الحلقة الثانية

تمهيد 

أوضحنا في الحلقة الأولى من هذا المقال أنَّ مفهوم الثورة له العديد من التعريفات في قواميس السياسة، وكل تعريف منها يستند إلى منطلقات فكرية (أيديولوجية)، تميزه عن الآخر؛ لكن جميعها تعني الإطاحة المفاجئة بالنظام السياسي للحكم في أي دولة ما، وذلك بعد ثورة قطاعٍ واسعٍ من المواطنين ضد السُّلطات الحاكمة، بهدف التغيير السياسي، أو الاقتصادي، أو الاجتماعي، الذي يهدف إلى إحداث قطيعة مع الوضع السياسي الظالم. لكن الظلم وحده ليس شرطاً حتمياً لقيام الثورة، بل المحفِّز الرئيس هو الوعي بالظلم، الذي يشعل جذوة الثورة تجاه البحث عن طروحات تنشد التحرر منه. وينتج عن ذلك صدام مباشر بين الثوريين وسدنة النظام الحاكم. وبعد مرحلة القضاء على الحاكمين والسدنة، يأخذ الصراع منحىً آخر بين الذين ينشدون التغيير الجذري في أنماط التفكير والعمل والسلوك، وأولئك المحافظين الذين يعارضون التغيير والتحديث، اللذين يؤثران في مصالحهم السياسيَّة والقطاعية. وافترضنا أنَّ استجابة دعاة التغيير والتحديث إذا كانت أكثر متانةً من حجم التحدي الذي يواجههم فإنَّ التغيير يكون حتمياً، وإذا كان التحدي أكثر صلابة منهم فإن مصير شعارات التغيير والتحديث يكون الانتكاس والفشل. ناقشنا في الحلقة الأولى إلى أي مدى أسهم الوعي السياسي، بأفقه الأدنى الذي كان يتمثل في مشكلة الجنوب وأفقه الأقصى الذي كان يتبلور في الدعوة إلى إعادة النظام البرلماني للحكم، في اتساع قاعدة الجماهير المناهضة لنظام الفريق إبراهيم عبود؟ ثم عرضنا المشاهد الرئيسة لثورة 21 أكتوبر 1964م، والمواقف السياسيَّة الملهمة التي أفلحت في نجاحها المرحلي؟ ونركز في هذه الحلقة الثانية على مناقشة مخرجات الثورة وتساؤلاتها المحورية الآتية: إلى أي مدى كان النجاح حليف شعارات ثورة أكتوبر التي كانت تنشد التغيير الجذري في الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم؟ وكيف أسهمت التحديات التي أفرزتها تناقضات الثورة في نكستها الباكرة؟ وما العِبَر والدروس المستفادة منها، وكيف يمكن توظيفها في مواجهة الواقع السياسي الراهن في السُّودان؟


