من واشنطن للخرطوم

عبد الفتاح عرمان

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لم أتابع مباراة الجزائر و مصر التي جرت في الخرطوم لاني لست من محبي كرة القدم، و ما لفت إنتباهي لهذا الحدث الشتائم التي كالها للشعب السوداني بعض الإعلاميين المصريين مثل عمرو اديب و حجازى وغيرهم كثر، حيث شاهدت و قرأت بعض ما قيل عبر الإنترنت.

 الحادثة تكشف عن حالة الجهل و التغييب التي تمر بها معظم الشعوب العربية. إستطاع الحزب الحاكم في مصر –المؤتمر الوطني- بمهارة صرف أنظار الشعب المصرى عن عملية توريث الحكم لجمال مبارك –نجل الرئيس المصرى- خصوصاً ان عملية صرف الانظار هذه تاتي بعد زيارة قام بها المعارض المصرى و رئيس حركة كفاية، أيمن نور للولايات المتحدة الشهر الماضي، وتمثلت أجندة نور في تنوير الإدارة الأمريكية و الراى العام بعملية التوريث التي تجرى في مصر، و اطلع نور بعض النافذين في إدارة اوباما علي رفض حزبه و جماعة الاخوان المسلمين –هنالك تحالف يجمع نور و الاخوان-  لهذا المسلك، بل حمل لهم نور تحذير (الأخوان)  للإدارة الامريكية، ومفاده بانهم لن يرضون بجمال مبارك رئيساً لمصر حتي وإن جاء عبر الإنتخابات –بطرفنا نسخة من تقرير امريكي عن زيارة نور لامريكا-. الشىء الآخر، بعد ان كانت بعض الشعوب تذهب لمصر لتاكل من فومها و عدسها و بصلها، اصبحت مصر الان تنتظر المعونة الامريكية علي رصيف بورسعيد! و الفاقة و البطالة ضربت أرقام خيالية، و دخل المواطن المصرى لا يتجاوز الدولار الواحد يومياً. و الحال في الجزائر لا يختلف كثيراً ما يحدث في مصر، وكذلك نظام الحكم هناك.

نعود للمسكوت عنه في العلاقة التي تربطنا بمصر، اولاً:  إستخدمت قوات الامن المصرية القوة المفرطة ( (Excessive Force

لتفريق إعتصام سلمي قام به لاجئون سودانيون في ميدان مصطفي محمود في القاهرة، علي الرغم من أن القوم من هنا و هناك صدعوا رؤوسنا بعلاقة شعب وادى النيل الوطيدة ومصر يا اخت بلادى يا شقيقة، وهو هتاف لا يغني و لا يُسمن من جوع. لان الاشقاء لا يتم الإعتداء عليهم بتلك الصورة الوحشية و الهمجية. هذه الحادثة قذمت من مكانة مصر في انفسنا خصوصاً بعد رفض النظام المصرى محاسبة المتسببين فيها.

 ثانياً: هنالك من يقول بان ما قام به بعض إعلاميي مصر عقب مباراة الجزائر

و مصر في الخرطوم حالة معزولة و لا تمثل الشعب المصرى، نحن نتفق معهم في هذا الامر. ولكن هنالك بعض المسلمات لدى بعض الإعلاميين، الممثلين ومثقفي مصر أن السودان ما يزال الاخ الاصغر، و أكد علي ذلك الأستاذ محمد حسنين هيكل في برنامجه علي قناة (الجزيزة) حينما قال ان هنالك اتفاق عام ولكنه غير معلن  بين الدول العربية يتمثل في مناطق نفوذ لكل هذه الدول، وذكر أن مصر لا تسمح لاحد بالتدخل في الشأن السوداني

 و الفسطيني الا بعد إستشارتها، لانها تعتبر هذه الدول مناطق نفوذ لها، ولا يتدخل احد في لبنان الا بمشاورة سوريا، و هكذا. تأكد لي هذا الامر، عندما اخبرني بعض قادة الحركات الثورية الدارفورية حينما زاروا مصر عقب إعلان قطر عن مبادرتها للتوسط ما بين الحكومة السودانية و الحركات المسلحة، طلب بعض المسئولين المصريين من بعض قادة هذه الحركات عدم الذهاب الي الدوحة للمشاركة في هذه المحادثات، وبرروا موقفهم هذا بان الدوحة لا تفهم القضية السودانية مثل فهم مصر لها!. هنالك مقولة ترسخت عند بعض المثقفين المصريين وهي: مصر تكتب، بيروت تطبع و الخرطوم تقرأ! هذه المقولة فيها إحجاف كبير بحق الشعبين اللبناني و السوداني لان لبنان ليست مطابع فقط و السودان ليس مستهلك لما تكتبه مصر. وفي الإبتدائي درسنا قصائد لجبران خليل جبران –لبناني-، و نازك الملائكة –عراقية- ومحمد احمد المحجوب –سوداني- و التجاني يوسف بشير –سوداني-

و غيرهم كثر. اذاً، نحن لسنا مستهلكين بل منتجين ايضاً، وادب الراحل الطيب صالح يُدرس في معظم الدول العربية، وكذلك شاعرنا الكبير محمد مفتاح الفتيورى –نسال الله له الشفاء- ذاع صيته في كل افريقيا و الوطن العربي.

