كتب البروفيسور عبد الله علي إبراهيم مقالاً بعنوان: "قرنان على وفاة ود ضيف الله: موت المؤلف، حياة الفكرة" ، وذلك بمناسبة مرور مائتي عام على وفاة صاحب الطبقات. وفي إطار المناسبة ذاتها كتب الأستاذ يحيى العوض مقاله الموسوم بـ "براءة ود ضيف الله ومسؤولية د. يوسف فضل" ، والذي استهله قائلاً: "بقدر الاحتفاء بكتاب الطبقات للشيخ محمد النور بن ضيف الله، ومرور مائتي عام على وفاته "1810-2010م"، يتوجب علينا تجديد النداء للبروفيسور يوسف فضل، لإعادة تحقيقه وتدقيقه.!. فالكتاب يعتبر من أمهات كتب التراث، والمرجع الأول المطبوع لدارسي التصوف في السودان، لكنه يشكل نقطة ضعف رئيسية يستغلها منتقدي التصوف، ويستثمره أدعياؤه.!.، بل ويقف حجر عثرة في طريق الأجيال الجديدة من موثقي ودارسي التصوف." ويبدو أن هذا الاتهام قد أثار حفيظة رهط من المهتمين بالتراث السوداني، وفي مقدمتهم الأستاذ حمور زيادة حمور، الذي استهل مداخلته في سودانيزأونلاين بفرضية تقضي ببراءة البروفيسور يوسف فضل والشيخ ود ضيف الله وتحمِّل الرواة المسؤولية ، وذلك انطلاقاً من تعليقه الساخر بأن مقال الأستاذ يحيى العوض "مقال عجيب، وحججه وقطعياته أعجب"، لأنه يقطع "صلة الشيخ محمد ود ضيف الله بكتاب الطبقات المشهور والمطبوع، وينسبه إلى د. يوسف فضل، ويحمّله إثم المرويات التي وردت في الكتاب، والتي اتخذها الناس مطعناً في مذهب المتصوفة. والمقال عاطفي، يناقش قضية علمية بغرض بَيّن، دون معرفة بعلم التحقيق، أو تاريخ الكتاب."  فالسجال حول هذه القضية اشتركت فيه نخبة من القراء والباحثين، وكل واحد منهم أدلى بدلوه إما مؤيداً ما ذهب إليه الأستاذ حمور زيادة، أو مناصراً الفرضية التي أنطلق منها الأستاذ يحيى العوض. وفي هذا المقال لا نود مناصرة أي من الفريقين، ولكن نحاول أن نضع الأمور في نصابها التاريخي، ونوطن للقضايا المختلف حولها في إطار الواقع الاجتماعي والثقافي الذي أسهم في صياغتها، وجعلها متداولة بين الناس، والمنهج الذي استخدمه الشيخ ود ضيف الله في توثيقها ونقلها من حيز المشافهة إلى واقع الكلمة المكتوبة والمتداولة عبر الأجيال المتعاقبة. ثم نلقى ضوءاً ساطعاً على دور المحقق، البروفيسور يوسف فضل حسن، الذي كان مدركاً بطبيعة العمل الذي قام به، دون أن يحاكم النص من منظور الثوابت الشرعية، علماً بأن النص أضحى نصاً فولكلورياً، تخلَّق في رحم مجتمع سناري متصوف، أكسبه بُعداً وظيفياً، وأضفى عليه هالةً من القدسية؛ لأنه تدثر بكرامات القوم وفيوضاتهم الخارقة.

