إضاءات حول كتاب السودان: السلطة والتراث

المؤلف: البروفيسور أحمد إبراهيم أبوشوك (الجزء الثاني)

الناشر: مركز عبد الكريم ميرغني بأمدرمانتاريخ النشر: يناير 2009م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هذا الكتاب امتداد للجزء الأول الذي نشره مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأمدرمان عام 2008م تحت عنوان: السودان: السلطة والتراث، إذ يضم بين ثناياه ثلة من المقالات التي تعالج طرفاً من قضايا السلطة والتراث في السودان. فالنصف الأول منه يتكون من سبع مقالات، تدور رحاها حول قضية السلطة في السودان، وينتقل الحديث فيها من العام إلى الخاص، ومن الدولة إلى المجتمع، ثم إسهام الفرد في إطار الجماعة. وبناءً على هذا الترتيب البنيوي جاء المقال الأول في شكل قراءة تحليلية لكتاب الأستاذ الدكتور موسى محمد الباشا الموسوم: بـ الدولة الدينية الإسلامية في التنظير والتطبيق: السعودية وإيران والسودان نماذج دراسية. فالكتاب لا يمس قضية السلطة في السودان مساً مباشراً، ولكنه يتطرق إليها في إطار عرضه النظري لمفهوم الدولة في الفكر الإسلامي، وكيفية نقد المصطلح أصولياً وتاريخياً، ثم مقارنة الأنساق النظرية بالنماذج التطبيقية المعاصرة في السعودية وإيران والسودان، وأخيراً يصل المؤلف إلى نتيجةٍ مفادها أن النماذج المعاصرة التي تنعتُ نفسها بالإسلامية ما هي إلا مجرد أنماط لا دينية لنظم الحكم الشمولي، تتمسَّح بمسوح الدين لتبرر سلطانها السياسي على المحكومين، ولتقنن كسبها السلطوي غير المشروع. وفي إطار مفهوم الدولة الإسلامية ونماذج سلطناتها التي انتظمت بعض بلاد السودان، يتحدث المقال الثاني عن سلاطين دارفور وصُرَّة الحرمين الشريفين، وذلك من خلال عرض تاريخي-وثائقي للعلاقات الدبلوماسيَّة والسياسيَّة التي كانت قائمة بين سلاطين الفور والأراضي المقدسة، وإسهامات أولئك السلاطين في ترقية خدمات الحرمين الشريفين في العهد العثماني الأخير، والتي تجسدت في إرسال "صُرَّة دارفور" على محمل مشهود إلى أم القرى ويثرب. وتُؤسس مفردات هذه المقاربة على منهج تاريخي يقضي باستقصاء المعلومات الأولية من مظانها الأرشيفية والمكتبية، ثم تحليلها في منظومة الواقع التاريخي الذي تشكلت فيه، والظروف المحلية والإقليمية التي أحاطت بعملية صياغتها عبر الزمان والمكان.وفي ضوء الوثائق التاريخية المتاحة تمَّ تحليل طرف من دور سلاطين دارفور في الفترة التي سبقت مجيء الغزو التركي المصري إلى السودان (1820-1881م). وكما نعلم أن مركزية الحكم التركي المصري التي حددت معالم دولة السودان الحديثة قد واجهت معارضة داخلية شرسة، تنوعت بواعثها السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، وبلغت تلك المعارضة ذروة كفاحها المسلح في الثورة المهدية، التي