جنوب السودان
مراحل انهيار الثقة بينه وبين الشمال (3/3)
تأليف:  الدكتور محمود قلندر

عرض وتحليل: د.أحمد إبراهيم أبوشوك

محاولات ترميم جسور الاتصال المنهارة وإعادة الثقة
يعرض هذا المحور مشاهد الفصل الخامس الخاص بمحاولات حكومات الديمقراطية الثانية (1964-1969م) في ترميم جسور الاتصال المنهارة بين الشمال والجنوب، ثم يحلل مفردات الفصل السادس التي تتمحور حول اجتهادات حكومة مايو (1969-1985) بشأن ترميم جسور الاتصال المتصدعة، ونكوصها عن إتفاقية أديس أبابا 1972م التي كانت بمثابة طوق نجاة لعلاقات الشمال والجنوب الغارقة في أوحال الشك والريبة وفقدان الثقة المتبادلة بين شطري القطر الواحد من طرف، وبين الوحدويين والانفصاليين في الجنوب في طرف ثانٍ. وكما يرى الدكتور قلندر فإن حكومة أكتوبر التي ترأسها سرالختم الخليفة قد وضعت "اللبنة الأولى في صرح الثقة الضائعة بين السلطة السياسية في الشمال والجنوبيين،" وذلك بإصدارها بياناً يقضي بالعفو العام "عن جميع الرعايا السودانيين الذي هربوا من أرض الوطن منذ كانون الثاني (يناير) 1955، والذين حوكموا غيابياً، والذين ما زالوا مطلوبين للمحاكمة مهما كانت التهم الموجهة إليهم." (قلندر: ص 278) وفي إطار هذا التوجه الإيجابي تم اطلاق سراح السجناء السياسيين، واصدار أوامر للجيش والشرطة بعدم تعقب الخوارج، والموافقة على (جَنْوَبة) الوظائف الإدارية والضبطية (البوليس والسجون) في جميع مراكز الجنوب. إلا أن حصاد هذه الإجراءات لم يكن بالصورة المرجوة لأن الطرف الجنوبي واصل تشكيكه في نوايا حكومة الخرطوم، واستقل فرصة الهدنة لتمكين نفوذه العسكري والسياسي في جنوب السودان على حساب الأمن والطمأنينة بالنسبة للشماليين العاملين في الإقليم. وظلت حالة فقدان الثقة هذه قائمة إلى أن انعقد مؤتمر المائدة المستديرة في الخرطوم عام 1965م تحت رعاية حكومة أكتوبر الانتقالية، وشاركت فيه نخبة من الساسة الشماليين والجنوبيين وبعض الأكاديميين المهتمين بقضية الجنوب. وانبثقت عن هذا المؤتمر لجنة الاثني عشر التي أعدت تصوراً كاملاً بشأن حل قضية الجنوب، بما في ذلك مشروع الفدرالية كأساس ترتكز عليه عملية  التنمية في الجنوب، وتمكين الجنوبيين من حكم إقليمي تحت رعاية الحكومة المركزية. لكن كما يرى قلندر "فإن معظم القرارات المتعلقة بالمائدة المستديرة لم تُحظ بأي نصيب من التنفيذ، لأسباب متعددة أهمها قصر عمر الحكومات المسؤولة عن التنفيذ". (قلندر: ص 281) ويضيف إلى ذلك سلسلة حوادث العنف والعنف المضاد في جنوب السودان، التي خلقت جواً غير صحي لمواصلة التفاوض والوصول إلى صيغة مثلى ترضي الخصماء.
ومن ثم ظل الوضع السياسي والعسكري في جنوب السودان في حالة تدهور مستمر، لم يشهد أي انفراج محسوس في عهد الحكومات الديمقراطية المتعاقبة، التي شغلها الصراع السياسي في الخرطوم، وقلل من فاعلية عطائها تجاه مشكلة الجنوب التي ظلت محفوفة بالشك والريبة والكراهية. ومن زواية أخرى يؤكد الدكتور قلندر أن الحركة السياسية العسكرية الجنوبية قد نجحت في تعبيد جسور الاتصال الإقليمي مع أوغندا، والكنغو، وإسرائيل، فلاشك أن هذه العلاقات كانت بمثابة أوراق (كروت) ضغط على حكومة الخرطوم، التي فشلت نسبياً في تحقيق مثل هذه النجاحات، سواء كان ذلك نابعاً من واقع التزامها بالقضية الفلسطينية أو فتور علاقاتها الدبلوماسية بدول الجوار الإفريقي.  