 

كتاب الطبقات

كتاب الطبقات عبارة عن تراجم لرجال الطرق الصوفية، وبعض الملوك، والمشايخ، والقضاة والشعراء في عهد دولة الفونج (1504-1820م)، وهو مقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسة، يمثل الأول منها خطبة الكتاب، ويؤرخ الثاني في إيجاز شديد لنشأة مملكة الفونج وبعض العلماء والمتصوفة الأوائل، ويحتوي القسم الثالث والرئيس منه على مائتي وسبعين ترجمةً، تتفاوت في الطول والقصر حسب المعلومات التي كانت متوفرة عن المترجم له في ذلك الزمان، وتجمع معظم التراجم بين ثناياها تفاصيل عن حياة المترجم له، تشمل مكان مولده، ونسبه لأبيه وأمه، والعلوم التي درسها، وأسماء أساتذته، والشيوخ الذين أخذ عنهم طريق القوم، ثم التلاميذ والمريدين الذين أخذوا عنه العلم أو الطريق، وأسماء الكتب التي أطلع عليها أو ألفها، فضلاً عن ذكر كراماته وخوارق العادات التي درج العامة والخاصة على تناولها عند الحديث عن سيرته أو مناقبه. وحسب البروفيسور يوسف فضل حسن لا توجد نسخة خطية أصلية، تحمل توقيع المؤلف محمد النور بن ضيف الله (1727-1810م)  ، أو عنوان الكتاب، وإنما ظهر هذا الكتاب أول مرة في نسخة مطبوعة نشرها القاضي الشرعي إبراهيم صديق عام 1930م، بعنوان "كتاب الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والشعراء في السودان"، وفي العام نفسه ظهرت نسخة ثانية نشرها الشيخ سليمان داود منديل، بعنوان: "كتاب طبقات ود ضيف الله في أولياء وصالحين وشعراء السودان". وبعد بحث جاد وتنقيب دءوب استطاع البروفيسور يوسف أن يَرجِعَ هاتين النسختين المطبوعتين إلى أصولهما، ويضيف إليهما ست نسخ مخطوطة أخرى، جاعلاً عمدتها نسخة البِريَّات، بحكم أنها أقدم النسخ المخطوطة، وأقربها إلى الأصل.

إذاً البروفيسور يوسف فضل لم يكن أول من نشر كتاب الطبقات في صورته المطبوعة، ولكنه أول من حققه تحقيقاً علمياً وافياً، استهله بمقدمة نفيسة، سرد فيها بإيجاز خلفية الظروف التاريخية والسمات الثقافية التي صُنِف فيها كتاب الطبقات، وترجم للمؤلف وأسرته، وعرَّف القارئ بالمنهج الذي اتبعه في التحقيق، وشرح في الحواشي الألفاظ الصعبة، وترجم للأعلام والأماكن، ثم ذيل ذلك بثبت للمصادر والمراجع، وفهارس للأعلام، والأماكن، والبلدان، والقبائل، والكتب التي ذُكرت في الطبقات، وبعض الكلمات والمصطلحات المشروحة في الحواشي. وبهذا الجهد المُقدر استطاع أن يستوفي كل المعايير العلمية المتعارف عليها في تحقيق المخطوطات، ويتخذ لنفسه موقفاً محايداً، يتجلى في قوله: "ليس على المحقق في مثل هذا العمل الموضوعي أن يجعل نفسه حكماً على معتقدات الناس، بل واجبه في المقام الأول استجلاء الحقائق في منهج علمي". 

أما الشيخ محمد النور بن ضيف الله فهو عالم شرعي، على درجة من الدراية بالعلوم الفقهية والقضاء، أهلته للنظر في شكاوى الناس، والإفتاء في بعض نزاعات الأرض وتمليكها في عهد الدولة السنارية. وقد ألف كتاب الطبقات استجابة لنداء "جماعة من الأخوان"، طلبوا منه أن يؤرخ لهم "مُلك السودان"، ويذكر مناقب أوليائه الأعيان. واستجابة لذلك النداء شرع الشيخ ود ضيف الله في جمع رواياته من الأخبار المشهورة والمتواترة على ألسنة الناس، وحجته في ذلك أن "الخبر المتواتر عن الأصوليين من الأقسام اليقينية التي تفيد العلم بالشيء، وتنفي عنه الشك، والظن، والوهم."  واقتدى في منهجه التوثيقي بجماعة من المحدثين والفقهاء والمؤرخين، وذكر منهم: الإمام عبد الغافر الفارسي صاحب تاريخ نيسابور، والإمام جلال الدين السيوطي مؤلف حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، والحافظ ابن حجر مصنف الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، والشيخ أحمد المقري مؤلف نفح الطيب في أخبار ابن الخطيب ، ويبدو أنه استأنس أيضاً بكتاب الطبقات الكبرى لعبد الوهاب الشعراني وطبقات الشافعية للإمام السُبْكي.   