تبنت خطاً أيديولوجياً، قوامه فكرة المهدي المنتظر التي كانت شائعة في بقاع السودان المختلفة، وشاخصة في مخيلة العقل الصوفي السوداني. ومن خلال هذه الأيديولوجية ذات النـزعة الثورية المعارضة تمكن الثوار المهدويون من القضاء على دولة الحكم التركي المصري، بعد أن حصدوا ثمار نصرهم في حصار الخرطوم وتحريرها في السادس والعشرين من يونيو 1885م. فالمقال الثالث يناقش قضية تحرير الخرطوم، باعتبارها حدثاً مفصلياً له أبعاده الأيديولوجية وتداعياته السياسية في السودان وخارج السودان. ومن ضمن أبعاده الأيديولوجية والسياسيَّة في السودان قيام الدولة المهدية (1885-1898م) التي أُسس على إرثها الفكري ومجاهداتها السياسيَّة كيان الأنصار وحزب الأمة تحت رعاية السيِّد عبد الرحمن المهدي. فالسيِّد شخصية مثيرة للجدل، علماً بأن خصومه السياسيين ينظرون إليه على هيئة "مثال يجدونه كثيراً بين ظهرانيهم، ملايين من الجنيهات عاكفة في البنوك لا تستغل ولا تنفق، وترف بالغ تتألق فيه الجواهر واللآليء وتُرفع فيه القصور والفلات، ونفوذ واسع على الأتباع والأنصار، تنبسط فيه أسباب الطموح والاستعلاء والسيادة والسلطان"، وأما أنصاره ومريدوه فيصورونه على هيئة المنقذ "الذي أراد لوطنه السيادة والنهوض، فطوَّع لذلك كل إمكاناته، وكل جهوده، وكل ما أوتيه من حنكة وحسن تدبير". وفي إطار هذه الثنائية المتعارضة جاء اتهام السيِّد عبد الرحمن المهدي بزيارة دولة إسرائيل عام 1956م. فالمقال الرابع من مجموعة السلطة يحاول أن يبين الأسباب الكامنة وراء هذا الاتهام، ثم يؤسس حيثيات نقاشه على جملة من الثوابت التي تدحض هذا الإدعاء، وتبين الظروف والملابسات التي أحاطت به.وبعد استقلال السودان استمرت هذه الخصومة بين حزب الأمة والأحزاب السياسية المعارضة له، حيث أخذت شكلها الديمقراطي في حراك المؤسسات الحزبية، وشكلها الصدامي في مناهضة الأنظمة العسكرية الشمولية. وتمثل حكومة الإنقاذ الحالية أحد أنماط الحكم العسكري المهجنة التي ثارت على الحكومة الديمقراطية المنتخبة تحت رئاسة حفيد السيِّد عبد الرحمن المهدي، ورئيس حزب الأمة القومي، السيِّد الصادق المهدي، في يونيو 1989م. وبعد فترة جهاد مدني طويل، وشد وجذب سياسي محفوف المخاطر آثر رئيس حزب الأمة القومي وإمام الأنصار المثول إلى نهج الحوار مع السلطة الحاكمة، وبلغ الحوار بين الطرفين قمَّته فيما يعرف بـ"اتفاق التراضي الوطني". يلقي المقال الخامس ضوءاً ساطعاً على حيثيات "اتفاق التراضي الوطني" الذي جرت مراسيم توقيعه بمنـزل السيِّد الصادق المهدي بحي الملازمين في 20 مايو 2008م، ويصحب نقاشه بعرض مواقف الرأي والرأي الآخر من تلك الحيثيات، ثم يقدم بعض الملاحظات التحليلية على متون أطروحة التراضي، والمواقف المثمنة لها والقادحة فيها.