ثالثاً: وصل الإستهتار باديب أن يطلب علي الهواء مباشرة بان يصحو الرئيس البشير من النوم! و الذى حدث في الخرطوم اقل بكثير من الذى حدث في القاهرة، فالإحصاءات الرسمية في القاهرة تقول بانه تم إصابة (31) مشجع جزائرى في القاهرة علي من ان السفارة الجزائرية هناك تقول بان عددهم (51) مشجعاً، وفي كل الحالتين الرقم يفوق ما حدث في الخرطوم بكثير ، لكننا لم نسمع باديب  يطلب من الرئيس مبارك ان يصحو من نومه خصوصاً بان الاخير (نام) قرابة الثلاثة عقود و البشير ياتي في المرتبة الثانية لانه لم ينم سوى عقدين من الزمان. و الرئيس البشير و القطب الإتحادى، العميد حمدى جعفر الذى كان يقود جيش (الفتح) علي ايام طيب الذكر التجمع الوطني الديمقراطي، وغيرهم كثر حاربوا في حرب اكتوبر من اجل مصر عندما كان البعض نيام.

رابعاً: المشكلة ليست في اديب او حجازى بل قطاع عريض من مثقفي مصر يحملون نفس ثقافة اديب و حجازى، ومن لا يذكر الفيلم المصرى

(عيال حِبيبة) و ضحالته عند الحديث عن السودانيون. إذاً، المشكلة شاملة وما قاله اديب و حجازى هو ما ظهر من جبل الجليد

((The tip of the iceberg

خامساً: هنالك المشكلة الاهم، وهي مشكلة حلايب وتعذيب و إغتيال قوات الامن المصرية لبعض إخواننا من قبائل البشاريين. علي الحكومتين المصرية

و السودانية التوصل لحل يرضي اهل تلك المنطقة، ليس بحديث علي شاكلة ما قاله مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية، دكتور مصطفي عثمان، ان لا حدود ما بين مصر و السودان و هنالك تكامل تام ما بين البلدين من نمولي الي الإسكندرية! لان حديث المستشار دفن للرؤوس في الرمال ولن يحل القضية، فالاولي الجلوس للجانب المصرى لحل هذه المشكلة اليوم قبل الغد لانها قنبلة موقوته سوف تنفجر في وجه من يحاولون التغطية عليها اليوم

او غدآ، وغداً لناظره قريب.

سادساً: لن تجدي (الطبطبة) في حل اى خلاف، وتحل هذه القضايا بالمكاشفة

و المصارحة لان ما يربط السودان و مصر اكبر من منطقة علي حدود البلدين، وعلائق القربى و صلة الرحم موجودة مابين الشعبين المصرى

و السوداني اكثر من اى منطقة اخرى. وانا شخصياً عشت في مصر لفترة، وبادلني الشعب المصرى الود بود اكبر منه، وعندما ازور مصر اشعر بالراحة فيها اكثر من اى بلد عربي آخر، لكن تمتين هذه العلاقات يتم علي اسس واضحة، اهمها إحترامنا لبعضنا البعض ثم البناء علي ما يجمع بيننا لا علي ما يفرق بيننا.

نتوق لوحدة حقيقية من نمولي الي الإسكندرية، وحدة مبنية علي المصالح المشتركة و الحقائق و الإحترام المتبادل، و ليس علي ثقافة الاخ الاكبر.

لا ينكر مساهمة مصر  في كافة  المجالات، كما لا ينكر احد بصمة الجزائر في كل القضايا العربية و الافريقية. وفي المقابل، لا يستطيع احد ان ينكر ان الشعب السوداني ساهم جنباً الي جنب مع الشعب المصرى في حرب إكتوبر، والسودان كان الدولة الوحيدة التي آزرت الراحل السادات عند توقيعه لاتفاقية كامب ديفيد، عندما قاطعه كل العالم العربي كان السودان الي جواره، ونحن من كسي الكعبة المشرفة من قبل، عندما كان الاخرين بالكاد يجدون قوت يومهم.