سألني أحد الأصدقاء الأعزاء مستفسراً: هل كتبت رثاءً عن المرحوم محمد المدني المكي؟ فكانت إجابتي بالنفي؛ محتجاً بأن ليست لدي المعلومات الكافية؛ لأكتب رثاءً يليق بمقام الرجل وقدره الرفيع عند أصحابه وأصدقائه ومعارفه؛ ولذلك آثرت أن ابتعد عن الكتابة العاطفية. لكن الشيء الذي أعرفه عن الراحل تماماً أنه كان رجلاً عصامياً. والعصامي، يا صديقي، هو الشخص الذي يصل إلى قمة المجد الذي ينشده بجهده وطاقته وقدراته الخاصة، فضلاً عن استغلاله الفطن للفرص المتاحة بكفاءة ومهنية. وأغلب الشخصيات العصامية لم ترث الثروة والسلطة من أسلافها، وإنما كوّنتها بجهدٍ جبارٍ، ثم ورَّثتها للخلف. وبمعنى آخر أن الوراثة لم يكن لها دور كبير في تكوين الشخصية العصامية، التي لم تعتمد على التعليم النظامي والشهادات الجامعية، وإنما اكتسبت سبل عيشها بكدها وجهدها الدؤوبين. هكذا كان الفقيد محمد المدني المكي عصامياً؛ ويصدق فيه وصف الأستاذ الفاضل عباس: "تدرج في مسارب الرزق الحلال والتجارة الأصيلة الدغرية، منذ أن وفد إلينا بسنار في منتصف الخمسينيات، تاجر اسبيرات في أول السلم، وسكن في حينا تكتوك، وأحسن الجيرة والعشرة؛ ليس فقط مع أهله القنتَّاب، بل مع كل من جاوره بالحي وبالسوق. وسرعان ما تطور الحاج محمد في عالم قطع الغيار حتى أنشأ شركة للاستيراد مقرها في الخرطوم، وشيد أول مصنع سوداني لتجميع قماشات الفرامل، ثم رحل إلى الخرطوم في منتصف السبعينيات، واستقر باللاماب بحر أبيض ثم بحي الرياض."

والتجارة الأصيلة الدغرية والعصامية التي احترفها الراحل محمد المدني، كانت تمثل رأسمال العديد من التجار الوطنيين من أمثاله الذين نشأوا في كنف هذه الصِنعة بعزيمة غايتها الكسب الحلال، أمثال الشيخ مصطفى الأمين على المستوى القومي، والحاج حسن صالح (الخرطوم)، وإبراهيم محمد هاشم (ود مدني)، ويوسف حسن بابكر (الحصاحيصا)، وخضر السيد (السجانة)، والنور محمد النور (الخرطوم المنطقة الصناعية) من أبناء قنتي. ولذلك نلحظ أن سيرة الفقيد تشكل نموذجاً من نماذج سير هؤلاء الأعلام؛ لأنه بدأ رحلة عمره التجارية ببعض شيء، أو ربما لا شيء، وانتهت بالشيء الكثير، حيث حقق إنجازات حياته بالعزم المعضد بالاعتماد على النفس، متخطياً سنوات الشدة والضيق بالمبادرة والخيال حتى كتب لنفسه اسماً لامعاً في المنطقة الصناعية الخرطوم "شركة المدني إخوان المحدودة". ولا عجب في أنَّ جهد المرحوم المدني وأولئك النفر العصاميين قد أضحى مثار فخر واعزاز للأجيال اللاحقة لهم، بعيداً عن الحاضر الآسن، والمحاط بأدران الكسب الطفيلي الذي نشأ كالنبت الشيطاني في بلادي، وأفسد كل باحات الكسب الحلال.

وإلى جانب أعماله التجارية الأصيلة الدغرية، قد عرفنا الراحل محمد المدني المكي عندما كنا طلاباً في جامعة الخرطوم، حيث درجنا على زيارته بالحين والآخر في البيت أو مكان العمل، طلباً للدعم المالي لرابطة أبناء الدبة بجامعة الخرطوم، أو رابطة أبناء قنتي بالجامعات والمعاهد العليا في ثمانينيات القرن الماضي. وإننا نشهد على ذلك بأن الرجل كان يعطي بسخاء، ويهتم بتفاصيل البرامج التي كنا نعدها لجلب الدعم المالي، ويناقشنا في تفاصيل الميزانية المعدة لتقديم الأنشطة الثقافية والخدمية لأهلنا الطيبين نواحي السافل. وكان يشرفنا كثيراً بحضوره الأنيق في الاحتفالات التي تُعقد في دار اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، وكنا نسعد أن يكون ضيف شرف بيننا. كان الراحل يثمن بشدة انخرط ابنه حافظ في مثل هذه الأنشطة الطلابية ذات النزعة الريفية؛ لأنه كان يعتقد أن العمل الطلابي هو إحدى الوسائل التي يمكن تُسهم في ربط أبناء الحواضر بجذورهم في الأرياف؛ لأنه كان يشعر بأن للأوطان في دم كل حرٍ يدٌ سلفت ودينٌ مستحق. ويتجلى هذا الشعور النبيل والاستحقاق في دعمه السخي إلى معظم المشروعات الخدمية والثقافية العامة التي كانت تهم أبناء قنتي في العاصمة القومية وفي مسقط الرأس ومقطع السرة (قنتي).

ولذلك نقول بقلب حزين وعين دامعة إنَّ قنتي قد فقدت علماً من أعلامها الأوفياء الذين يشار إليهم بالبنان في باحات العمل التجاري الحر، وفي الانفاق السخي في دعم مؤسسات العون الذاتي والأنشطة الثقافية. نسأل الله أن يرحم الفقيد محمد المدني المكي رحمه واسعة، بقدر ما قدم لأهله وعشيرته، ويسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقاً، ويجعل البركة في ذريته، والذين يحملون شعلة العطاء من بعده. و"إنا لله وإنا إليه راجعون".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////