لا جدال أن الروايات التي نقلها إلينا ود ضيف الله كانت مشهورة ومتداولة بين الناس؛ إلا أن المنهج الذي سلكه في تدوينها لا يفيد التواتر ولا اليقين؛ "لأن الخبر المتواتر الذي يفيد اليقين وينفي الشك والظن هو الذي يرويه الثقة العدل الضابط عن مثله" ، ومما لا شك فيه أن أغلب الرواة الذين نقل عنهم ود ضيف الله لا تتوفر فيهم الشروط التي وضعها علماء الجرح والتعديل، "فكون ود ضيف الله يسند إلى والده، أو خاله موسى ود ريَّه، أو دفع الله بن الشيخ زين العابدين، وغيرهم، لا يفيد التواتر"  المتعارف عليه عن المحدثين، ولا يثبت يقيناً ولا ينفي شكاً؛ لأنه معظم روايات هؤلاء تصنف في خانة شهادات السماع المشهورة التي تحتمل الصدق كما تحتمل الكذب.

ويبدو أن ابن ضيف الله قد سلك في هذا الشأن مسلك المؤرخين القدامى، فمحمد بن جرير الطبري، مثلاً، عندما دون تاريخه المشهور، جمع في رواياته الغث والسمين، دون أن يعرض تلك الروايات إلى معايير الجرح والتعديل، وحجته في ذلك أنها أخبار مشهورة ومتواترة، درج الناس على تداولها. فالطبري دونها حفاظاً على أمانة التدوين؛ إلا أنه لم يتدخل في تقويم متونها، أو أسانيدها، بل علق الأمر في ذمة المؤرخين الذين يأتون من بعده، ليحللوا تلك الأحداث والروايات التاريخية في ظل الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أحاط بها، وأثرت في تكوينها وتخلقها.

ويعلق البروفيسور يوسف على هذا المنحى في التدوين بقوله: "إن كتاب طبقات ود ضيف الله ... لهو مرآة صادقة لحياة السودانيين الدينية والروحية والثقافية والاجتماعية، وسجل صادق لمعتقداتهم الدينية في ذلك العصر أياً كان رأينا فيها. وقد سجل المؤلف ما تواتر من تلك الأخبار واشتهر دون أن يتعرض لها بالنقد والتعليق، بل وقف من كل ذلك موقف الراوي الأمين. ولا شك أن المؤلف في أخباره عن الشعوذة والخرافة التي كانت رائجة في زمانه، وفي حديثه عن الكرامات وخوارق العادات التي أسبغها الأتباع على مشائخهم حتى ظنوهم قادرين على إبراء المرضى، وإحياء الموتى، والإخبار عن الغيب، قد أرخ لكثير مما لا يرضاه العقل ولا يقبله الدين، لكنه ترك لنا معلومات ثرة عن معتقدات السودانيين، والتي تمثل الجذور التاريخية لكثير مما هو سائد في سودان اليوم".