لماذا انتكست أكتوبر؟
سبق أنْ عرضنا رأي الدكتور حسن عابدين الذي رفض تسمية أكتوبر بأنها ثورة؛ لأنها "لم يكن لها رؤية واضحة وأهداف محددة قبل قيامها"، ولذلك لم تُفلح في إحداث قطيعةٍ مع الماضي السياسي بمكوناته الاقتصادية والاجتماعية، قياساً بالثورات المعروفة في تاريخ العالم. وذهب في الاتجاه ذاته الدكتور النور حمد الذي وصف ثورة أكتوبر بأنها أقرب "إلى "الفانتازيا" الصفوية المستلة من بطون الكتب، وعوالم الأدلجة السياسيَّة، بأكثر من كونها تعبيراً عن حاجةٍ ملحةٍ أفرزها واقع موضوعي. ولربما اتضح لنا أيضاً، أن صُدَفِ التاريخ هي وحدها التي انجزتها." وقد سبقهما إلى هذا الاستنتاج، الدكتور منصور خالد الذي يرى: "أنَّ أهل السياسة -على تباين مواقعهم الفكرية- قد أخطأوا فهم الظاهرة الأكتوبرية، أو تعاملوا معها بكثير من الرومانسية، ومن هنا جاءت القطيعة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي"؛ لأن أكتوبر، من وجهة نظره، قد افتقرت إلى الرؤية الاستراتيجية الكاملة، والبرمجة الرصينة لتنفيذ أجندة التغيير والتحديث التي رفعتها شعاراً سياسياً في مرحلة المواجهة المباشرة مع السُّلطة الحاكمة.
يبدو أنَّ الالتباس والتباين في تحليل ثورة أكتوبر 1964م قد نتج عن الفصل غير المنهجي بين مرحلتين. تمثل الأولى منهما فترة النجاح القصيرة التي استطاع الثوار أن يطيحوا فيها بنظام حكم عسكري، يستند إلى إرث الجندية العريق، ويفتقر إلى السند الشعبي الواسع، وذلك بعد اصطفاف أخلاقي-سياسي منقطع النظير. وتنطلق المرحلة الثانية المهمة من نقطة البحث عن البديل السياسي لنظام الحكم العسكري، حيث بدأت تظهر تشققات في الاصطفاف الأخلاقي-السياسي الذي شهدته الثورة في مرحلتها الأولى؛ ابتداءً من عجز الجبهة الوطنية للهيئات من الانتقال من وضعها النقابي إلى وعاءٍ سياسي، يجمع كل قطاعات الثوار التي اشتركت في إسقاط النظام العسكري، ثم يؤسس لرؤية استراتيجية مشتركة، وآليات فاعلة وموضوعية لتنفيذها. والسبب الأساس في ذلك يُعزي إلى تشكيلة جبهة الهيئات غير المتجانسة فكرياً وسياسياً، وإلى تضخيم حجم الحزب الشيوعي السُّوداني الذي لعب دوراً بارزاً في إنجاح ثورة أكتوبر. لكن قبل أن تحقق الثورة مخرجاتها الأساسية مال حدس الرفاق السياسي إلى احتكار النصر، ويظهر ذلك جليَّاً في تلخيص عبد الخالق محجوب لما يسميه "بالحقائق المذهلة" التي طرحتها ثورة أكتوبر أمام الفئات التي تداولت الحكم منذ 1953م:

أولاً: "[أثبتت أكتوبر أنه] من الممكن أن تنشأ في السُّودان حركة سياسية مستقلة عن تلك الفئات التي تداولت الحكم مدنياً وعسكرياً، والتي ظلت توجه السياسة السُّودانية منذ نهوض الحركة الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية.

ثانياً: أن تتكون هذه الحركة من الناحية الشعبية من منظمات نقابية ومهنية وجماعات سياسية لم يكن لها شأن كبير من قبل، وأبرزها الحزب الشيوعي.

ثالثاً: أن تستطيع هذه الحركة نسف حكم قائم بطريقة مفاجئة للفئات ذات المصالح، ومن بينها القادة السياسيون وزعماء الطوائف، وأن تشكل سلطة لا تنتمي لتلك الفئات.

رابعاً: أن ينفصل جهاز الدولة عن السُّلطة الحاكمة، وينضم إلى تلك القُوى السياسيَّة في عمل ثوري هو الإضراب السياسي. لقد استطاعت مجموعة من القضاة الثوريين واللبراليين أن تنتزع جهاز القضاء، وتفصله عن السُّلطة الحاكمة، وتبعتها بقية أجهزة الدولة المدنية. ولم تعد السُّلطة في القصر الجمهوري، أو مجلس الوزراء، بل أصبحت في نادي أساتذة جامعة الخرطوم."