    وفي ظل هذا الجو الملبد بالمخاطر سقطت الديمقراطية الثانية، مفسحة المجال لنظام مايو العسكري (1969-1975م)، الذي أولى اهتماماً خاصاً بقضية الجنوب، وأصدر فور توليه زمام السلطة في الخرطوم بياناً يعترف فيه بالفوارق الثقافية والاقتصادية والدينية والعرقية والاجتماعية بين الشمال والجنوب، ويُحمِّل الحكومات الحزبية المتوالية مسؤولية تردي الأوضاع في الجنوب، ويعد المتمردين بإنشاء نظام حكم إقليمي في الجنوب، وتعيين وزارة مركزية تشرف على شؤون الجنوب التنموية والثقافية والاجتماعية. وبهذا الإعلان، كما يرى المؤلف، فقد فتحت حكومة مايو الباب للحوار، وعينت وزارة مركزية لشؤون الجنوب برئاسة وزير جنوبي، لتثبت صدق نواياها تجاه القضية التي تمثل محور الصراع بين الشمال والجنوب، بيد أن استجابة القيادة السياسية الجنوبية لهذا النداء التفاوضي كانت استجابة "مبهمة وغير واضحة". ومن ثم فإن العبء وقع على كاهل وزارة الجنوب التي لعبت دوراً رائداً في إقناع الساسة الجنوبيين في الداخل والخارج بضرورة التفاوض، وكسب التأييد العالمي الكنسي والسياسي الإقليمي في تفعيل آلية الحوار. وحصيلة ذلك تبلورت في اتفاقية أديس أبابا لعام 1972م، التي منحت الجنوب حكماً إقليمياً، وأعادت توطين اللاجئين، واستوعبت المتمردين في القيادة الجنوبية وبعض القيادات العسكرية الأخرى في الشمال، ثم راعت ضرورة تمثيل الجنوبيين في الحكومة المركزية بثقل يتوافق مع حجمهم السياسي ووضعهم الديمغرافي في السودان.
    ويصف المؤلف هذه الاتفاقية بأنها "جهاد أصغر"، لأن "الجهاد الأكبر"، من وجهة نظره، يتمثل في "تثبيت أركان السلام، وتركيز أقدامه على أرض الواقع." (قلندر: ص 312) فلا شك أنه مُـحقٌ في ذلك، لأن تثبيت أركان الاتفاقية على صعيد الواقع قد واجه انتقادات جمَّة من الذين خرجوا عن الاجماع الجنوبي، وبدأوا ينادون بالانفصال عن الشمال، ويواصلون جهادهم من أجل تحقيق هذا الهدف المنشود تحت مظلة قواتهم العسكرية المعروفة بـ "أنيانيا تو". وأضف إلى ذلك أن عطاء الحكومة الإقليمية كان عطاءً مجزوزاً، لأنه تأثر إلى حد كبير بإفرازات الصراع العرقي-المصلحي بين قيادات الدينكا والأقليات الجنوبية الأخرى، وبالفعل فقد قاد هذا الصراع إلى انشطار الفعاليات الجنوبية الموقعة على اتفاقية أديس إلي مجموعتين متناحرتين. إحداهما مجموعة تقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم ويتزعمها جوزيف لاقو، وثانيهما مجموعة وحدة إدارة الجنوب ويتزعمها أبل ألير. فلاشك أن الخصومة المتصاعدة بين المجموعتين قادت إلى تدخل القيادة السياسية العليا في الخرطوم، الشئ الذي أثار غباراً كثيفاً من الشك حول مصداقية اتفاقية أديس أبابا، وبلغ ذلك التدخل غايته عندما أصدر الرئيس جعفر نميري في يونيو 1983م قراراً بتقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم. فالشرر المتولد من قرار التقسيم، كما يرى اللواء قلندر، قد صادف "برميل البارود العسكري المسمي بالانصهار [يعني انصهار القوات الجنوبية المحاربة في القوات النظامية المسلحة] فانفجر البارود في وجه الوحدة الوطنية التي بدت يومها وكأنها توشك أن تتناثر أشلاءً". ورفض الانصهار الذي أشار إليه المؤلف قد جسدته الكتيبة 105 في بور، التي رفضت التحرك إلى شندي مقر القيادة الشمالية، ودخلت الغابة، ثم أعلنت طلاقها البائن من حكومة الخرطوم. وقد كانت هذه الكتيبة تمثل النواة التي قامت عليها "الحركة الشعبية لتحرير السودان" التي يتولى زعامتها حالياً العقيد جون قرنق دي مبيور. وعند هذا المنعطف الخطير في تاريخ مشكلة الجنوب توقف بنا اللواء معاش الدكتور محمود قلندر، متوِّجاً كتابه القيم بخاتمة نعتها بـ"الطريق الوعر نحو السلام"، وأثار بين ثناياها جملة من التساؤلات الحائرة: "فأي مصير يتنظر اتفاقاً تقف على أبوابه أسنة الوعد ورماح الوعيد؟ كيف يكون حال الاتصال والتواصل وللشجرة [يعني شجرة الشك والريبة والتاريخ الحافل بالمرارات] بعض جذور تتشبث بالأرض؟ هل أزلنا من أرض الوطن بقايا الجذور؟ لا بد أن نزيلها. فذلك وحده هو الضمان الوحيد لسلامة السلام." (قلندر: ص 339) 