 

 

لماذا نحاكم الطبقات بمعايير الحاضر؟

تنطلق انتقادات النقاد لمتون ود ضيف الله من فرضية مركبة، مفادها إن كتاب الطبقات لم يعط صورة إيجابية عن واقع التصوف في السودان، وإن المؤلف لم يحدد موقفاً داحضاً للروايات الخرافية التي تقدح في صدقية طريق القوم، وإن المحقق بنشره الكتاب قد أسهم في الترويج لتلك الترهات القادحة في أهلية بعض رجال الطرق الصوفية. وفي ضوء هذه الفرضية جاءت انتقاداتهم مرتبطة بالشكل والمضمون. فمن حيث الشكل يستأنس الأستاذ يحيى العوض بقول الشيخ حماد زين العابدين، أحد مشايخ السادة العقوباب، والذي ينفي نسبة الطبقات إلى الشيخ ود ضيف الله، وانسحاباً على ذلك يقول: "إن الشيخ ود ضيف الله ليس مسؤولاً عن الكتاب الذي حمل اسمه؛ لأنه لم يترك نسخة مطبوعة، أو موقعة باسمه" ، ويشاركه في هذا الزعم الأستاذ الشاعر أحمد الخليل، أحد أحفاد الشيخ ود ضيف الله. إلا أن الأستاذ حمور زيادة يرفض هذا الزعم، ويعده زعماً فطيراً؛ علماً بأن كتب الأوائل المطبوعة والمتداولة بين أيدينا الآن لم توجد في نصوص مطبوعة، أو ممهورة بتوقيعات مؤلفيها، و"حتى لو جدنا نسخة موقعة باسم ود ضيف الله، مَنْ الذي يجزم لنا أن ذاك خطه وإمضاءه؟" ، ومن ثم يرى الأستاذ حمور زيادة أن الزعم النافي لنسبة الطبقات إلى ود ضيف الله فيه شططٌ وتكلفٌ، ولا يخدم قضية المعارضين لبعض النصوص الواردة في ثنايا الطبقات.

لعلنا نتفق مع موقف الأستاذ حمور زيادة، علماً بأن الشيخين الجليلين الفكي محمد نور محمد بن محمد نور ود ضيف الله والسيد نور الدين أحمد بن محمد الحسن بن نور الدين ضيف الله قد أقرَّا ضمناً بنسبة كتاب الطبقات إلى جدهم ود ضيف الله، وأوضحا إلى البروفيسور يوسف فضل أن النسخة الأصلية من الطبقات قد ضاعت في المهدية، والنسخة الموجودة في حوزة الأسرة منقولة من نسخة البَرِّياب،  التي جعلها البروفيسور يوسف النسخة العُمدة في تحقيقه لكتاب الطبقات. فضلاً عن ذلك فإن كاتب الشونة، أحمد بن الحاج أبو علي (ت. 1838م)، عندما أرَّخ لوفاة ود ضيف الله، وصفه بأنه "صاحب تآليف جليلة، منها كتاب الصالحين الذي ما سبقه عليه في بلاده أحد من المتقدمين والمتأخرين، وشرح ابن عطاء الله، وله أيضاً نبذة في السيرة. ولم يصلنا من مؤلفاته هذه إلا كتاب الطبقات."  فلا جدال أن شهادة كاتب الشونة تعدل شهادات المعاصرين المتأثرة بانتماءاتهم الأسرية وتطلعاتهم المشروعة بوجود تصوف نقي من شوائب الشعوذة في السودان؛ لأن صاحبها عاصر ود ضيف الله، ونقل طرفاً في كتاب الطبقات في مصنفه الموسوم بـ: تاريخ ملوك الفونج. إذاً الادعاء بنسبة متون الطبقات إلى المحقق، ادعاء لا يستقيم مع واقع الحال، وكذلك قول الأستاذ يحيى العوض، نقلاً عن الشيخ حماد زين العابدين، بأن البروفيسور يوسف فضل قد ذكر في تحقيقه لكتاب الطبقات أن "الشيخ محمد بن عبد الصادق الهميم، الجد الأكبر للصادقاب، تزوج في وقت واحد من بنتين من بنات الشيخ بان النقا الضرير، جد اليعقوباب، وكذلك تزوج بنتي الشيخ أبو ندودة في رفاعة" ، قول مجافٍ للصواب؛ لأن المحقق لم يذكر هذه القصة الغريبة من نسج خياله، بل وجدها متواترة في متون المخطوطات التي أسسها عليها تحقيقه، ولم يعلق عليها من قريب أو بعيد، بل التزم بالحيدة والموضوعية في عرضها دون أن يكون طرفاً من حُجيَّة النص المروي.            