يرى البروفيسور محمد سعيد القَدَّال أنَّ الذين اعتقدوا في صدقيَّة هذه "الحقائق المذهلة" لم يضعوا في الاعتبار "أنَّ الحياة السياسيَّة لا تسير فقط باندفاع الثورة" بل أنَّ هناك اعتبارات أخرى كان يجب أن تُستغل في "إعادة توازن القُوى"؛ لأن نفوذ الحزب الشيوعي الذي تسنَّم قيادة الثورة، من وجهة نظره، كان محصوراً "وسط قطاعات محدودة، وهناك قطاعات عريضة من الشعب السُّوداني لم يصل بعد نفوذه إليها. بالرغم من أنَّ نفوذها ضعيف في صنع القرار؛ إلا أثرها العددي كبير، عندما تسير خلف من يصنعون لها القرار." ويمضي القَدَّال في الاتجاه نفسه، ويقول إنَّ الحزب الشيوعي قد طرح "بشكل حاد قضيَّة التغيير الاجتماعي، وطرح استراتيجيته القائمة على الجبهة الوطنية الديمقراطية. وكلاهما أفق زاهي، ولكن الطريق إليهما يسير عبر منعرجات ويكتنفه ضباب. كما أنَّ شعاراته تهدد مصالح قوى اجتماعية ذات نفوذ، ولا بد أن تنتفض عند سماعها له للدفاع عن مصالحها." ثم يتساءل القَدَّال: هل كان الحزب الشيوعي "يمتلك القدرة لمجابهتها والدفاع عن طرحه؟" وهل كان "يمتلك البرامج البديلة التي تجعل الهجوم المضاد يتضاءل أمامها؟" فالتحدي الحقيقي حسب القَدَّال كان يَكْمُنُ في طبيعة القُوى المستهدفة بالتغيير، التي لم تكن "حكماً أجنبياً، أو دكتاتورية عسكرية"، بل كانت مؤسسات حزبية-طائفية، لها أجندتها السياسيَّة، وسندها الجماهيري.

تقودنا الإجابة عن تساؤلات القَدَّال إلى أن التشكيلة السياسيَّة لجبهة الهيئات وشعاراتها الماركسية المناهضة للقوى التقليدية ذات الوزن الجماهيري قد ولَّدت صراعاً قديماً جديداً بين الحداثيين الذين ينشدوا التغيير والتحديث على حساب واقعٍ معاديٍ لشعاراتهم السياسيَّة، والتقليديين (أو المحافظين) الذين يحرصون على حماية إرثهم التاريخي، الضامن لبقائهم السياسي في سُدة الحكم. ونتج أخيراً عن هذه التقابلية السياسيَّة بروز كتلة الأحزاب اليمينية، التي شملت حزب الأمَّة، والحزب الوطني الاتحادي، والإخوان المسلمين، وكان الخيط الناظم بين طروحاتها السياسيَّة المتناقضة هو مجابهة الأجندة السياسيَّة التي طرحها الحزب الشيوعي والقطاعات الموالية له.

ونتيجة لهذا الواقع السياسي المعقد، لم تفلح ثورة أكتوبر في خلق رؤية استراتيجية متجانسة لخدمة أهدافها الوطنية، بل مالت إلى الكيد السياسي والمماحكات القطاعية، التي أفضت إلى ضعف في الوازع الأخلاقي الملتزم بثقافة العمل الديمقراطي، والأنانية السياسيَّة التي قدمت المصالح الحزبية على حساب المصلحة العامَّة. وتدريجياً أسهم هذا الشقاق السياسي في إفشال ثورة أكتوبر، ابتداءً من استقالة حكومة جبهة الهيئات التي ترأسها سر الختم الخليفة في أقل من أربعة أشهر (31 أكتوبر 1964- 18 فبراير 1965م) من تاريخ ميلادها المتعسر، ثم أعقبتها حكومة انتقالية ثانية برئاسة الخليفة نفسه، لكن كفتها كانت راجحةً لصالح كتلة الأحزاب اليمينية. وبذلك فشلت مبادرات حكومة جبهة الهيئات التي كانت تهدف إلى تفكيك البنية التقليدية للمجتمع السُّوداني، وإعادة صوغها وفق مؤشرات حديثة تتوافق مع استراتيجيات الحزب الشيوعي وتطلعاته في السُّودان. وشمل تلك المبادرات الدعوة إلى حل الإدارة الأهلية، وتشكيل محكمة خاصة للنظر في قضايا الثراء الحرام والفساد وتخريب الاقتصاد، وتشكيل لجنة أخرى لتقديم مقترحات عن الإصلاح الزراعي، ووضع استراتيجية اقتصادية لمساعدة الشركات السُّودانية في تولي زمام التجارة الخارجية من الشركات الأجنبية والبيوتات التجارية الوطنية، ووضع الترتيبات اللازمة لتنشيط التجارة مع شرق أوروبا، والدعوة إلى إقرار حق المرأة في التصويت والترشيح في الانتخابات القادمة، وتخصيص 50% من مقاعد الجمعية التأسيسية للعمال والمزارعين. وبعد تشكيل حكومة سر الختم الخليفة الثانية من حزب الأمَّة، والحزب الوطني الاتحادي، وجبهة الميثاق الإسلامي، وبعض الأحزاب الجنوبية، خرج الحزب الشيوعي السُّوداني وحليفه حزب الشعب الديمقراطي مغاضبين، ومعلنين مقاطعتهما السياسيَّة للحكومة الانتقالية الثانية، التي وصفوها بالرجعية، واتهموها باختطاف ثورة أكتوبر وشعاراتها الداعية للتغيير والتحديث.