           وبقراءة متأنية لبنود اتفاق التراضي الوطني نلحظ أن جزءاً منها قد تناول قضية دارفور وكيفية معالجتها في إطار قومي خال من أي ارتباطات أجنبية. وكما هو معلوم فإن حلّ الإدارة الأهلية وإفرازته الأمنية والسياسية السالبة كان واحداً من الأسباب التي أسهمت في اندلاع مشكلة دارفور وتفاقمها. فالمقال السادس يعرض سيرة الناظر عبد الجبَّار حسين زاكي الدين بوصفه رمزاً من رموز الإدارة الأهلية في السودان، ومن خلال سيرته يتناول قضية الإدارة الأهلية من حيث النشأة والتطور، والأسباب الكامنة وراء قرار حلها، والإفرازات الإدارية والقضائية والأمنية التي ترتبت على ذلك القرار، وإسقاطاته السالبة على المديريات ذات الثقل القبلي مثل دارفور وكردفان وكسلا.

          معظم الدراسات اللاحقة أشارت إلى أن قرار حل الإدارة الأهلية لم يكن قراراً مدروساً وموفقاً، بل جاء نتيجة لنصائح غير ناضجة، قدمها بعض نُصحاء السلطان إلى القيادة السياسية في حكومة مايو، والتي قامت بدورها بإصدار قرار يقضي بتصفية مؤسسات الإدارة الأهلية دون تقديم بدائل مناسبة، وترتب على ذلك الإجراء حزمة من الآثار الأمنية والإدارية والقضائية السالبة في مديرتي كردفان ودارفور على سبيل المثال. وعند هذا المنعطف نلحظ أن قضية النُصح والمشورة الثاقبة كانت ولا تزال واحدةً من الإشكالات التي تواجه صاغة القرار السياسي في السودان، لأن بطانتهم السياسية في كثير من الأحيان تنظر إلى حلول المشكلات القومية الملحة في إطار مصالحها القطاعية، دون توطينها في وعاء المصلحة العامة الذي يضمن استدامتها وعدالتها بالنسبة لكل الأطراف. ويصب في معين هذه الإشكالية المقال السابع الذي يعرض بعض إسقاطات دعاة السلطة ونُصحاء السلطان بصفة عامة، حيث يقدم بعض النماذج من التراث الإسلامي، ثم يبين انعاكسات ذلك علي التجربة السياسية السودانية المعاصرة. ونأمل أن تسهم المعالجة الواردة في متن المقال في تثقيف قضية النُصح والمشورة الصائبة على كل مستويات الأداء الإداري في السودان، لأن معالجة قضايا العصر تحتاج إلى تقويم حاذق من ذوي الاختصاص الذين يمكنهم أن يضعوا المصلحة العامة نصب أعينهم، ويفكروا في الحلول المناسبة التي تتوافق مع متطلبات الواقع المحلي والإقليمي والعالمي. 

         أما النصف الثاني من الكتاب فيتكون من خمس مقالات، تتناول بعض القضايا التراثية، ويأتي في مقدمتها المقال الذي يناقش آثار السيِّد غلام الله بن عايد وأحفاده الركابية في السودان، وينطلق المقال من مراجعة تحليلية لكتاب الدكتور سمير محمد عبيد، الموسوم بـ غلام الله بن عايد وآثاره في السودان، وبعض المخطوطات المدونة عن تاريخهم الديني والاجتماعي في السودان. ولا شك أن أهمية السادة الركابية تتجلى في دورهم الثقافي الرائد في مجال تثقيف الناس بأمور دينهم، وفي تواصلهم الاجتماعي الذي تبلور في بروز عدد من الأسر الدينية المنتشرة في بقاع السودان المختلفة، والتي أضحت صاحبة مرجعية دينية واجتماعية في كثير من القضايا التراثية المرتبطة بثوابت الدين الإسلامي، وبممارسة أهل السودان لشعائرهم الدينية وأمورهم الحياتية المرتبطة بذلك الدين الحنيف.  

        وبجانب الأسر الدينية هناك قطاعات اجتماعية-ثقافية خدمت قضايا التراث، ووثقت لها في شكل أشعار لاتزال متداولة بين الناس، لأنها تحكي عن كثير من قضاياهم الاجتماعية، والاقتصادية والثقافية. ومن ألمع نجوم هذه المجموعة في شمال السودان العامل حسونة (ت. 1927م) الذي كان له دور مشهود في المحافل البلاطيَّة ومجالس الإمتاع والمؤانسة الشعبية. فالمقال الثاني من المجموعة التراثية جاء في صيغة مناشدة للذين يقفون حجرة عثرة في سبيل نشر ديوان العامل حسونة، الذي جمعه وحقق نصوصه الأستاذ المرحوم عمر الحسين محمد خير، وتركه جاهزاً للطباعة والنشر، إلا أن بعض ذوي الإلمام المتواضع بأهمية الديوان عارضوا عملية نشره بغية عائد مادي يرجونه من الذين وضعوا اللمسات النهائية لطباعة الديوان ونشره ليكون متداولاً بين الناس. فأهمية الشاعر حسونة تتبلور في كونه كان متنبي زمانه، من حيث العطاء الأدبي، والسعة التراثية، والإجادة في نظم القوافي وربطها بقضايا الناس المحلية عند منحنى النيل.  