ملحوظات عامة         
وبعد هذا العرض التحليلي المفصَّل لكتاب "جنوب السودان: مراحل انهيار الثقة بينه وبين الشمال، 1900-1983م"، تبقي لنا بعض الملحوظات العامة التي يمكن أن نستخلصها من المنهج الذي استخدمه الدكتور قلندر في عرض مفردات مشكلة الجنوب، وذلك في إطار الحقب التاريخية التي تطرق إليها.
أولاً: نتفق مع الأستاذ مدثر عبدالرحيم في أن الدراسة بصورة عامة قد استندت إلى مجموعة معتبرة من الوثائق الرسمية، التي أماطت لثام السرية عن كثير من القضايا المسكوت عنها، وبذلك استطاعت أن تضيف بُعداً معلوماتياً جديداً للقضية موضوع النقاش. زد على ذلك أن منهج الاتصال الاجتماعي الذي تبناه المؤلف قد أفلح في استيعاب الخلفية التاريخية القائمة التنوع الثقافي والعرقي والديني والسياسي بين الشمال والجنوب، وقد بيَّن أن ضعف شبكة الاتصال الاجتماعي القائمة على الشك والريبة وعقلية المؤمراة كان سبباً رئيساً في تعقيد عملية التعايش بين الطرفين، وجعل الحوار بين الخصوم أشبه بحوار الطرشان.
ثانياً: وفي ضوء الخلفية التاريخية التى استند إليها المُؤلِّف يمكننا القول بأن علاقة الاتصال الاجتماعي ذات الجوانب السالبة بين الشمال والجنوب قد تمت خارج إطار دولة السودان القُطرية المعاصرة، وكان ذلك في جو تسوده روح القبلية القائمة على الصراع والاقتتال؛ وواقع تحكمه تطلعات الحكم التركي الساعي إلى استغلال موارد السودان المادية والبشرية؛ ومستقبل دولة قُطرية وَضعتْ لبناته الإدارة البريطانية، وفق سياسة مجحفة، استطاعت أن توسِّع البون الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي بين الشمال والجنوب. فلا شك أن هذه التركة المثقلة بأرث الماضي وتداعياته السالبة قد ألقت على عاتق السودان الحر المستقل جملة من التحديات الجسام، وعدداً من الألغام المتفجرة في طريق مستقبله المنشود.
ثالثاً: إن حصلية هذا الواقع المرير قد أسهمت سلباً في صياغة "العقل الاستراتيجي السوداني"، كما يسميه منصور خالد. فالعقل الشمالي يعتبر نفسه صانع الاستقلال الذي شارك فيه إنسان الجنوب مشاركة متواضعة وسلبية في بعض الأحيان، فإن هذا الوضع جعله ينظر للآخر نظرة استعلائية، ترتكز إلى الماضي البغيض والحاضر المعرفي المكتسب. ونسبة لهذه النظرة الاستعلائية فقد رفضت حكومة الأزهري الأولى طلب الشريك الجنوبي الخاص "بالحكم الفدرالي"، متوهمةً بأن الاستجابة لمثل هذا الطلب المشروع ستقود إلى "وأد الاستقلال قبل ميلاده"، وبذلك انهارت أولى قنوات الاتصال بين الشمال والجنوب عشية استقلال السودان. أما العقل الجنوبي الانفصالي فقد توقفت عقارب ساعته الفكرية عند تجارة الرقيق، والحواجز القيمية التي وضعها الاستعمار البريطاني، وممارسة بعض الساسة الشماليين غير المبررة. وتنعكس بعض جزئيات هذا العقل الانفصالي، مثلاً، في الكلمة التي ألقاها الأب سترنينو لا هوري أمام البرلمان السوداني في يونيو 1957م: "إن الجنوب لا ينوي الانفصال عن الشمال كهدف بحد ذاته، بل يريد أن يعيش في ظل وحدة فدرالية بكامل إرادتها، ولكن الجنوب سينفصل عن الشمال حتماً بسبب الأعمال والتصرفات غير المسؤولة التي يقوم بها السياسيون الشماليون."