في ظروف هذا الشقاق السياسي أُجريت انتخابات عام 1965م، والتي تأثرت إلى حد كبير بأدبيات التنظيمات العقائدية في حملتها الانتخابية، وفي تمثيلها السياسي في الجمعية التأسيسية، حيث حصل الشيوعيون على أحد عشر مقعداً، والميثاقيون الإسلاميون على سبعة مقاعد. وقد أثَّر وجود هذين التيارين المتخاصمين فكرياً وسياسياً في أداء الجمعية التأسيسية، التي وُلدت ناقصة؛ لأنها لم تحظ بتمثيل الأحزاب الجنوبية خلال الاثنين والعشرين شهراً الأولى من عمرها البالغ سنتين وثمانية أشهر، وحزب الشعب الديمقراطي الذي قاطع الانتخابات، ووصفها بأنها دعوة لفصل الشمال عن الجنوب. وتجلَّت معالم ذلك الواقع المتردي في الصراع السياسي الذي نشب بين هذين التيارين المتخاصمين وأنصارهما، وأفضى بدوره إلى تعديل المادة الخامسة والمادة السادسة والأربعين من دستور السُّودان المؤقت. ونتج عن ذلك التعديل الدستوري المضطرب آثار سياسية ودستورية سالبة، تمثلت في طرد نواب الحزب الشيوعي السُّوداني من الجمعية التأسيسية في 16 ديسمبر 1965م، تعللاً بأنهم فقدوا شرطاً من شروط الأهلية، وذلك بانتمائهم إلى حزب يروج للشيوعية والإلحاد، وعدم الاعتقاد في الأديان السماوية. ومن ثمَّ حُلّ الحزب الشيوعي السُّوداني، والتنظيمات الموالية له. وقد أحدث هذا الإجراء جدلاً دستوراً وسياسياً واسعاً، أدَّى إلى نشوب خصومة بين السُّلطات الثلاث؛ لأن السُّلطة القضائية قد أصدرت حكماً بعدم دستورية المادة الرابعة من قانون حلّ الحزب الشيوعي السُّوداني لسنة 1965م، وذلك لمخالفتها لأحكام المادتين الثالثة والرابعة والأربعين من دستور السُّودان المؤقت المعدل لسنة 1964م. وأُسس على ذلك الحكم إعلانٌ قضائيٌ، يقضي بشرعية عضوية نواب الحزب الشيوعي السُّوداني في الجمعية التأسيسية. ولتبرير قرار الحلّ، احتمت السُّلطة التنفيذية بالسُّلطة التشريعية، ثم دفعتها لإصدار تشريع مخالف لحكم المحكمة الدستوريَّة بشأن حلّ الحزب الشيوعي.

