حفلت كتب وفيات الأعيان بتراجم أعلام الرجال، وتبنى النهج نفسه الشيخ محمد نور بن ضيف الله في "كتاب الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والشعراء في السودان"، ولم يفْرِد لأعلام النساء حيزاً في طبقاته، بل ذكر ثلة منهن في سياق حديثه عن تراجم بعض أعلام الرجال. فالفقيهة العالمة فاطمة بنت جابر، التي وصفها ود ضيف الله بأنها كانت نظيرة إخوانها في العلم والدين، أشار إليها عرضاً ضمن تراجم أولاد جابر الأربعة، وكذلك في ترجمة ابنها الشيخ محمد بن سرحان العودي، الذي أصَّل لكسبه المعرفي من جهة أمه، قائلاً: "فما طابت تلك الثمرة إلا من تلك الشجرة"، إلا أنه لم يأت بفذلكة وافية عن الشيخة الشجرة فاطمة بنت جابر. ولذلك عزا بعض النُقَّاد ضعف التوثيق لتراجم أعلام النساء في كتب الطبقات إلى ثقافات المجتمعات الذكورية، وأحياناً إلى قلة ارتباط المرأة بالشأن العام. فنلحظ أنَّ البروفيسور عون الشريف قاسم في "موسوعة القبائل والأنساب في السودان"، عندما ترْجَم للبروفيسور الشيخ محجوب جعفر، على سبيل المثال، قال: "اشتهر الدكتور الشيخ محجوب جعفر مصطفى، ولد بكريمة 1935م، تخرج من كلية الطب جامعة الخرطوم، تخصص ببريطانيا، وعمل بكلية الطب، ووزيراً للتربية والتعليم بعد انتفاضة 1985م، وعمل خبيراً بمنظمة الصحة العالمية. والدته بت الناطق، تزوج إنعام (صالحة) عبد الرحمن المهدي، وأنجب عبد الرحمن، ونوار ونون وعشة وإخوتهن." 

ونلحظ أنَّ البروفيسور عون الشريف ذكر المرحومة الأستاذة إنعام عبد الرحمن المهدي في سياق علاقتها الزوجية، مع العلم بأنها من النساء الاستثنائيات في السودان، اللاتي يجب أن يوثق لكسبهن المعرفي، وعطاهن الاجتماعي والسياسي بصورة مستقلة. فهي خريجة كلية القانون جامعة الخرطوم في العقد السادس من القرن العشرين. وعندما تجلس معها وتجاذبها أطراف الحديث عن دراسة القانون في عهدها، كانت دائماً تحدث محاورها عن أستاذ القانون الهندي الدكتور كريشنا فاسديف، مؤلف كتاب "أحكام الإثبات في السودان: دراسة مقارنة"، الذي نقله من اللغة الإنجليزية إلى العربية هنري رياض وعبد العزيز صفوت. وتذكر من زملائها في الكلية البروفيسور فيصل عبد الرحمن علي طه، الذي يمتدح دائماً العلاقة الطويلة الممتدة التي نشأت بينهما منذ أيام الدراسة بجامعة الخرطوم، فضلاً عن الروابط الأسرية القديمة؛ وكذلك الأستاذ عمر عبد العاطي، النائب العام الأسبق؛ والأستاذة وصال الصديق المهدي؛ والبروفيسور علي سليمان فضل الله، عميد كلية القانون الأسبق (1986-1990م)، الذي أشار إلى هذه العلاقة عندما هاتفنا معزياً في وفاتها، وقائلاً إن علاقته بها ترجع إلى أيام الدراسة بجامعة الخرطوم، بالرغم من أنَّ الفقيدة كانت تسبقه بعام أكاديمي. ثم تجددت ذكريات المترجم لها بكلية القانون جامعة الخرطوم، عندما التحقت كريمتها خديجة بالكلية نفسها، طالبة، ثم أستاذة للقانون الدولي. وفي ثمانينيات القرن الماضي، التحقت الفقيدة بدبلوم الشريعة بكلية القانون وكانت دائماً تتحدث عن محاضرات الدكتور حسن الترابي في أصول الفقه، وإثارتها للنقاش والجدل الأصولي.
وبعد تخرجها من كلية القانون لم تمارس الأستاذة إنعام مهنة القضاء الجالس أو القضاء الواقف؛ لكنها وظَّفت دراساتها القانونية في مجال عملها السياسي بحزب الأمة القومي، ونشاطها الدعوي والإنساني بهيئة شؤون الأنصار. فكانت أكثر ميلاً للعمل في هيئة شؤون الأنصار؛ ولذلك نعتها أمانة الثقافة والإعلام بالهيئة، "بالحبيبة الانصارية السيدة إنعام الإمام عبد الرحمن المهدي، أمينة المرأة بهيئة شؤون الأنصار"، والتي كان لها إسهامات مقدرة في تنوير المرأة الأنصارية، وتقديم المساعدات العينية والنقدية للأسر رقيقة الحال.