            وعلنا نستشهد في هذا المضمار بقول البروفيسور علي المك الذي يرى أن بعض المثقفين يظلمون الشعر العامي عندما "يقولون عنه أنه لا يسمو ولا يتسامى للتعبير عما في النفس من خبايا وشجون، ولعل ذلك قد جعل العامية محصورة فيما يسمى بشعر الغناء على الأقل"، لكن عطاء شعراء العامية السابل يتحدى "دكتاتورية الكلمة الفصيحة"، التي تدثرت برداء "العصر الأموي والعباسي"، واقتنع سوداها "بنماذج عصر الانحطاط الأدبي". فالاقتباس الوارد أعلاه جاء في مقدمة البروفيسور علي المك لديوان الشاعر عبد الله محمد خير الموسوم بـ "أنا المعجب". وبحق كان عطاء الشاعر عبد الله عطاءً مكملاً لعطاء الشاعر حسونة، فالمقال الثالث يثمن هذا الفرضية، ويعرض طرفاً من سيرة الشاعر عبد الله محمد خير وعطائه الأدبي. وقد جاء هذا المقال في صيغة لمسة وفاء للشاعر عبد الله الذي ارتحل إلى الدار الآخرة في الخامس عشر من أكتوبر 2008م.كان الشاعر عبد الله شاعراً مجدداً في عطائه الأدبي، لأن الشعر بالنسبة له كائن حي، ينبع من سواحل النفس البشرية، ويتفجر في شكل ينابيع، تعبّر عما يجيش بداخله ودواخل المجتمع الذي كان يعيش بين ظهرانيه. ونلتمس ذلك في كثير من أشعاره، وأصدقها شاهداً وصفه لقيم الحداثة التي انعكست في تطور وسائل المواصلات، وبعض مظاهر المدنية التي اكتست قرى الشمال الواقعة عند منحنى النيل خلال العقدين الماضيين من الزمان. ويعضد هذا الواقع المقال الرابع الذي يعقب على ذكريات الأستاذ طلحة جبريل في رحلته الأخيرة إلى مروي عن طريق شريان الشمال، وطبيعة التغييرات التي شهدتها منطقة مروي الكبرى عبر عدسة الأستاذ طلحة الأدبية، التي تحسن الوصف، وتقارن بين مآثر الماضي المعنوية وإفرازات الحاضر المادية، وانعاكسات ذلك سلباً وإيجاباً على أهلنا الطيبين في نواحي السافل.وفي خاتمة هذا العرض لمحتويات كتاب السودان: السلطة والتراث، الجزء الثاني، نأتي بمقال أخير، نحسبه واسطة عقد لما ذُكر، لأن صاحب الشأن فيه قد استطاع أن يوثق طرفاً من قضايا السلطة وطرفاً آخر من قضايا التراث في السودان. وصاحب الشأن هو البروفيسور محمد سعيد القدال (1935-2008م) الذي انتقل إلى الدار الآخرة في شتاء عام 2008م، فكان موته "موت دنيا" من منظور الدكتور عبد الحليم محمد ومحمد أحمد المحجوب، و"موت حلم" حسب رؤية غراهام توماس، و"موت مؤرخ" من وجهة نظر زملائه في المهنة وطلبته الذين نهلوا العلم من فيض عطائه الدافق. فغاية المقال تكمن في إلقاء ضوء ساطعٍ على عطاء الأستاذ القدال التوثيقي الذي جمع بين دفتيه ثلة من قضايا السلطة والتراث في السودان.

             وأخيراً، من باب التوثيق الأكاديمي نلفت انتباه القارئ الكريم أن معظم المقالات الواردة في هذا الكتاب قد نشرتُ من قبل عبر وسائط صحافية ودوريات مختلفة، وقُدمت في مناسبات متعددة من حيث الزمان والمكان والموضوع. إذ جاء بعضها في صيغة قراءات تحليلية لبعض الكتب والأدبيات المرتبطة بقضايا السلطة والتراث في السودان، وبعضها الآخر في صيغة لمسات وفاء لأناس رحلوا إلى الدار الآخرة، لكنهم خلَّدوا آثاراً جليلةً، تُحفظ لهم في ذاكرة التاريخ، وعلى مرِّ الأزمان والأجيال.