وأخيراً تحول هذا النـزاع السياسي-الدستوري إلى خصومة ديوانية، قادت بدورها إلى أزمة عميقة بين مؤسسات الحكم البرلمانية، وشكلت تلك الأزمة طرفاً من الخلفيَّة السياسيَّة التي استندت إليها انتخابات عام 1968م، وطرفاً آخر من الدوافع السياسيَّة التي قادت إلى الانقلاب العسكري الثاني في 25 مايو 1969م. هكذا اثبتت تلك الأزمة غياب ثقافة الديمقراطية بين النخب السياسية الحاكمة والمعارضة في السُّودان؛ لأن القطاعات الفاعلة التي أسقطت الحكم العسكري الأول (1958-1964م)، ناصرت بقوة الانقلاب العسكري الثاني (1969-1985م) في نسخته المايوية-اليسارية؛ محتجةً بأنها أيقنت أنَّ التغيير والتحديث عبر صناديق الانتخابات لا يتحقق في ظل وجود القوى التقليدية النافذة في استغلال النظام البرلماني وأغلبيته الميكانيكية لتنفيذ أجندتها السياسية على حساب الآخرين. ويؤكد هذا الموقف من زاوية أخرى، أنَّ القوى السياسية السُّودانية قد وصلت إلى نتيجة مفادها أنَّ التغيير الجذري في الخارطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في السُّودان لا يمكن أن يتحقق عبر المؤسسات البرلمانية الديمقراطية، بل يجب أن يُفرض من علٍ، دون مراعاة لواقع الشرائح المستهدفة بالتغيير والتحديث، أو التزامٍ أخلاقي بالمبادئ والقيم النظرية المبثوث في دساتيرها الحزبية. وبناءً على ذلك، حدثت عملية تسليم السُّلطة البرلمانية إلى العسكر في عهد وزارة الأميرالاي عبد الله خليل (1956-1958م)، وكذلك مساندة القوى اليسارية لانقلاب 25 مايو 1969م، وأخيراً صناعة الجبهة الإسلامية القومية لانقلاب 30 يونيو 1989م. تجسد هذه الشواهد ومثيلاتها التي لم تذكر في هذا المقال ضعف الممارسة الديمقراطية في السُّودان، وتؤكد أنَّ الاستعانة بالقوات المسلحة في حل المشكل السياسي كانت واحدة من الأخطاء الكبرى التي سبقت ثورة أكتوبر 1964م وأعقبتها، مرغمةً أهل السُّودان بالدخول في دائرة شريرة، قائمة على ثنائية الحكومات البرلمانية الحزبية الضعيفة التي تعقبها أنظمة عسكرية مستبدة، وهكذا دواليك دواليك.

في ضوء هذه الوقائع التاريخية التي أجهضت أهداف ثورة أكتوبر، تجاوز بعض الباحثين الوقوف والتأمل عند مرحلة النجاح، التي أفضت إلى إسقاط النظام العسكري؛ لأنهم اعتبروها مرحلةً عارضةً ووسيلةً لغاية، يجب أن يُقاس عطاؤها بفاعلية الغايات التي حققتها الثورة، ابتداءً من الدعوة إلى إعادة النظام البرلماني للحكم، وانتهاءً بشعارات التغيير والتحديث في مجتمع يعاني من الفقر والجهل والمرض. ودلل بعضهم لذلك الفشل الذريع الذي حصدته ثورة أكتوبر بوصف محمد أحمد محجوب للواقع السياسي الذي أعقب أكتوبر، والذي كان جزءاً صُناعه الفاعلين، بأنه يعاني من أزمة ثلاثية مركبة: "أزمة في الديمقراطية، وأزمة في الأخلاق، وأزمة في العلاقات الإنسانية. وكانت حصيلة ذلك نكسة سياسية مستدامة في تاريخ السُّودان المعاصر؛ لأن "جيل العطاء المستجيش طراوة ومقاومة" قد جانبه الصواب في تحقيق طموحات الشعب السُّوداني، الذي أكتوى بنير حكوماته البرلمانية المتعاقبة التي عبثت بمكتسباته العظيمة، وحكوماته العسكرية الانقلابية التي مكَّنت لذلك العبث بصور أبشع، ونرجسية سياسية رافضة للمساءلة والمحاسبة الديوانية، والبحث المتبصر عن الحل الأمثل.


