لفت انتباهي مثل آخرين كُثر البيان الذي أصدرته اللجنة التمهيدية لإعادة نظارة عموم قبيلة الشايقية، والذي أفاد باختيار السيِّد عثمان سيدأحمد بشير أغا ناظر عموم لقبيلة الشايقية، والدكتور محمد عبد الحميد سيد أحمد، نائباً له، وذلك في حفل، أمَّه جمهرة من أبناء الشايقية وبعض المنتمين إليهم نسباً أو طناً. لكن الشيء المهم في هذا المقام ليس إعادة نظارة الشايقية، أو اختيار السيِّد عثمان سيدأحمد بشير أغا، بل هو التناقض السياسي الذي يعكس ضحالة "العقل الاستراتيجي الحاكم في السودان"، صاحب المبادرات السياسية والقرارات الإدارية التي لا تستند في معظم الأحيان إلى مسوغات موضوعية، ولا تهدف إلى تحقيق نتائج إيجابية؛ والدليل على ذلك أن صانعيها لا يكترثون إلى تبديد المال العام في وطن يعاني من الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي لا تحصى ولا تعد، ولا يهتمون بإهدار الوقت الثمين في طرح بعض القضايا الانصرافية التي لا تمت لمشكلات الواقع الحقيقية بأدنى صلة، ولا يُحاسب أولئك المبددون للمال العام، والمهدرون لأوقاتهم وأوقات الآخرين، بل يكافأ بعضهم بأوسمة العطاء والانجاز.


ماذا يعني إحياء نظارة عموم قبيلة الشايقية؟
ماذا يعني إعلان إحياء نظارة عموم قبيلة الشايقية وغيرها من النظارات الأُخر في ظل واقع يختلف اختلافاً جوهرياً عن الواقع الذي نشأت فيه "نظارات" الإدارة الأهلية في المديريات ذات الثقل القبلي مثل دارفور، وكردفان، وكسلا. ولعل إعلان إعادة نظارة الشايقية يذكرنا بقرار الإلغاء الذي أصدرته حكومة مايو قبل ست عقود من الزمن (1970م)، مستندةً في ذلك إلى مذكرة الشفيع أحمد الشيخ، ممثل العمال في حكومة جبهة الهيئات، والتي وصفت الإدارة الأهلية بأنها لا تمثل رغبات الشعب؛ لأنها خليق استعماري كان الهدف منه إخماد الحركة الوطنية، ومساندة المؤسسات الدستورية الرجعية (المجلس الاستشاري لشمال السُّودان والجمعية التشريعية) التي أسسها المستعمر في أربعينيات القرن الماضي، وبعد الاستقلال ورثته الحكومات الوطنية، ولم تغير شيئاً فيه، ودعمته الحكومة الدكتاتورية العسكرية واستفادت منه لأبعد الحدود. وبهذه المسوغات المثيرة للجدل، هَدَفَ الشفيع والذين شاركوه الرأي إلى تفتيت السُّلطة البيروقراطية القبلية، وإلغاء التحالف القائم بينها والقوى الطائفية؛ لتمهيد الطريق للقوى الحديثة في بث "الوعي الديمقراطي" على الصعيد الجماهيري، وتنشيط عملية الانتقال إلى مرحلة "الاشتراكية الديمقراطية" التي يتولى قيادتها الخريجون، والعمال، والمزارعون؛ لأنهم كانوا يمثلون المد الجماهيري الثوري والسند الشعبي لشعارات ثورة أكتوبر 1964م.