رابعا: يجب أن لا يقود مفهوم "العقل الاستراتيجي السوداني" القارئ الفطن إلى الاعتقاد بأن الشمال والجنوب هما أوعية صماء في تصورها لقضية الصراع الدائر بين أبناء الشمال والجنوب، وفي استجابتها للحلول المطروحة، أو الاعتقاد بأن القضية مجرد صراع بين الشمال "العربي" المسلم والجنوب "الزنجي" المسيحي. فلا شك أن مثل هذا التعميم يعطى قراءة مغلوطة عن دينامية الواقع المحرك للصراع، وطبيعة الحلول المطروحة بشأنه، وكيفية تحليل تباين مواقف الساعين لحل هذه القضية، كل حسب اجندته المعلنة، سواء كان ذلك في معسكر الشمال أو الجنوب. ومن هذه الزاوية يجب أن نقرَّ أن رأي المواطن السوداني العادي في الشمال والجنوب يكاد أن يكون مهمشاً تهميشاً تاماً عن فهم جذور هذه المشكلة ومُسوغَّاتها، وكيفية تفعيل مشاركته في حلها وتنفيذ ذلك الحل المرجو على صعيد الواقع. إذاً الشمال والجنوب لا يشاركان مشاركة كليةً-جماعيةً في الصراع الدائر، وإن النخبة المسيطرة على مقاليد الأمور هنا وهناك هي التي تسير دفَّة الصراع، وتفرض تمثيلها على طاولة المفاوضات حسب أجندتها الخاصة. وفي كثير من الأحيان نجدها مرهونةً بعقلية الشك والريبة تجاه الطرف الآخر، أو بهاجس نظرية المؤامرة الذي يحاول أن يفسر الفعل ورد الفعل المضاد خارج إطار الواقع الذي تشكل فيه وتخلق. وهنا مربط الفرس، لذا فإن القضية كما يرى الدكتور محمود قلندر تحتاج إلى اتصال اجتماعي يقوم على محورين: أحدهما أفقي جماهيري يسهم في توعية الرأي العام بخلفية القضية وأبعادها المسكوت عنها، وماهية الحلول المطروحة وكيفية المشاركة في تثبيتها على محيط الواقع؛ والآخر رأسي بين الحاكم والحكوم، تكون غايته المنشودة الإقرار بحرية الإنسان السوداني، والاعتراف بحقه المشروع في اختيار من يمثله في مؤسسات الحكم، ومناقشة القضايا المصيرية التي تهم الشأن العام، وبذلك تكون مسؤولية أي قرار يُتخذ مسؤولية جماعية تضامنية، قائمة على سماع الرأي والرأي الآخر، الذي يبتلور عبر مؤسسات اتصال اجتماعي وسياسي وثقافي مشروعة.  
خامساً: التهنئة الصادقة للدكتور قلندر وكتابه القيَّم الذي يُعد إضافة حقيقية لمكتبة الدراسات السودانية. ونآمل أن يعطى الباحث الحصيف في طبعته الثانية نظرة خاصة لطبيعة الأدبيات التي نُشرت بشأن قضية الجنوب، ويصنفها حسب خلفياتها الأيديولوجية، ويعالج تباين الآراء الوارد فيها من خلال منظومة الاتصال الاجتماعي، ويبين كيف يؤثر هذا التباين الفكري في استيعاب قضية الجنوب استيعاباً موضوعياً، وفي وضع الحلول المنطقية التي يمكن أن تُطبق على محيط الواقع، ثم أخيراً يستنتج: هل أن مثل هذا التباين الفكري سيقود إلى سودان موحد تربط أواصره عُرًى فدرالية، وإرثاً تاريخياً، ومصالح مشتركة؟ أم أن حصيلة ذلك ستحوِّل واقع السودان المتصدع إلى أدب تاريخي يَحكي عن قصة دولتين؟

نقلاً عن صحيفة الأحداث
    
Ahmed Abushouk [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.