الخاتمة: هل في أكتوبر دورس وعِبَر؟
الحديث عن استثمار دروس ثورة أكتوبر وعِبَرها في مقارعة الوضع الراهن في السُّودان يحتاج إلى قراءة فاحصة في المقام الأول لوقائع التاريخ ومتغيرات الزمن؛ لأن التضاريس السياسيَّة التي انطلقت منها ثورة أكتوبر تختلف عن تضاريس الواقع المعيش، الذي وصفه الصحافي محجوب محمد صالح بـ "تنامي القبليَّة والجهويَّة، وزيادة الصراعات الحادة التي أوهت نسيج المجتمع. وارتفع الصراع إلى مستوى الحروب في ثلث ولايات السُّودان، وانتشر السلاح، وانفرط الأمن، وتمَّ تسييس أجهزة الدولة المدنية والعسكرية بصورة تامة، وزالت الحدود الفاصلة بين الحزب الحاكم والدولة، مثلما زالت الحدود الفاصلة بين المال الخاص والمال العام؛ فانتشر الفساد، كما انتشر السلاح غير الشرعي... إنَّ أي مشروع لإعادة تأسيس الدولة السُّودانية، يجب أنْ يعي كل هذه الحقائق، ويتعامل مع أسبابها الجذرية؛ ليصل إلى مرتكزات جديدة لإعادة التأسيس." يقودنا هذا التوصيف إلى طرح سؤال محوري. إذا كان الوضع متردياً إلى هذه الدرجة، ألم يكن الظرف الموضوعي مناسباً لاندلاع الثورة؟ إنَّ حاجة السُّودان إلى الثورة اليوم، كما يرى الدكتور النور حمد، "أكبر من حاجته لها في أي مرحلة سابقة، من مراحل حقبة ما بعد الاستقلال. غير أنَّ انجاز الثورة في السُّودان اليوم، أصبح أصعب، وبما لا يقاس بإنجازها في الفترات السابقة." وتَكمُنُ الصعوبة من وجهة نظره في أنَّ اليساريين الذين حكموا السُّودان من قَبل قد استخدموا سياسة "التطهير للصالح العام" بطريقة حزبية بغيضة، أفسدت مؤسسات الخدمة المدنية والقطاع الخاص، وكذلك الإسلاميون الذين يحكمون اليوم، قد عمدوا إلى سياسة "تمكين" كوادرهم في إدارة مؤسسات الدولة دون مراعاة للخبرة المهنية أو الدُربة المعرفية، وذلك على حساب الكوادر المؤهلة التي خالفتهم في الرأي. وتمخض عن حصاد التطهير والتمكين ضعضعة "القُوى والطاقات التي يمكن أن تُحدث التغيير." وهنا مربط الفرس؛ لأن القيم الأخلاقية التي كانت تحكم السلوك السياسي السُّوداني، سواء كان مهنياً أو نقابياً، قد بلغت درجة دنيا في الانحطاط، دفعت الحزبيين إلى مشايعة أحزابهم، أو طوائفهم، أو قبائلهم في المكره والمنشط، دون أدنى اكتراث إلى المصلحة العامَّة التي نبذوها وراء ظهورهم، وأقبلوا على المال العام بشراهةٍ، ومخصصات الوظيفة الحكومية بفساد ينقصه الحياء، وذلك على حساب الوطن السليب، ودافع الضريبة البسيط والمغلوب على أمره.
إذاً من أين يبدأ الحل؟ يرى المحبطون أنَّ الأفق قد أنسد أمام كل الحلول الممكنة في ظل الوضع السياسي القائم، فيجب أن ينتظر الناس على الرصيف إلى أن تكتمل دورة الانهيار، ويُولد سودان جديد، لكن ليس لهم قيد زمني لتاريخ ميلاده، أو تصور موضوعي لكُنه ذاته المحمولة في رحم الغيب. بينما يرى المتفائلون أنَّ الحل يَكْمُنُ في مبادرة نخبة واعية بطبيعة المشكلة، ولها القدرة على طرح الحلول الممكنة. ويبدو أنَّ هؤلاء المتفائلين لا ينظرون إلى الأحزاب الحاكمة أو المعارضة ككتلٍ صماء، بل يفترضون أن هناك رؤية مشتركة بين القلة الخيرة من رجال ونساء السُّودان، سواء من المحسوبين على الحكومة أو المعارضة، أو الذين يقفون في الحياد بين النقيضين. وبناءً على ذلك، يعتقد المتفائلون أنَّ المخرج الوحيد يتمثل في الحوار الجاد والهادف بين أفراد هذه القلة الخيرة، الذين لديهم القدرة على تجاوز خلافاتهم الثانوية، وصراعاتهم الأيديولوجية، بهدف إعطاء الأولوية إلى إعادة تأسيس دولة السُّودان، وفق طروحات جديدة تتوافق مع متطلبات العصر. لكن لا ندري متى يحدث ذلك، ومتى تأتي هذه القلة الخيرة من رهق المعاناة الذي يعيشه أهل السُّودان. كما نتساءل، وهل يوجد طريق ثالث بين مواقف أولئك المحبطين والمتفائلين؟ الإجابة عن هذا السؤال تقع خارج دائرة هذا المقال؛ لأنها تحتاج إلى عصفٍ ذهنيٍ أوسع نطاقاً من نطاق الحديث عن ثورة أكتوبر وتداعياتها.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.