من واشنطن الي الخرطوم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

كما ذكرت في المقال السابق باني لم أكن متحمساً لفكرة الذهاب الي السودان لاني عدت منه في منتصف يوليو الماضي، ولكن إصرار مدير معهد السلام المستدام (الامريكي) رونديل (راندى) بتلر علي مرافقتي له لزيارة الخرطوم و جوبا، للبحث عن إمكانية فتح فرع لمعهده للعمل في السودان جعلني اوافق علي اصطحابه الي هناك.

 

وصلت انا و الاستاذة سسليا ادينق الخرطوم  مساء الثالث عشر من اكتوبر الماضي ووصلها راندى مساء الرابع عشر من نفس الشهر. و قمنا بتنظيم بعض الإجتماعات له مع بعض الإعلاميين، منظمات المجتمع المدني، السياسيين و الطلاب. التقي بتلر باستاذنا الكبير صاحب القلم الذهبي، محجوب محمد صالح، مالك و رئيس تحرير الغراء (الايام) الذى قدم له رؤية متكاملة عن الوضع السياسي، الإعلامي و الثقافي في السودان، و ثمّن فكرة المعهد و اهمية ان يكون له فرع في السودان. كما التقي بتلر بالناشط في مجال حقوق الإنسان و الكاتب الصحفي، الاستاذ الحاج وراق الذى بدوره اكد علي اهمية ان يكون للمعهد فرع في السودان لتدريب القيادات الشابة علي اهمية السلام و المصالحة الوطنية. و التقي بتلر ايضاً بمجموعة من الناشطين من  دارفور الذين عكسوا له ما يجرى في دارفور، و الكارثة الإنسانية هناك. و التقينا كذلك، برابطة إعلاميي دارفور في الخرطوم بقيادة الزميل عبد الله اسحق. و اقام بتلر مؤتمراً صحفياً دعونا له وسائل الإعلام المحلية و الاجنبية في مقر صحيفتنا (اجراس الحرية)، ولهم عظيم شكرنا علي التغطية الواسعة.

 

وفي السابع عشر من اكتوبر، ذهبنا الي مدينة جوبا و بمجرد وصولنا الي مطار جوبا وجدنا الاخ دوناتو اديمو، من مكتب شباب الحركة الشعبية في إنتظارنا حيث تم إستقبالنا في قاعة كبار الزوار. ونحن في طريقنا الي مكاتب الحركة الشعبية في قلب حاضرة الجنوب، جوبا كنت في رحلة تأمل عبر البصر، للنهضة السريعة التي شهدتها المدينة، حيث كانت في اخر زيارة لي في مايو من العام الماضي لا يوجد بها طريق مسفلت سوى الطريق الرئيسي الذى يربط ما بين المطار ووسط المدنية، والان معظم الطرق مسفلته. و توجد بها نهضة عمرانية كبيرة، مثل مباني الوزارت الجديدة، و مساكن الوزاء و المواطنين، كلها تحولت من بيوت قش الي بيوت مبنية علي الطراز الحديث.  دخلنا مباشرة في لقاءات مكثفة مع قيادات الحركة الشعبية في قطاع الجنوب، و امدونا بمعلومات تفصيلية عن مسار تنفيذ إتفاقية السلام الشامل، و العقبات التي تعترضها، مُرحبين في الوقت ذاته، بفكرة إنشاء فرع لمعهد السلام المستدام في السودان. و التقينا بعدها بمفوضية مراقبة تنفيذ اتفاقية السلام الشامل بحكومة الجنوب و حصلنا منهم علي بعض الكُتيبات التي حوت علي تفاصيل دقيقة عن مسار تنفيذ الاتفاقية وطريقة عمل المفوضية. وفي نهاية اليوم، اقام لنا شباب الحركة الشعبية مأدبة عشاء علي ضفاف النيل الساحر، شعرنا فيها بدفء تلك القلوب المثقلة بالهموم ولكن عيونهم طمأنتنا بان الغد افضل من اليوم.

 

وفي اليوم الثاني التقينا بلجنة السلام و المصالحة الوطنية في برلمان حكومة الجنوب، حيث ضم الإجتماع ممثلين للحركة الشعبية و المؤتمر الوطني، وهي المرة اليتيمة التي نرى فيها إنسجام تام ما بين (الاخوة الاعداء)، لان الجميع تحدث بصوت واحد عن اهمية السلام و المصالحة الوطنية التي تضمد جراحات الماضي بشرط ان تكون مصالحة وطنية مبنية علي الحقائق و تعترف باخطاء الماضي. وأكد الجميع علي اهمية فتح فرع لمعهد السلام المستدام في جوبا او الخرطوم. و التقينا كذلك بوزير التعاون الدولي بحكومة الجنوب، الفريق وياى دينق اجاك الذى اتسقبلنا بمكتبه في مجمع الوزارت.

 

عدنا بعدها الي الخرطوم، ومن المطار ذهبنا مباشرة الي وزير الدولة بوزارة العمل، دكتور محمد يوسف احمد المصطفي الذى كان في إنتظارنا بمكتبه بالوزارة. استغرق اللقاء مع الوزير يوسف ساعة و خمس و اربعون دقيقة، قدم لنا فيها شرحاً وافياً حول العملية السلمية و دور وزراته في تدريب، تاهيل و توظيف الخريجين الجدد، و كشف عن نصف مليون طلب وظيفة موجود علي درج مكتبة، مؤكداً علي عدم قدرة الوزارة في توظيفهم لان المؤتمر الوطني لديه حكومة اخرى غير مرئية للناس توظف الموالين دون غيرهم

–علي حد تعبيره- وتنبأ بانهيار إتفاقية السلام و عودة الحرب مرة اخرى.

و التقينا كذلك، الإمام الصادق المهدى، رئيس حزب الامة القومي بمنزله

 بام درمان، و استقبلنا الإمام في غرفة عبارة عن (قطية) مبنية من القش و بها بعض التراث من دارفور و مناطق مختلفة من السودان، و بها الكثير من النباتات و الزهور. رحب بفكرة إنشاء فرع للمعهد في السودان، وقدم رؤية عميقة لما يحدث في السودان سياسياً، ووجه بعض الإنتقادات للسياسة الخارجية  لإدارة بوش –السابقة- و كشف عن عزمه كتابة رسالة خطية الي الرئيس الامريكي باراك اوباما تتعلق بالإحترام المتبادل و العمل من اجل السلم و الامن الدوليين، و تعزيز لغة الحوار المشترك حول العالم بدلاً عن إستخدام القوة العسكرية.

 

وفي ختام زيارتنا، القي بتلر محاضرة بعنوان (نحو سلام مستدام في السودان)  في مركز الخاتم عدلان للإستنارة و تنمية الموارد البشرية، أمها عدد مقدر من المثقفون و الاكاديمون السودانيون.  نتقدم بالشكر لكل من ساهم في إنجاح هذه الزيارة، و نعتذر لكل من لم نستطع لقائهم.