثالث في مفكرة مؤرخ التاريخ العباسي، الذي نشر جملة من المقالات الحسان في هذا المجال، ونذكر منها: "السياسية والدين: نشأة وتطور الختمية والإنصار"، و"المديح وخلفيته ومحتواه التاريخي والديني"، وقدم وعلق أيضاً على كتاب السودان الوحدة أم التمزق لمؤلفه الأستاذ عبد الرحمن عبد الله، وراجع مذكرات يوسف ميخائيل عن التركية والمهدية والحكم الثنائي في السودان، وعلق عليها تعليقات فاحصة. واستهل تلك المراجعة والتعليقات بنص يعكس صفاء أمانته العلمية المعهودة، وذلك عندما قال: "استميح الزملاء والزميلات المتخصصين في هذه الحقبة من تاريخ السودان، وهم وهن كثر، العذر أن أتناول هذا العمل المتقن الهام، بالعرض والتعليق، فهذا ميدانهم، بينما دائرة تخصصي هى التاريخ العباسي حين كانت كلمة السودان لا تعني بلداً، وإنما تعني بشراً سود البشرة من غير البيضان، كما يقول الجاحظ في رسالته المشهورة فخر السودان على البيضان، ولم تكن إفريقية تعني القارة، وإنما كانت تعني الولاية الإدارية العباسية التي تشمل ما هو تونس، ولم تكن تسمية إفريقي تعني أكثر ممن ينتمي إلى ذلك القطر." وقبل رحيله كان الأستاذ البيلي مهموماً بقضية انفصال السودان إلى قطرين متجاورين، وقد عبَّر عن ذلك في مقال عنوانه "توحدوا من أجل الشمال والجنوب"، إذ استهله بقوله: "ما عاد الأمر أمر سلطة تقتسم، أو ثروة تقسم، أو حكومة تبدل، أو دستور يعدل. وما عاد الأمر أمر انفصال الجنوب، فالراجح أن ذلك واقع لا محالة. وما عاد الأمر أمر محاسبة من فرط في الوحدة، أو من مهد للإنفصال. فالزمن لا يسمح بهذا الترف؛ لأن الزمان زمان لم الشمل وإدراك الواقع، ولا بد من توظيفه لدرء مخاطر ما كان وما سيكون. وأنا لا زلت عند قناعتي أنه لو تيسر للإخوة في الجنوب، الذين عرفوا أهل الشمال من تجاربهم الخاصة، وعاشوا معهم، واختلطوا بدمهم، وهرعوا إليهم عندما عضتهم أسنان الحروب ومحن الحياة، واندفعوا للشمال زرافات ووحدانا، بل لو أن الإخوة في قيادات الحركة الشعبية رأوا ما رآه الراحل جون قرنق لما صوتوا إلا للوحدة، فهي الأوسع للجميع، وهي الأنفع للجميع لكن ما نراه لا يسير إلى هذا." هكذا عاش الأستاذ البيلي وحدوياً وغيَّبه الردى قبل أن يرى انقسام السودان حقيقةً ماثلة للعيان.      

سياحات وندوات
تذخر مفكرة البروفيسور عثمان البيلي بسلسلة من السياحات والمواقف الطريفة والمثيرة للجدل. وكانت أولى سياحاته خارج السودان إلى إندونيسيا، حيث حضر مؤتمر باندنغ للطلاب عام 1956م، وكانت زيارته الثانية والأخيرة إلى ذلك القُطر المسلم عام 1965م، لحضور الاحتفال بمرور عشرة أعوام على مؤتمر باندونغ، وصحب في تلك الرحلة المرحوم الدكتور التجاني الماحي، ممثل مجلس السيادة السوداني آنذاك. ويقول: "في كلا الزياتين قابلنا أسرة الشيخ السوركتي، وعلمنا الكثير عن حركة الإشارد والإرشاديين. ولا أنسى ما قاله الزعيم أحمد سوكارنو رحمه الله عن الشيخ السوركتي، وما أوضح عما يكنه له من تقدير واحترام." والإشارة هنا إلى الشيخ أحمد محمد سوركتي السوداني (ت. 1943م)، مؤسس حركة الإصلاح والإرشاد العربية في إندونيسيا، وجاء تعليقه هذا ضمن عرضه لكتاب تاريخ حركة الإصلاح والإرشاد وشيخ الإرشاديين أحمد محمد السوركتي، الذي حققه كاتب هذه السطور، وقوَّمه الأستاذ البيلي بأنه "رصد معاصر موثق بأقلام معاصرين من داخل" الحركات الإصلاحية العربية التي نشأت في إندونيسيا في النصف الأول من القرن العشرين، وأنه "مصدر مهم لمعرفة خلفيات وجذور ما نشاهده في إندونيسيا اليوم".
وإلى جانب إندونيسيا زار الأستاذ البيلي أقطار شتى في مختلف قارات العالم، وكان معجباً بالريف الأوروبي؛ لأنه يذكِّره بأيام صباه في قرية منصوركتي بالولاية الشمالية، ونلحظ ذلك الأعجاب واضحاً في مجالس أنسه الخاصة، وقد أفصح عن ذلك أيضاً في الندوة التي نظمها منتدى الحروف بالدوحة عن "إبداع الطيب صالح وشخصيته الإنسانية الملهمة"، حين قال: "عندما أقرأ الطيب صالح أصغى إلى أصوات أهلي ومجتمعي، التي كان الطيب يحفظها عن غيب، وأرى سيرة مجتمعنا السوداني الصغير في شمال السودان، حيث مسقط رأسه، والمجتمع الكبير الذي ظل يكتب ملامحه ويوثق لها في مهجره في لندن."
لا غرو أن هذه مجرد شذرات من سيرة مؤرخ ثبت وعلم رمز، آمل أن تفي الغرض العارض، وتوثق طرفاً من محاسن الفقيد، وتكون سلوى لمصابنا الأليم وفقدنا الجلل، وكلنا أمل أن يكون البروفيسور البيلي قد دوَّن طرفاً من مذكراته وذكرياته الحافلة؛ لأن سيرته مليئة بالدورس والعظات والعبر والطرائف، ولكن نخشى أن يكون حاله كحال المتواضعين من أمثاله، الذين وصفهم الطيب صالح، بقوله: "أسهموا مساهمات عظيمة في بناء المجتمع، كلهم رحلوا دون أن يتركوا سجلاً لتجاربهم، بل حملوها معهم إلى مراقدهم، فخسر الناس بذلك خسارة لا تعوض." نعم أن خسارتنا لا تعوض، وفقدنا لا تصفه أبيات ابن الوردي:

سراجٌ في العلومِ أضاءَ دهراً    على الدنيا لغيبتِهِ ظــــلامُ
تعطَّلتِ المكـارمُ والمعالي    وماتَ العلمُ وارتفعَ الطـــغامُ
عجبتُ لفكرتي سمحَتْ بنظمٍ    أَيُسْــعدني على شيخي نظامُ
وأرثيه رثاءً مســـتقيماً     ويمكنني القــــوافي والكلامُ
ولَوْ أنصفتُهُ لقضيْتُ نحبي      ففي عنــقي لهُ نعمٌ جســـامُ

وأكتفي بهذا القدر؛ لأن أستاذ الأجيال عثمان البيلي رجل "لا نُعزي فيه، ولكن فيه نُعزى"، ونضرع أكفنا إلى الله سبحانه وتعالى أن يغفر له مغفرة واسعة، تكلل جوانب عطائه الثر، وأن يسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، وأن يلهمنا وأهله الصبر الجميل وحسن العزاء.

Ahmed Abushouk [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]