عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
شهدت الفترة القليلة الماضية أربعة أحداث متلاحقة وشديدة الصلة ببعضها البعض، أكدت إن الحوار الشامل الذي دعا إليه رأس نظام المؤتمر الوطني في 27 يناير المنصرم، لم يكن سوى كابح لإنهاض عملية التغيير القادمة، والتي نراها قريبة ويراها جهابزة النظام بعيدة. المؤتمر الوطني مهر شيكاً في نهاية يناير الماضي يؤكد فيها رغبته في دفع المستحقات المتأخرة عليه على مدى 24 عاماً ونيف. ولكن عند ذهاب شبعنا السوداني- عبر أربعة نوافذ- لصرف شيك التغيير المستحق الدفع على المؤتمر الوطني، إرتد إليه الشيك في كل مرة مكتوب عليه: عفواً عزيزي العميل، لا يوجد رصيد كافٍ لصرف الشيك المستحق.

للتأكيد على تسويف وعدم كفاية رصيد المؤتمر الوطني لدفع شيك التغيير المستحق عليه، نسرد للقارىء الأربعة عملاء الذين ذهبوا إلى مصرف "التغيير" نيابة عن الشعب السوداني لصرف شيك المؤتمر الوطني، ولكنه إرتد اليهم- والينا ايضا- كشيك "طائر".
اولاً: ضربة البداية كانت في جولتي المفاوضات بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية-شمال في أديس ابابا في 26 فبراير الماضي و1 مارس الجارى. إذ طرح وفد الحركة الشعبية الحل الشامل لكافة القضايا العالقة، وبمشاركة كل الأحزاب والحركات السياسية المسلحة، ولكن الجانب الحكومي تمترس خلف الحلول الجزئية و البيع "بالقطاعي"، مما يؤكد أن الحزب الحاكم غير جاد في إيجاد حل للحروب التي أشعلها في الهامش، وليس لديه الرغبة والإستعداد لدفع شيك التغيير الذي مهره رأس نظامه في قاعة الصداقة بالخرطوم.    

الغريب في الأمر أن قادة النظام تعللوا بأنه ليس للحركة الشعبية تفويض من الشعب السوداني لمناقشة قضايا الحل الشامل، وهو موقف عنصري بإمتياز. من الذي منح المؤتمر الوطني الحق للحوار في كافة القضايا السودانية؟ ولماذا يتفاوض على القضايا القومية مع الترابي والصادق المهدي والميرغني؟ أوليست هذه عنصرية لا تقل عن عنصرية حسين شريف- رئيس تحرير صحيفة حضارة السودان- ومذكرة "الأشراف" التي أستنكرت أن يعبر البطل علي عبد اللطيف عن رأى "الأمة"، نظراً لوضاعته- على حد زعمهم.

ثانياً: نظّم طلاب من دارفور الأربعاء المنصرم "ركن نقاش" داخل الحرم الجامعي لجامعة الخرطوم للحديث حول تدهور الوضع الأمني في الإقليم المضطرب، وقامت قوات أمن المؤتمر الوطني بإنتهاك الحرم الجامعي وإغتالت علي أبكر موسى إدريس، الطالب بجامعة الخرطوم. بالإضافة إلى جرح وإعتقال عشرات الطلاب. إن إغتيال الطالب علي إدريس يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن النظام غير جاد في عملية الحوار الذي أعلن عنه عبر أعلى مؤسساته. ومن يقوم بتكميم أفواه الطلاب داخل أسوار الجامعات لن يسمح لقادة أحزابهم السياسية بممارسة نفس الحق خارج أسوار الجامعات.

ثالثاً: أصدرت محكمة الجنايات الخاصة بمدينة سنجة، حاضرة ولاية سنار أحكاماً بإدانة 17 "متهماً" غيابياً و78 "متهماً" حضورياً من الحركة الشعبية، على خلفية ما أسمته المحكمة "أحداث النيل الأزرق". إذ تفاوتت أحكام القضاة الذين يتبعون لأجهزة أمن النظام بين الإعدام شنقاً والسجن المؤبد. كيف لنظام يدعي جلاوزته أنهم يسعون للتوصل لإتفاق سلام قبل 30 أبريل القادم- الموعد الذي حدده الإتحاد الإفريقي لتوصل طرفي النزاع إلى إتفاق سلام ينهي الحرب في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق- في الوقت الذي يصدرون فيه أحكاماً بالإعدام على قادة نفس الحزب الذي يريدون التوصل معه إلى إتفاق سلام؟ من المعلوم لأي مبتدئ في دراسة العلوم السياسية إن الحوار لكي يكون مثمراً بين أطراف على طرفي نقيض بحاجة إلى ما يعرف في العلوم السياسية بـ"إجراءات تهيئة المناخ" وهي إجراءات تسبق أي محادثات سلام يزمع عقدها، لضمان نجاحها. ومن بين تلك الإجراءات، وقف العدائيات في ميدان الحرب، وقف الحرب الإعلامية في ميدان الإعلام وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين السياسيين كبادرة حسن نية على جدية الطرف الآخر. ولكن المؤتمر الوطني يتحدث بأكثر من لسان؛ ففي أثناء الجولة الأولى من المفاوضات، وفي الوقت الذي يجتمع فيه وفدي الطرفين يطلق وزير دفاع النظام تصريحات نارية وبلهاء عن إمكانيه جلبه للسلام عبر فوهات البنادق! طيب في حد حايشك يا عم؟!! وفي الوقت الذي تستعد فيه الأطراف لجولة جديدة وأخيرة للتوصل لإتفاق سلام يحقن الدم السوداني، يخرج علينا ضباط الأمن في محكمة سنجة بأحكام إعدام جائرة في حق منسوبي الحركة، لتصب مزيداً من الزيت على المفاوضات المأزومة في أديس أبابا.

أخيرا: أعلنت أحزاب المعارضة عن تنظيم ندوة لها في ميدان (الرابطة) يوم السبت الماضي في شمبات بالخرطوم بحري، وأخذت كل التصديقات اللازمة لإجراء تلك الندوة. ولكن تفاجأ الجميع بإحتلال قوات الأمن للميدان عبر نشر مئان السيارات التي تتبع لمختلف الأجهزة الأمنية، مما حدا بالقائمين على أمر الندوة الإنتقال إلى دار حزب المؤتمر السوداني ببحري، ولكن أجهزة الأمن تصدت لحاضري الندوة بالغازات المسيلة للدموع ووضع المتاريس لمنع الجماهير الغفيرة من الوصول إلى مقر تلك الندوة. لو كنت في مكان قادة نظام الخرطوم لتركت أحزاب المعارضة تقيم ندوتها في ميدان الرابطة، ولقمت بتوزيع الورود على كل الحاضرين حتي أثبت للعالم أن أبواب الحوار والحرية مشرعة للجميع، وإن السودانيين يعيشون تحت ظلال شجرة وارفة من الديمقراطية للدرجة التي توزّع فيها أجهزة النظام الأمنية الورود و "الكنافة" على المعارضين في الميداين العامة! والناس "كل الناس" "تبلبط" في بحر الحرية!. و لكن كما يقال بأن الطبع يغلب التطبع؛ لا يستطيع النظام تغيير جلده الفاشي وهو في أرذل العمر، وكل ما قيل عن الحوار الشامل وأن المؤتمر الوطني أحس أن بلادنا باتت في مفترق الطرقات ويسعي لإنتشاله من الإنهيار التام ذهب أدراج الرياح. ويموت الديكتاتور وأصابعه ممسكه بزناد مسدسه!