من واشنطن للخرطوم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

أود عبر هذا المقال، الكتابة عن قضية شغلت الصحافة  الغربية عموماً و الأمريكية علي وجه الخصوص، وهي إعلان الرئيس الفلسطيني، محمود عباس أبو مازن عن عدم رغبته في الترشح للانتخابات القادمة. هذا الإعلان اخذ حيزاً كبيراً في وسائل الإعلام الأمريكية الإسبوع الماضي، وتناول الصحفيون هذا الأمر بالتحليل و التنبوء بما سوف تؤول إليه الامور في حالة إقدام عباس علي عدم الترشح في الانتخابات القادمة.  وطالبت بعض الصحف الأمريكية إدارة الرئيس اوباما بالتحرك العاجل لإنقاذ الموقف، بالضغط علي الجانب الإسرائيلي لتقديم بعض التنازلات حتى يتم الإبقاء علي أبو مازن رئيساً، نسبة لعلاقته الجيدة بالغرب عموماً و الإدارة الأمريكية علي وجه التحديد. في الوقت ذاته، اعتبرت بعض الصحف الأمريكية أن ما يقوم به ابو مازن ما هو إلا مناورة منه لإجبار إسرائيل علي تقديم بعض التنازلات ووقف الاستيطان.

بنظرة سريعة للامور، خصوصاً بعد تسلم الرئيس الأمريكي، باراك اوباما لمقاليد الحكم في البيت الأبيض، كان الرئيس الفلسطيني، محمود عباس ابو مازن متفائلاً بقدومه اكثر مما يجب، و إعلان أبو مازن عن نيته عدم الترشح في الانتخابات القادمة جاء نتاج خيبة أمله في الإدارة الأمريكية الجديدة، خصوصاً بعد إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية، هليرى كلينتون بان إبطأ الاستيطان من جانب إسرائيل يُعتبر نصراً للفلسطينيين. هذا التصريح شكل ضربة كبيرة لابو مازن، لأنه كان ينتظر من إدارة اوباما أن تطلب من إسرائيل وقف بناء المستوطنات و ليس إبطاءها. وفي بداية هذا الاسبوع المنصرم، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن موافقتها علي بناء (900) مستوطنة جديدة في القدس الشرقية، وهو خبر لم يكن ابو مازن يريد سماعه في هذه الوقت خصوصاً بان شرطه الأساس للتفاوض مع إسرائيل هو وقف الإستيطان.

وفي ظل هذا الوضع المتأزم، أعلن ابو مازن عدم رغبته في الترشح للإنتخابات القادمة ظناً منه أن الشعب الفلسطيني خصوصاً في الضفة الغربية سوف يخرج لإثناءه عن ذلك، مثلما حدث في مصر من قبل، عندما أعلن الرئيس الراحل، جمال عبد الناصر عقب ما عرف بحرب "النكسة" في 1967عن تنحيه عن رئاسة البلاد، وخرج الشعب المصري في مواكب عفويه ملأت شوارع القاهرة تطلب منه عدم الإستقالة. أما ابو مازن الشعب الفلسطيني لا يرى فيه ما رآه الشعب المصري في عبد الناصر، كقائد قومي يدعو للوحدة العربية. ومحاولات بعض قادة حركة فتح في تنظيم مظاهرات في الضفة الغربية لدعم ابو مازن باءت بالفشل، والذين خرجوا في هذه المظاهرات لم يتجاوز عددهم العشرات، وفي حدود ضيقة.

اعتقد بان أبو مازن لن يقيم الانتخابات البرلمانية القادمة المقرر لها يناير من العام القادم، لان شعبيته بدأت تتآكل، و لا يريد في هذا الوضع وجود برلمان قوى بإمكانه محاسبة حكومته علي فشلها في مسار العملية السلمية مع إسرائيل.

و الشيء الأخر، هنالك تقارير عديدة تشير إلي أن هنالك عدداً من الطامعين في كرسي أبو مازن، يأتي علي رأسهم، محمد دحلان، رئيس جهاز الامن الوقائي الفلسطيني، و ناصر القدوة، وزير الخارجية –السابق-، وكما هو معروف بان الأخير إبن أخت الرئيس الراحل، ياسر عرفات.

 أخيرا، دول الجوار الفلسطيني مثل مصر و الأردن سوف تمارس ضغطاً علي

 أبو مازن في حالة عزمه المغادرة، لانها لا تريد أن يحل مكانه شخصية متشددة تضع هذه الدول في مواجهة مع إسرائيل.

 ما قام به أبو مازن من إعلانه عن عدم رغبته  للترشح للانتخابات القادمة لا يعدو سوى أن يكون مناورة منه لكسب الدعم و التأييد الداخلي و الخارجي، خصوصاً في ظل تدني شعبيته فلسطينياً. وربما تثمر خطوته هذه في الضغط علي إسرائيل لتقديم بعض التنازلات خوفاً علي أمنها لا حباً فيه.

    في الجانب الآخر، أعلن عزيز الدويك، رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني

 و القيادي في حركة حماس، بان حركته جاهزة لخلافة ابو مازن، و أضاف:" فليذهب غير مأسوفا عليه." هذا الموقف من حركة حماس كان متوقعاً خصوصاً أن ما بين (فتح) و (حماس) ما صنع الحداد، ولكن بالنظر للإمارة التي أقامتها حماس في قطاع غزة نجدها قد فشلت فشلاً زريعاً في توفير الأمن و الطعام لمواطني القطاع، بل وجودها في السلطة افقدها بريق المقاومة. و إتهمتها حركة شباب المجاهدين الإسلامية  بعدم تطبيق الشريعة في إمارة غزة، وحدثت مواجهات عسكرية ما بين الطرفين، مما ينبئ بخطورة الوضع هناك. ونجحت حركة فتح

و إسرائيل و خلفهما ما يسمي بدول الإعتدال العربية في عزل حركة حماس عزلة شبه تامة. وما لم يتم توحيد الصف الفلسطيني الداخلي لن يحدث اى تقدم في مسار العملية السلمية مع إسرائيل.