من واشنطن للخرطوم

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

كتبنا من قبل عبر هذه النافذة عن بعض العادات السالبة للكثير منا في بلاد العم سام –الولايات المتحدة الأمريكية- وإستقبل وقتها بريدنا الإلكتروني سيل من الرسائل بعضها عضد ما ذهبنا إليه والبعض الآخر لم يتفق معنا، وهذا شىء إيجابي سَعِدّنا له كثيراً، اولاً: لانه حرك المياه الراكدة في بلد تموت حيتانها من البرد –كما قال الراحل الكبير الطيب صالح-، ثانياً: الأمر الإيجابي الآخر هو أن الإختلاف هو سنة الحياة، وجميل أن نختلف ونتفق وفي نهاية الأمر لا يصح إلا الصحيح، ولهؤلاء واولئك نقول لم يكن هدفي من مقالي ذاك وبالطبع من مقالي هذا ايضاً إثبات شىء سوى تسليط الضوء على هذه الظواهر او المحن السودانية –كما يسميها الأستاذ شوقي بدرى- لان مقالاتي هذه تعمد على الملاحظات والمواقف التي تحدث لي او لاشخاص آخرين أعرفهم وليس على لغة الأرقام مما يجعلها مجرد ملاحظات قابلة للآخذ و الرد لانها ليست حقائق علمية وكما تقول الفرنجة (Assumed not Proven).  وأود أن اؤكد مرة اخرى باني لا اسعي عبر هذه المقالات لتجريم مجموعات او شخصيات بعينها لاني أنتمي لمجموع السودانيون الذين تركوا وطنهم لاسباب شتي ولكنهم بلا إستثناء صوتوا بارجلهم مُرجحين خيار الهجرة عن الوطن، لانهم إكتشفوا بان الغريب ليس الغريب عن الديار وإنما الغريب في الديار في بلاد يٌقتل ويُكفر فيها الناس في رابعة النهار.

 

نعود لموضوعنا، من خلال تواجدى في الولايات المتحدة الأمريكية حيث قمت بزيارات متفرقة لعدد من الولايات والمدن الأمريكية، لاحظت أن معظم السودانيون المقيمون في تلك المدن والولايات يعيشون في مجموعات ولا يختلطون بالمجتمع الأمريكي الا في ما ندر، بل حتي التسوق وما الي ذلك تجدهم يذهبون الي الأسواق والمحلات العربية. وفي منازلهم، تجد (القراصة) و(الويكة) و(العصيدة) وكل المآكولات والمشروبات السودانية. علماء الإجتماع يفسرون هذه الظاهرة بـالخوف من الأشياء الغير معروفة

 (Fear of Unknown) وفي هذه الحالة المجتمع الأمريكي بالنسبة للسودانيون غير معروف خصوصاً العادات والتقاليد ثم عامل اللغة، لذلك يلجأ السودانيين الي الإحتماء بالمجموعات التي ينحدرون منها وتماثلهم في الثقافة واللغة، وبذلك يصنعون سودان مصغر يحل مكان السودان الكبير الذى تركوه خلفهم. الشىء السلبي في هذا الامر، هو انهم يعيشون على هامش الحياة الأمريكية وليس لديهم تأثير كبير على مجرى الأحداث سوى كان على  المستوى الداخلي أو الخارجي. وإذا نظرنا على سبيل المثال الي الجالية الصومالية في ولاية منيسوتا نجدهم أكثر تنظيماً بل فرضوا أنفسهم بقوة على الولاية واصبحت لغتهم مدرجة في كثير من أماكن الخدمة العامة مثل مترو الأنفاق. ومثال آخر، الجاليات القادمة من أمريكا اللاتينية أنشات مجلساً فعالاً ولديه تأثير من لوس أنجلوس غرباً الي العاصمة واشنطن شرقاً، وأصبحت اللغة الأسبانية الثانية بعد الإنجليزية على مستوى الولايات المتحدة. بل حتي الجاليات العربية مثل الجالية اللبنانية حققت نجاحاً ملحوظاً وترشح رالف نادر اللبناني الأصل في إنتخابات الرئاسية الأمريكية لاكثر من مرة، وهنالك عدة أسماء لمعت في وزارتي الخارجية الأمريكية والدفاع.

 

جرت العادة في السودان خصوصاً قبل إستلام العصبة ذات البأس لمقاليد الحكم أن تعتمد الأسرة على شخص واحد آحد في مجراها ومرساها منذ المهد الي الزواج وترك منزل الأسرة لكنهم عندما أتوا الي هذه البلاد التي لا تعترف سوى بقوة الفرد لامتلاك زمام امره/ها لانها بلاد رأسمالية تعتمد على قوة الفرد البدنية والذهنية في الإنتاج، لذلك المال في الغربة اهل. وكان البعض في السودان يتندرون من غسالي الصحون والسيارات لانها صنعة لا تليق بـ(اولاد البلد) ولكنهم عندما اتوا الي هنا أدركوا أن اصلنا جميعاً يعود لآدم الذى خُلق من تراب وذهب الي التراب، واصبح غسيل الصحون والسيارات صنعة شريفة لا يستحق صاحبها سوى التبجيل و الإحترام لانها لا تختلف عن اى صنعة اخرى. فاصبح الكثير منهم يذهب لغسيل الصحون والسيارات أناء الليل ويدرسون في الجامعات أطراف النهار، فهذا أمر جيد يُعلم الشخص الإعتماد على النفس وعدم الإتكال على الأخرين. وعلى صبايا الخرطوم اللواتي ينتظرن فرسان المستقبل أن لا تذهب بهن أحلامهن بعيداً ويحسبن بان القبة الأمريكية تحتها (فكي)!.

لان معظم الشباب السوداني يطمح في الهجرة الي الولايات المتحدة، وآخرين يعيشون في برارى أمريكا ويصورونها كانها جنة الله في الأرض لكن هي ليست كذلك، صحيح انها بلد فرص والشخص يستطيع تحقيق وإنجاز الكثير لكن بالقطع في حدود المعقول، وما عدا ذلك فهو زبد، والزبد دوماً يذهب جفاءً ويبقي ما ينفع السودانيون.