ويتمثل الموقف الثاني للنقاد في محاكمة متون طبقات ود ضيف الله في ضوء الكتاب والسنة وأصول التصوف الحقة؛ لأن كتاب الطبقات يحفل بالعديد "من الروايات الكاذبة في حق التصوف في السودان"، والتي نسبها بعض المريدين والأصهار تباهياً وفخراً بشيوخهم؛  إلا أن أصحاب هذا الموقف ينقسمون إلى فريقين. يحاول الفريق الأول أن يحاكم روايات ود ضيف الله في ضوء الكتاب والسنة، ويقسمها إلى روايات طالحة وصالحة، فالطالحة من وجهة نظر هؤلاء تتمثل في الروايات المرتبطة بالتوسل، وعلم الغيب، والكرامات المرفوضة نقلاً وعقلاً، والعادات الخارقة، وزيارة القبور، ونصب القباب على قبور الموت؛ والصالحة يرمزون إليها بموقف الشيخ محمود العركي، الذي أمر الناس بالعِدَّة، لأن أهل السودان، حسب زعم ود ضيف الله، كانوا يزوجون المطلقة في اليوم الأول أو الثاني في تاريخ طلاقها، أي أنهم لا يلتزمون بفترة العدة، وتطهير الأرحام. وبعض المسائل التي أثارها أصحاب هذا الفريق نجدها لا تزال محل خلاف عند أنصار الفريق الثاني، ونذكر منها على سبيل المثال قضية حكم البناء على القبور والتعلق بها، إذ يعدها الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد من "أقوى أسباب الشرك"، ويوصى بعدم جواز دفن الموتى في المساجد، ويدعو ولاة الأمر بأن "يهدموا القباب والأبنية القائمة على القبور، وأن يمنعوا تشيد الجديد منها، لا أن يشجعوا ذلك ويفتتحوه، فإن في ذلك محادة لله ولرسوله، وعليهم كذلك أن يأمروا بنبش القبور التي بالمساجد، وأن ينقلوها إلى مقابر المسلمين."  ولا عجب أن هذا موقف يناقض الموقف الذي يدعو إليه الأستاذ يحيى العوض والشيخ حماد زين العابدين، لأنهما يريدان أن يجملا صورة التصوف في السودان بعيداً على الترهات التي ذكرها رواة  التراث والمريدون عن مشايخهم.