والطريف في الأمر أنَّ جبهة الميثاق الإسلامي قد ساندت مذكرة الشفيع بقوة بالرغم من اختلافها الأيديولوجي مع الحزب الشيوعي السوداني، واليوم يقف بعض رموز تلك الجبهة في الحزب الوريث (المؤتمر الوطني الحاكم) وراء الدعوة لإحياء النظارات القبلية التي يمكن أن تُوظف في خدمة الأجندة السياسية للمؤتمر الوطني. لعمري هذا هو التناقض السياسي بعينه، والذي دفع الدكتور جعفر عبد المطلب إلى وصف الدعوة لإعادة نظارة عموم قبيلة الشايقية "بأنها محاولة من البعض أن يرفعوا عين القبيلة فوق حاجب الوطن"، وينصبوا فخاً من "أفخاخ النظام التي ظل ينصبها المرة تلو الأخرى؛ ليطيل ويمدد من عمر الفشل وتراكم الخيبات." ويؤيد ما ذهب إليه الدكتور جعفر أن حكومة الإنقاذ عندما جاءت إلى سدة الحكم عام 1989م حاولت إعادة هيكلة الإدارة الأهلية (أو النظام الأهلي) في الولايات ذات الثقل القبلي في ثوب ظاهره إسلامي جديد، يتوافق مع تطلعاتها السياسية. فأُطلق مصطلح الإمارات على الإدارات الأهلية (النظارات)، وأضحى النظار يعرفون بالأمراء، الذين سعت الحكومة إلى استغلال نفوذهم السياسي والاجتماعي في دعم قوات الدفاع الشعبي في جنوب السودان، وبعض الولايات المضطربة أمنياً. وبهذه الكيفية انحرفت الإدارة الأهلية عن مسارها المعلوم، وأمست تعيش في غربة وظيفية؛ لأنها لم تستطع إعادة سيرتها الأولى، ولم تفلح في تحقيق الدور المناط بها، ولم تنجح في بلورة دور جديد في إطار المعطيات التي أفرزها نظام الإنقاذ، ولذلك وصفها بعض زعماء القبائل بأنها أضحت كَالمُنْبَتّ؛ لا أرْضًا قَطَع ولا ظَهْراً أبْقَى.

إذاً ما الحكمة من إحياء "نظارة عموم الشايقية" من غير سلطان ولا كتاب منير؟ ربما يعيد هذا السؤال إلى الأذهان تعليق الناظر بابو نمر، ناظر عموم المسيرية، الذي وصف مؤسسات الإدارة الأهلية "بالثعبان البُرُل"، وذلك بعد إحيائها تحت مسمى "الإدارة الذاتية"، وبسلطات إدارية محدودة في إقليم كردفان عام 1983م. وكما يرى الناظر بابو، أنَّ الثعبان البُرُل يخيف الناظر إليه في الوهلة الأولى، ولكن عندما يدرك أنه ثعبان غير سامٍ لا يعيره وزناً ولا اهتماماً. ويعني ذلك أنَّ إحياء مسميات الإدارة الأهلية القديمة هو قرار سياسي أجوف؛ لأن الخارطة الإدارية الخدمية أضحت تتشكل من مجالس الحكم المحلي، ومحاكم رسمية بشقيها المدني والشرعي، ونقاط بوليس ووحدات أمن قومي. إذاً أين الفضاء الإداري والقضائي الذي يمكن أن تتحرك فيه مؤسسات الإدارة الأهلية الوليدة؟ يبدو أنَّ غياب مثل هذا الفضاء قد دفع الأستاذ محمد يوسف التاي إلى وصف الدعوة إلى إحياء نظارات الإدارة الأهلية بأنها "ردة"، يقف خلفها "انتهازيو القبائل وسماسرتها وقططها السمان"؛ لكسب حظوة سياسية عند النظام الحاكم الذي يعيش في حالة تخبط لا يحسد عليها.


هل منطقة الشايقية مؤهلة لقيام نظارة قبلية؟
الإجابة عن هذا السؤال من دون كبير عناء بالنفي، وذلك للأسباب الآتية: أولاً: عندما لجأت الحكومة الاستعمارية إلى إنشاء كيانات قبلية في السودان، عُرفت بنظارات العموم، مثل نظارة عموم دار الكبابيش، ونظارة عموم دار الحمر، ونظارة عموم دار المسيرية، ونظارة عموم الهدندوة، رفضت إنشاء كينونات مماثلة في المديرية الشمالية؛ لأن تركيبتها الإدارية والديمغرافية لا تقوم على أساس قبلي صرف. وعوضاً عن ذلك أنشأت الحكومة المركزية إدارتين أهليتين منفصلتين؛ إحداهما في مروي، والأخرى في دنقلا. وتشكلت إدارة مروي من فرع الشايقية شمال، وفرع الشايقية جنوب، وفرع البديرية. وعينت حكومة السُّودان البكباشي عبد الله إدريس أبو الحسن (1964-1874م) رئيساً للإدارة الأهلية بمنطقة مروي في النصف الأول من عقد الأربعينيات في القرن العشرين. ويقال إنَّ تعيينه واجه معارضة شرسة من العُمدة أحمد سعيد محمد فرح (1891 -1975م)، الذي رفض الخضوع للإدارة الأهلية الجديدة بمركز مروي، وآثر أن يكون مسؤولاً في تصريف أعماله الإدارية والقضائية مباشرةً إلى مفتش مركز مروي، متعللاً بأن البكباشي عبد الله إدريس لم يكن من بيت إدارة أهلية، وليست له خبرة في مجال الإدارة والقضاء ، وكانت سلطات محكمة منطقة مروي الأهلية التي يرأسها البكباشي عبد الله إدريس تصل إلى سنتي سجن في القضايا الجنائية، وخمسين جنيهاً مصرياً للغرامة، وعشر جلدات للأولاد تحت سن ستة عشر عاماً. ولها حق النظر في القضايا المدَنيَّة التي تُقدر قيمة الشيء المتنازع عليه بأقل من خمسين جنيهاً مصرياً، وفي الاستئنافات المرفوعة إليها ضدَّ أحكام المحاكم الأهلية الفرعية الدنيا في المنطقة. وإلى جانب هذه السُّلطات القضائية كان رئيس الإدارة الأهلية يشرف على جميع الأعمال الإدارية التي يؤديها رؤساء الفروع، والعموديات التابعة لفرع الشايقية جنوب، وفرع الشايقية شمال، وفرع البديرية. وبعد الاستقلال رُفع سقف السُّلطات القضائية الخاصّة بالغرامات الجنائية إلى مائتي جنيه سوداني، والمدنيَّة إلى ثلاثمائة جنيه سوداني. إذاً مصطلح نظارة لم يكن من المصطلحات التي كانت مستخدمة في مركز مروي، بل كانت إدارة مركز مروي الأهلية تتكون من رئيس الإدارة، ورؤساء الفرع، والعُمد، ومشايخ القرى والحلال في قاعدة الهرم الإداري.
