شغلت ثلاثيَّة "الهجرة، والاغتراب، والهُويَّة" حيزاً واسعاً في أدبيات المثقفين العرب في بلاد المهجر؛ لأن الهجرة تعني العيش في بلادٍ أُخرى، تختلف عاداتها وتقاليدها وأعرافها عن المألوف لديهم، لكن واقع الحال في بلادهم أجبرهم على هجرها إلى أوطانٍ جاذبةٍ، وطَّنوا أنفسهم فيها وفق معطيات واقعهم الجديد، وفي عقولهم الباطنة خوف من سلبيات الاغتراب وذوبان الذات (الهُويَّة). وتجاوزاً لبروق الحنين التي لا تخفي خلفها سحائب عودة ماطرة، أسس بعض الرواد منهم مؤسسات مدنيَّة؛ لتخفف معاناة الهجرة والاغتراب، وتصون طرفاً من هُويَّات المنشأ. ونذكر في هذا المضمار "منتدى بغداد للثقافة والفنون" في العاصمة الألمانيَّة برلين، والذي بلور رؤيته في خدمة الثقافة والفنون؛ ورسالته في مكافأة المبدعين العرب وغيرهم من الذين أثروا السُوح الفكريَّة والفنيَّة والأدبيَّة بضروبها المتنوعة، أو قدموا الرعاية الأدبيَّة للثقافة والإبداع والفن في ألمانيا وخارجها. واتساقاً مع هذه الرسالة الأدبية السامية، طرح منتدى بغداد للثقافة والفنون في هذا العام (2017م) فكرة تكريم ثلاثة مبدعين في كل فصل سنوي، وجاء اسم الدكتور حامد فضل الله؛ السُّوداني أصلاً، والألماني موطناً، في قائمة الثلاثة الأُول المحتفى بهم في شتاء عام 2018م.

لماذا يُرشح حامدٌ لشهادة منتدى بغداد؟
لفهم المسوغات التي استندت إليها عملية الترشيح يجب أن نعقد مقاربة بين مفهوم الإبداع وممارسة الدكتور حامد فضل الله لأنشطته الإبداعية. يتمثل الإبداع في تفاعل مجموعة من العوامل العقليّة، والشخصيّة، والبيئيّة، والاجتماعيّة، التي تسهم في انتاج عطاء نظري أو عملي مبتكر في أحد جوانب الحياة، وتستند عملية الإبداع نفسها إما إلى اكتشاف معطيات جديدة مرتبطة بالمشكلة موضوع البحث، أو مناهج جديدة لإعادة قراءة أو تفسير المعطيات القديمة لتقديم فهم أو حل أفضل للمشكلة، وينتج عن هذه العمليَّة الإجرائيَّة عطاء مبتكر، يمكن أن يُصنف في دائرة العمل الإبداعي. والمبدع نفسه يجب أن يمتلك سعة في الاطلاع والمعرفة، وقدرة على استيعاب المشكلات الآنيَّة، ومعرفة بتعدد طرائق حلها، وجرأة في طرح الحلول المبتكرة، التي تميز عطاءه عن عطاء الآخرين، وتضعه في دائر الإبداع. وإذا نظر بإمعانٍ في شهادات الذين كتبوا عن عطاء الدكتور حامد الفكري والاجتماعي، نلحظ أنهم قد أشاروا بطريقة أو أخرى إلى بعض الممارسات الإبداعيَّة التي ارتبطت بإسهامات المحتفى به. وهنا تحضرني شهادة صديقه الأستاذ الدكتور كاظم حبيب، الذي قرظ حامداً بعد قراءة كتابه الموسوم بـ "أحاديث برلينيَّة"، قائلاً: "وجدت نفسي أمام إنسان مثقف كبير، واسع الأفق والاطلاع، كثيف القراءة، وكثير التنوع في قراءاته ابتداء من الشعر، والنثر، والقصة والرواية، والاقتصاد، والتاريخ، وعلم النفس، والفلسفة، والطب، الذي هو اختصاصه المباشر. كما إنه متعدد الكفاءات، وعميق في رؤيته وتحليلاته للأحداث والوقائع. يمتلك أسلوباً رشيقاً في الكتابة، وسلساً في التعبير عما يدور في باله. عرفته منذ ما يقرب من ربع قرن في نشاطات الشأن العام، والتزام بالدفاع عن حقوق الإنسان، والمجتمع المدني ببرلين..." وفي إطار تثمينه لأحاديث برلينيَّة يمضي الأستاذ حبيب، ويقول: "إنَّ ما تضمنه هذا الكتاب يُجسِّد شخصيَّة الكاتب بتنوعه الثقافي، وسلوكه الإنساني، وحبه للمعرفة، وخبرته الطويلة، والتجارب الغزيرة التي مر بها، ورغبته الصادقة في عمل الخير، وحيويته الفائقة في المتابعة الفكريَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة على مستوى السُّودان والعالم العربي وألمانيا، وحبه للترجمة لإغناء المكتبة العربيَّة." وقد لخص السفير خالد موسى دفع الله هذه الشهادة الشاملة في كلمتين، عندما وصف المشهود له بأنه "مثقف استثنائي." ولعمري، أنَّ صفة الاستثنائيَّة الحاضنة لشهادة الأستاذ الدكتور كاظم حبيب تكفي لتأهيل ابن فضل الله للحصول على "شهادة مُبدعين بيننا" في منتدى بغداد للثقافة والفنون.