كانت الفقيدة الأستاذة إنعام تمتلك قدرة هائلة في إدارة شؤون أسرتها الحياتية وأعمالها الاستثمارية، فتجدها تقف مع عمال البناء، وتناقشهم في تفاصيل أعمال التشييد والتصميم والتركيب، وتراقبهم في تنفيذ مواصفات العمل المتفق عليه؛ وتجدها في مجال الزراعة ملمة بأنواع المحاصيل الزراعية والموالح، وأحوال المزارعين الذين يعملون معها، ومهاراتهم الحرفية، وشؤونهم الأسرية. تحاسبهم حسب العقود المبرمة معهم، وتساعدهم وفق احتياجاتهم الإنسانية. لا يهمها كثيراً العائد الربحي المادي، بقدر ما يهمها الانضباط بمواثيق العمل، ثم الإحسان لمن يستحق الإحسان، دون منٍ ولا أذى.
كانت تقدر أيضاً علاقات والدها القديمة، ولذلك تجدها تحرص على التواصل مع أبناء أصدقائه وأحفادهم، ونذكر على سبيل المثال علاقتها الوطيدة مع أسرة العميد بابكر بدري، والتي ثمنها البروفيسور مالك بدري بقوله معزياً: "والله كانت سيدة بحق، تجلَّت فيها مكارم الأخلاق الإسلامية والسودانية.. رحمها الله، وجمعها بأحبابها في دار البقاء". ويتجلى النموذج الثاني في علاقتها مع أسرة المرحوم الأستاذ عبد الرحمن علي طه، تلك العلاقة التي يفخر بها البروفيسور فيصل، ويثمن رباطها الأسري وزمالتها الأكاديمية. ولم تقف علاقات السيدة إنعام عند هذه النماذج المختارة، بل تجاوزتها إلى صلات واسعة ومتشعبة، قوامها أهل كريمة والبركل ونوري، حيث جذور زوجها البروفيسور الشيخ، وكذلك أسر أصهارها المنتشرة في بعض مدن السودان وأريافه.
وإلى جانب ذلك كانت السيدة إنعام بحراً من المودة والعطاء، كما وصفها زوجها البروفيسور الشيخ محجوب، أثناء مراسيم تشيعها بمسجد الهجرة بأمدرمان، قائلاً: "فقد كانت صُحبتنا أكثر من ستين عامًا، ما فيها إلا الخير، وفعل الخير للناس، ومحبة الناس، وكل من تعرفه كان يحبها، وكانت يدها ما شاء الله محسنة في السر والعلن." وعضد براءة الإحسان والعطاء هذه، قول الأستاذة رباح الصادق المهدي: "أمي إنعام، إنا لا نزكيك على الله، ولكنا نشهد أنك كنت لامة لخيرات الروح؛ صارفة لأمراض النفس، مثلاً للصلاح، والمحبة الصافية، والصدق، والموضوعية، والوطنية، والبذل، والعطاء، تمنحين الماعون للمحتاج، وتعطين من روحك السمحة وطلاقة وجهك وطيب منطقك ما يفك ضيق الصدور، تتصدقين بالإدام وبالابتسام، بالملموس وبالمحسوس، وتمنحين الاحترام." كما جسَّد هذا التواضع وهذه المحبة الإنسانية، قول الإمام الصادق المهدي: "تعاملت مع الناس بخير الإنسانيات السودانية من تواضع وتسامح؛ فأحبها الأهل والأنصار وسائر المواطنين، حباً واحتراماً في مقام من أحبه الله، فحبب فيه الناس." حقيقة هذه صفات صادقة في وصفها، ونحن شهداء على ذلك.
وبعد هذا العطاء المنبسط الأطراف، توفيت السيدة إنعام في صباح يوم الجمعة الموافق 10 يوليو 2020م، ودُفنت إلى جوار أمها السيدة آمنة فرج الله يوسف بمقابر الأسرة بمسجد الهجرة بودنوباوي (أمدرمان). نسأل الله العلي القدير أن يجعلها من أَصْحَابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ، وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ، وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ، وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ، وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ. ويكرمها بجنة الفردوس الأعلى مع النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. ويغرس البركة في ذريتها وعقبها، ويلزم آلها الصبر الجميل والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.