ثانياً: كان الهدف الأساس من تأسيس تلك الوحدات الإدارية يتبلور في خلق ثلاث مستويات من التقاضي والعمل الإداري داخل مؤسسات الإدارة الأهلية، تعللاً بأن مثل هذا التدرج الوظيفي، يُسهم في سلامة الإجراءات الإدارية، وتحقيق العدالة القضائية.
ثالثاً: بعد إنشاء مجلس ريفي عام 1951م تقلص تدريجياً دور مؤسسات الإدارة الأهلية. وبعد تعديل أمر تأسيس المجلس الريفي في 26 أبريل 1955م، أضحت عضويته تتكون من ثمانية عشر عضواً منتخباً، وسبعة أعضاء بالتعيين. وكانت هذه الخطوة المتقدمة تهدف إلى توسيع دائرة المشاركة الشعبية في إدارة الشأن العام في المنطقة، وترسيخ قيم العمل الديمقراطي. ولذلك وصف الأستاذ محمد خير عوض الله الدعوة إلى إعادة نظارة عموم قبيلة الشايقية بأنها "ردة"؛ لأن فيها استنساخ صوري لواقع قديم تجاوزه الزمن، ولا ينبغي الرجوع إليه دون استحداث رؤية جديدة، يراعى فيها استيعاب الظروف المحلية المتغيرة، واحتياجات المجتمعات المحلية لخدمات مؤسسات المجتمع المدني.


خاتمة
يجب ألا يُنظر إلى الدعوة لإحياء نظارة عموم قبيلة الشايقية خارج السياق السياسي الذي تشكلت فيه؛ بل في ظل واقع سياسي فقد معظم مقومات انتمائه الوطني؛ لأن السلطات الحكومية مالت إلى اختزال الوطن في خدمة مصلحة حزب سياسي، لا يحاسب سدنته بمعايير الأداء الوظيفي القائمة على المهنية والشفافية في خدمة الصالح العام. ولا عجب في أن مثل هذه النزعة القبلية قد ظهرت في فترات مختلفة من تاريخ السودان الوسيط والحديث والمعاصر. أولها، عندما ضعف نفوذ سلطنة الفونج في الأطراف بدأ يعلو صوت الكينونات السياسية المحلية، بعيداً عن هيمنة المركز في سنار، وأضحت القبيلة تمثل الحاضنة السياسية والإدارية المهمة لتنظيم شؤون المنتمين إليها، كما ظهرت في تلك المرحلة عملية الاهتمام بأشجار النسب التي شكلت الديناميات المحلية لضمان ترابط الكينونات القبلية. وثانيها، عندما انتقلت المهدية من مرحلة النضال الثوري إلى مرحلة بناء الدولة، حيث ظهرت الانتماءات القبلية والجهوية التي أضعفت الوحدة الداخلية للدولة المهدية، وذلك نتيجة لسياسة الخليفة عبد الله الإقصائية من طرفٍ، ونظرة أولاد البحر غير الإيجابية تجاه حكم المهدية وبطانتها من طرف ثانٍ. وبموجب ذلك تحولت دولة المهدية إلى دولة قبيلةٍ، تفتقر إلى أساسيات الوحدة الوطنية. وثالث هذه التجارب حدث بصورة جلية في عهد حكومة الإنقاذ التي حاولت أن تستغل التناقضات القبلية لخدمة بعض أهدافها السياسية والعسكرية؛ إلا أن هذه النظرة المرحلية كانت وبالاً على هيبة السلطة السياسية، وفاعلية مؤسساتها الرسمية في تحقيق الأمن والاستقرار للمواطن السوداني. والشاهد في ذلك، أنَّ بعض الشخصيات السياسية التي ظهرت في أماكن الاضطرابات الأمنية، أضحت تؤثر سلباً في صناعة القرار السياسي في المركز والولايات، وتشكل تهديداً للمركز والولايات نفسها. ونذكر منها، على سبيل المثال، قوات الدعم السريع التي يجلس على قمتها رجل مدني برتبة عسكرية رفيعة، أهلَّته ألا يقيم وزناً لمؤسسات الدولة الرسمية؛ لأن تبعيته المباشرة إلى رئاسة الجمهورية قد أفرغت التراتبية الإدارية والعسكرية من محتواها الوظيفي؛ كما خرج عن سلطة المركز أيضاً أولئك الذين يسيطرون على موارد الدخل القومي من الذهب في منطقة جبل عامر.