فضاءات الكلمة المكتوبة
لا يمكن أن نحصر إسهامات الدكتور حامد فضل الله الفكريَّة والأدبيَّة والاجتماعيَّة في صفحات معدودات، لكن هذا لا يمنعنا من إلقاء الضوء على جانبين مهمين من عطائه الفكري-الاجتماعي في إطار وجوده الدائم في ألمانيا، وتصالحه الفكري والذاتي مع واقعه المعيش، الذي جعل إسهاماته المعرفيَّة اسهامات متفردةً.

إشكاليَّة الاندماج في المجتمع الألماني
تشكل العلاقة التكامليَّة بين حامد الشخص ونصوصه الأدبيَّة المنشورة معالجة جريئة لإشكاليَّة الاندماج في المجتمع الألماني؛ لأنها ترفض احتراز هويات المنشأ الرهابي، وتميل إلى الاندماج، محتجةً بأنه الطريق الوحيد للعيش والعمل المشترك، والتفاهم، والتفاعل، والتلاقح، أو التأثير المتبادل بين الثقافة الوافدة وثقافة أهل الأرض، دون أن يؤثر ذلك سلباً على طرفي المعادلة. وتحقيقاً لهذه الغاية يقدم ابن فضل الله جملة من الآليات المساعدة، التي يأتي في مقدمتها اتقان اللغة الألمانيَّة كتابة ومخاطبة، والتسلح بالعلم المهني والإنساني النافع، واحترام الثقافة الألمانيَّة بمفهومها العام القائم على العادات والتقاليد والأعراف والمعتقدات، وبناء العلاقات الشخصيَّة مع الألمان، ثم التفاعل الإيجابي مع مؤسسات المجتمع المدني بأنماطها المتعددة. وهنا يكمن أسَّ الربط بين حوليات ابن فضل الله وتجربته الشخصيَّة التي تقدم نموذجاً حيَّاً لقضية الاندماج في المجتمع الألماني مع الحفاظ على الهُويَّة القوميَّة والدينيَّة في آن واحد. وبناءً على هذا المبدأ يتحرك ابن فضل الله في ثلاثة فضاءات متداخلة، تشمل الفضاء السُّوداني، والفضاء العربي-الإسلامي، والفضاء الألماني، حيث حقق نجاحات منقطعة النظير، ولدرجة دفعت صديقه الدكتور كاظم حبيب أن يصفه باستقلاليَّة عالية في التفكير، وكفاية في اتخاذ المواقف والقرارات المناسبة، واستخدام فطن للوسائل المتاحة ومعطيات اللحظة في حل المشكلات الآنيَّة التي تواجهه في إطار محيطه الوافد.

ثنائيَّة حريَّة الفكر والديمقراطيَّة
تزخر أدبيات الدكتور حامد بالحديث عن الحرية الفكريَّة والديمقراطيَّة؛ باعتبارهما متلازمتين؛ لأن حرية الفكر في عُرْفِه لا تنمو إلا في مناخ ديمقراطي، وأن الإبداع لا ينشأ في كنف أنظمة الحكم التسلطيَّة، ولذلك نجده ينتقد بعض المثقفين الذين يدافعون عن الأنظمة الشموليَّة في أوطانهم العربيَّة أو الإسلاميَّة، ويشكك في صدقيَّة عطائهم الفكري المرتبطة بجوانب المنظومة السياسيَّة التي يعملون لحسابها. لكن هذا الموقف لم يمنعه التواصل والتحاور مع مثل هؤلاء المثقفين "غير العضويين" كما يرى أنطوني غرامشي، بل أنَّ كتاباته تؤكد رسوخ مهاراته الحواريَّة في مجادلتهم، بغية التوصل إلى حلول إيجابية للقضايا المختلف فيها. وهذه واحدة من الخصائص الشخصيَّة التي مكَّنت ابن فضل الله من التحرك في فضاءات واسعة ومتناقضة أحياناً، دون أن يؤثر ذلك في منطلقاته الفكرية، بل يُسهم في تحفيزه لتجاوز دوائر تفكير النسق المغلقة؛ لينظر في الحلول الممكنة من مناظير متعددة، مازت طروحاته الفكريَّة والاجتماعيَّة عن طروحات غيره.

أحمد إبراهيم أبوشوك،
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر
العميد للمساعد للشؤون الأكاديمية،
كلية الآداب والعلوم، جامعة قطر
الدوحة، 1 يناير 2018م.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.