إذاً الإشكالية الجوهرية تكمن في حكمنا على متون الطبقات، لا مقدمة المحقق وحواشيه الحاذقة الصنعة. هل هي متون دينية، يجب أن تهذب وتشذب وفق ثواب الشرع وأصول التصوف؟ أم هي متون "في التأريخ الاجتماعي والنفسي للشخصية السودانية الأوسطية (نسبة إلى السودان الأوسط)"؟ ومن ثم يمكن أن يستفاد منها في "معرفة ما يشكِّل مخيلة العامة، ويملي تصرفاتهم، وانفعالاتهم، ويحدد توقعاتهم. فليس مهماً أن نقرر ما إذا كانت الحوادث المذكورة في الكتاب قد وقعت، أو لم تقع، المهم هو أن جانباً كبيراً من المجتمع آمن بأنها وقعت، وأجرى حساباته، وشكِّل تصرفاته بناءً عليها، وبذلك تكوَّن لديه عقل وضمير جمعيان، يمليان انفعالات أفراده، سواء الصادرة منها من منطقة الوعي، أو من منطقة ما دون الوعي في تفكيره، وهو يكاد أن يكون مسيراً بهما."  ويؤكد هذه النتيجة التي وصلها إليها الدكتور غازي صلاح أعلاه الدراسة الميدانية الجيدة التي أعدَّها الدكتور شرف الدين الأمين عبد السلام لنيل درجة الدكتوراه بجامعة إنديانا عام 1983م، ونقلها إلى العربية الدكتوران يوسف حسن مدني ومحمد المهدي بشرى، تحت عنوان: كرامات الأولياء: دراسة في سياقها الاجتماعي والثقافي، ثم نشرها معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية عام 2007م. وتمثل الدراسة في مجملها امتداداً واقعياً للكرامات التي حفلت بها طبقات ود ضيف الله، وتوطِّن لها في سياقها الاجتماعي والثقافي، ثم تحلل إفرازاتها الوظيفية القائمة على استشفاء المرضي، والمكاشفات المرتبطة بمعرفة الأشياء الخفية والتنبوء بالمستقبل، ومسخ الأنفس وتحويلها إلى أشياء أخرى، والقدرة على الطيران في الهواء والمشي على سطح الماء، والسيطرة على الكائنات الحية، وإحياء الموتى. وبهذه الكيفية يعرض الدكتور شرف الدين الأدوار الوظيفية القائمة على مفردات العلاقة الجدلية بين الولي الصالح، والراوي، وجمهور المريدين والمصدقين لكرامات الأولياء في سياقاتها الاجتماعية والثقافية المتشابهة. وعلى النسق ذاته تأتي دراسة الدكتور عبد السلام سيدأحمد، الموسومة بـ الفقهاء والسلطة في السودان: قراءة في تاريخ الإسلام والسياسية في السودان، 1500-1821م، والتي تحاول أن تصطحب واقع المجتمع السناري في تحليلها للعلاقة السياسية بين السلطة والفقهاء في سنار، وتبين أهمية ذلك التراث السناري في فهم بواعث الحركة المهدية، وتكوين الطائفية-الدينية- السياسية لاحقاً.   

 

خاتمة

في ضوء هذا العرض يمكننا القول أن كتاب الطبقات هو كتاب تراثيٌ وفولكلوريٌ، يؤرخ لطرف من واقع الحياة السودانية في العهد السناري، ويحمل بين ثناياه ثلة من تراجم الأولياء، والصالحين، والعلماء، والشعراء في السودان. استقى مؤلفه، الشيخ محمد النور بن ضيف الله، رواياته من صدور حُفَّاظ ذلك التراث والمريدين له، وجمعها دون يفرض عليها المقاييس الشرعية. ولذلك جاءت بعض المتون المروية مخالفة للنقل والعقل؛ إلا أنها في الوقت نفسه تمثل نتاجاً طبيعياً للعقل السناري الذي كان مفعماً بكرامات الأولياء، وناقلاً لأحداثها التي تشكلت على صعيد الواقع، أو تلك التي نسجها الرواة من بنات أخيلتهم الشابة عن طوق المعقول والمنقول. إذاً الدعوة إلى محاكمة متون الطبقات في ضوء الكتاب والسنة وأصول التصوف دعوة فيها تنطع، وعدم موضوعية؛ لأن التاريخ لا يحاكم بمعايير الحاضر التي ترنو إلى إفراغ النص التاريخي من محتواه الاجتماعي والثقافي، ثم إعادة صياغته في قوالب نظرية تتفق مع تطلعات أصحابها الفكرية والأيديولوجية، وأحياناً العاطفية. وانسحاباً على ذلك لا يجوز اتهام المؤلف بالتقصير؛ لأنه لم يحاكم النصوص الواردة بين دفتي طبقاته وفق ضوابط الجرح والتعديل المتعارف عليها، ولا يستقيم عدلاً إلقاء اللائمة على المحقق في نصوص لم يكن راوياً لها، أو جامعاً لمفرداتها، بل يستحسن أن يُثمّن عمله الرائد في ضوء المعايير المرعية في علم التحقيق.

Ahmed Abushouk [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]