إذاً الدعوة إلى إحياء نظارة عموم قبيلة الشايقية ليست نشازاً من الواقع السياسي المعيش الذي يسود في السودان؛ لكن الشيء المهم أن منطقة مروي الكبرى قد تجاوزت قيود الانتماءات القبلية، بدليل أنها أضحت تشكل نموذجاً فريداً للتمازج الثقافي والاجتماعي في السودان؛ ونلحظ لذلك الواقع في عملية الانتقال الديني من عبادة الإله آمون رع (إله الشمس) إلى المسيحية ثم الإسلام؛ وفي تمازج أهل المنطقة تمازجاً عابراً للاثنيات العرقية. ويبلغ هذا التمازج والتواصل الحضاري ذروته عندما نرى أنَّ أهل هذه المنطقة يطربون لسماع مدائح حاج الماحي وود سعيد؛ ويترنمون مع أنغام النعام آدم، وصديق أحمد، وميرغني النجار، ومحمد النصري؛ ويس عبد العظيم ، وجعفر السقيد ، وعيسى بروي ، وعبد الرحيم أرقي؛ ويعشقون أشعار إسماعيل حسن، وفاطنة بت خير، وخضر محمود، وحسن الدابي، والسر عثمان الطيب، وعبد الله محمد خير، وإبراهيم ابنعوف، ومحمد الحسن سالم (حميد)، ومحمد علي الحبيب، وخالد شقوري، وعلاء الدين أبسير؛ ويجدون أنفسهم في روايات الطيب صالح، "عرس الزين"، و"موسم الهجرة إلى الشمال"، و"ضو البيت"، و"مريود"، دون أن يشعروا بسطوة أي انتماء قبلي.
لذلك كان من الأجدى أن يكوِّن أبناء منطقة مروي مؤسسة مدنيَّة برؤية جديدة، تخدم قضايا المنطقة ومشكلاتها، بدلاً من إحياء نظارة عموم قبيلة الشايقية؛ لأن الإعلان في حد ذاته يعكس ضمور العقل السياسي في السودان، الذي لا ينشد الاستدامة والاستمرارية، بل ينفعل بسياسة اللحظة الآنيَّة، دون اهتمام بالمشروعات الاستراتيجية التي تحتاج إلى دراسات وخطط تنفيذية رصينة، وإلى خبرات بشرية ذات كفاية مهنية، بعيداً عن إرشادات أو انفعالات أهل الولاء التي تستند إلى رمال النفاق السياسي المتحركة دوماً وفق مصالح القائمين على أمرها. ماذا يعني إحياء نظارة أهلية بدون سلطات إدارية أو قضائية؟ هل المقصود من فكرة الإحياء توظيف النظارة المستنسخة من أرشيف الماضي لخدمة أجندة سياسية آنية تصب في مصلحة النظام الحاكم؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، لماذا ينادي الذين حاربوا الإدارة الأهلية في ستينيات القرن العشرين بضرورة إحيائها بمسميات جوفاء في الألفية الثالثة، بعد أن مضت ست عقود على تاريخ إلغائها، ومرت مياه كثيرة تحت الجسر، غيرت تضاريس الواقع التي كانت تنطلق منها مؤسسات الإدارة الأهلية؟ القضية أكثر من إحياء نظارة أهلية في منطقة مروي، القضية تحتاج إلى وقفة صفاء وتدبر في تناقضات العقل السياسي في السودان، وكيفية إصلاحه!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.