من واشنطن للخرطوم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كما هو معروف أن العنصرية (Racism)  هي تعصب فرد أو فئة من الناس لجنس أو عرق أو قبيلة أو عشيرة أو دين أو طائفة أو معتقد أو لون، وتوفر هذه الأسباب مجتمعة او أى منها يجعل تلك الجماعة او الفرد يدعو لإباحة قتل أو اضطهاد أو حتى ازدراء الفئات الاخرى بدون وجه حق، أو سبب واضح سوى انها تختلف عنه في جنسها أو عرقها أو طائفتها أو لون بشرتها. 

عندما تسلمت (الإنقاذ) سدة الحكم في 30 يونيو 1989م اضحت العنصرية سِعر سوق، و بضاعة لا تعرف الكساد، وعبر تعصب الجبهة الإسلامية للدين تم رفع رايات الجهاد و الإستشهاد ضد أعداء الله في جنوب الوطن! ووصل الهوس الديني مداه بإقامة (عُرس الشهيد) لاولئك الشباب الذين زُج بهم الي إتون حرب حول قسمة السلطة و الثروة، اى أمور دنيوية لا علاقة لها البتة بإرضاء مرضاة الله. و إدعي قادة الإنقاذ حينها انهم وكلاء رب العباد في البر و البحر! و من أطاعهم فقد أطاع الله ومن  عصاهم  فقد عصى الله!

وحدثنا إسحق بن فضل الله صاحب القدح المعلي الذى لا يتدلي عبر (ساحات الفداء) عن ملائكة تهبط في فيافي الجنوب تظلل المجاهدين من هجير الشمس، و اخرين من دونهم يحملون المسك و العنبر حتي صار الجنوب محط أنظار الأفغان العرب و كل الحركات الجهادية التي كانت تطلب لقاء الله، و توفر لها ذلك في جنوب السودان سلة تصدير الشهداء من كل حدب وصوب. اما اسحق و صحبه الغر الميامين، فقد ركلوا نعمة الإستشهاد بارجلهم لانهم يعلمون حق العلم أن غابات الجنوب ليس بها سوى الحيوانات المفترسة و الجيش الشعبي، الذراع العسكرية للحركة الشعبية، لذلك إستطاعوا إقناع بعض الشباب السوداني عبر المواد العنصرية التي كانت تُبث عبر التلفزيون (القومي) و دخلوا هم الأسواق مثلهم مثل ود العباس بائع الخضروات الشهير.

يزدهر سوق العنصرية دوماً في بيئة مليئة بالجهل و الفقرلذلك عمدت (الإنقاذ) منذ مجيئها للسلطة الي إجتثاث كل ما من شأنه المساهمة في التعليم و توعية المواطنين، وما يقال عن "ثورة التعليم" ما هو الا كذبة بلغاء لان تلك الجامعات التي إنشئت في البدو و الحضر لا تعدو سوى أن تكون بوتيكات و كنتينات لتفريخ الجهل، و اذا لم يكن كذلك لماذا لا نرى ابناء وبنات قادة (الإنقاذ) يدرسون في تلك البوتيكات ويتم إرسالهم لدول (الإستكبار) مثل بريطانيا و امريكا؟

في الجانب الآخر، لم تكن تلك البضاعة حكراً على (الإنقاذ)، وما ظهر في الفترة الأخيرة على مواقع الإنترنت السودانية، ومن اقلام تُحسب على المعارضة يكشف مآزقنا التاريخي، لان البعض يقول أن مشكلة العنصرية سوف تُحل بذهاب (الإنقاذ)، لكن المشكلة أكبر من ذهاب العصبة ذات البأس بكثير. قبل مدة قصيرة، قرأت لكاتب يقطن الي جورانا  في برارى الولايات المتحدة، وينتمي لسلالة بني (مستنير)، وفوق هذا و ذالك فهو ينتمي لحزب (ليبرالي)، وتاكيداً على ليبراليته المزعومة شتم أحد المتحاورين معه و عايره باصله و فصله!. و في الأيام الماضية، شتم أحد الكتاب الإسلاموين بعض قادة مظاهرة جوبا مستخدماً الفاظ لا تليق به ولا بالصحيفة التي يكتب لها، لكن بدل الرد على الرآى الذى ادلي به فضل البعض الهجوم على أصله الذى اتي منه! عندها تأكد لي أن الأزمة شاملة و متجزرة في نفوس الكثيرين منا.

كل هذه الممارسات لا يستطيع المرء فصلها عن الثقافة الإجتماعية و التنشئة و البيئة المحيطة بها. وكما يُقال الإنسان إبن بيئته، ومن شب علي شىء شاب عليه. فالبيئة و الثقافات السودانية بتعددها و تنوعها بها حمولات عنصرية، و تكمن قدرة المرء في تخطي هذه الحواجز العنصرية، وهي ليست قدرة ناتجة عن ذكاء موروث بل مكتسب عبر التعليم في معظم الأحيان لانه في بعض الأحيان القلم لا يزيل (بلماً).  عندماً كنت طفلاً نشأت في بيئة كانت زاخرة بالحمولات و التعابير و الكلمات ذات المدلول العنصرى، لكن الإنسان كلما تقدم به السن و إحتك بالعالم الخارجي –سوى داخل وطنه او خارجه- يتعلم بعض الأشياء المفيدة أولها و أهمها، نبذ العنصرية لانها رثاثة بدائية لا تليق بإنسان عاقل.

العنصرية ليست إتجاه واحد، لان من يشعر أن هنالك عنصرية تُمارس ضده سوف يرد عليها بعنصرية موازية لها هذا إن لم تكن تفوقها في حدتها.

في كثير من الأحيان، أتساءل: إذا كنا نعامل شخص على اساس انه/ها اقل منا درجة نسبة للونه او عرقه، الا يعني هذا باننا نعترض ضمنياً على مشيئة الله؟ لانه هو الذى خلق ذاك الإنسان في تلك الهيئة، وإن أراد له ان يكون في اى صورة من الصور لما صُعب عليه ذلك سبحانه و تعالي.