من أمريكا للخرطوم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

“Banking establishments are more dangerous than standing armies.”

توماس جيفرسون

 

كنت انتظر بفارق الصبر الفيلم الوثائقي (الراسمالية: قصة حب/(Capitalism: A Love Story، للمخرج الامريكي ذائع الصيت، مايكل مور. تم إطلاق الفليم في دور العرض الامريكية في الثاني من اكتوبر الجارى وهو نفس اليوم الذى ولد فيه الراحل العظيم المهاتما غاندى. و كنت من اوائل من أخذوا مقعدهم مع الجمهور الامريكي الكثيف التي اتي لمشاهدة الفيلم الذى شغلت به وسائل الإعلام الامريكية حياتنا. و ما اروع ان تشاهد فليماً وثائقياً لمور في شاشات العرض الامريكية الخلابة، مع بعض (البوب كورن) و المشروبات الغازية. قبل إطلاق الفيلم صرح مايكل مور لوسائل الإعلام انه قال كل شىء كان يود ان يقوله في هذا الفيلم، و ذلك لانه ربما لن يجد في مقبل الايام من ينتج له افلاماً في (هوليوود)  بسبب موقفه الداعي للقضاء علي النظام الراسمالي الامريكي.

 

بدأ الفيلم بعرض مشاهد عن الإمبراطورية الرومانية التي سخرت البلاد و العباد لخدمة طبقة النبلاء، مع عرض بعض الصور للرئيس الامريكي السابق جورج بوش و نائبه ديك تشيني؛ مع تعليق صاحب تلك المشاهد، عن العبودية و اعمال السُخرة التي كان يقوم بها الارقاء. و ذهب مايكل مور الي دار الإرشيف القومي ليتاكد بنفسه من الفرية التي تقول بان (الراسمالية) نص عليها الدستور الامريكي، ولكنه لم يجد اى فقرة من فقرات الدستور الامريكي تشير اليها، بل معظم فقرات الدستور كانت تشير الي الرفاهية و كفالة الحريات و الحقوق المتساوية لجميع الامريكان بغض النظر عن سحناتهم و اديانهم. و قام بعرض كلمة القاها الرئيس الراحل، ايزنهاور في 1968 يعلن فيها عن نيته في إدخال بعض المواد علي الدستور الامريكي من ضمنها: إمتلاك كل اسرة لمنزل امراً علي الحكومة ان تفي به، مجانية التعليم و العلاج. ولم يتم  تضمين هذه التعديلات في الدستور الامريكي نسبة لوفاة ايزنهاور في مارس 1969.

 

وما حدث بعد الازمة الإقتصادية لكثير من المواطنين الامريكان امر لا يستطيع المرء وصفه باقل من انه فظيع و مريع. مور عرض مشاهد من مسقط راسه (فلنت) ميتشغان حيث وصلت نسبة البطالة لاكثر من (24) في المائة –اعلي نسبة علي مستوى امريكا- وخسر الكثيرون وظائفهم، و تم عرض منازلهم للبيع في الدلالة نسبة لعجزهم عن تسديد القرض الشهرى للبنوك. وفي هذا الوضع المذرى،  رفض رئيس شرطة مدنية (فلنت) تنفيذ اوامر المحكمة بطرد المواطنين من منازلهم لانهم عجزوا عن تسديد القرض الشهرى، بل طلب منهم البقاء في منازلهم وعدم تركها لاى سبب من الاسباب. و حدث نفس الشيء في ولاية فلوريدا عندما رفضت اسرة إخلاء منزلها بامر من المحكمة، و قام سكان الحي بمؤازرة تلك الاسرة، بالتجمهر خارج منزلها. وعندما طلب احد مسؤولي الشركة التي منحتهم القرض من الاسرة المغادرة او جلب الشرطة لهم، رفضوا ترك المنزل و في لحظات اتت قوات الشرطة لكن اصرار الاسرة علي البقاء في منزلها بمساعدة سكان الحي الذين رفضوا الإنصياع لاوامر الشرطة جعل الشرطة تتراجع، وطلب قائد قوات الشرطة من افراد مجموعته الرحيل و ترك الاسرة و شانها. حينها إنهمرت الدموع من عيني، وكما قال الراحل محمد الماغوط من قبل: الحزن مثل الله موجود في كل مكان. قال مايكل مور حينها بان هذه الافعال هي المطلوبة، وهي وحدها الكفيلة بهزيمة الراسمالية، وحثّ الناس بالثورة ضد الراسمالية، وتابع: هذه معركة بين من يملكون كل شىء و من لا يملكون اى شىء. وعرض وثائق خطيرة تثبت تورط رئيس لجنة الإسكان في الكونغرس الامريكي، كريستوفر داد بتلقي تسهيلات من شركة (كنترى وايد) للعقارات، و التي من خلالها إمتلك داد كثيراً من المنازل السكنية، مقابل عمله في الكونغرس لصالح شركات العقارات. وتم هذا الامر  بشهادة احد العاملين في شركة (كنترى وايد) حيث عرض وثيقة مكتوب عليها (صديق انجلو) بالاحرف الاولي، و اوضح بان انجلو هو رئيس الشركة، و اذا وجدت كلمة (صديق انجلو) فهذا يعني بان عليك ان لا تسال عن اى مستندات من الشخص طالب الغرض للمنزل وان تعطيه القرض علي الفور!. وكان رئيس لجنة الإسكان في الكونغرس من ضمن هؤلاء "اصدقاء انجلو". وفي العام الماضي، احال  مصنعاً في (فلنت) ولاية متشغان، جميع العمال الي الشارع،  و لم تُمنح لهم اى تعويضات، عندها ثارت ثورة العمال و رفضوا مغادرة المصنع الا بعد منحهم بعض التعويضات جراء خدماتهم للمصنع. وقام سكان الحي الموجود به المصنع بجلب الطعام لهم يومياً، وبعد عدة ايام خرج عضو الكونغرس و مرشح الرئاسة الامريكية –حينها- باراك اوباما لوسائل الاعلام و طلب من العمال عدم ترك المصنع الا بعد ان يتم تعويضهم، وبالفعل بعد اسبوع من الإعتصام قامت إدارة المصنع بتعويض كل عامل ستة الاف دولار.  و الغريب في الامر ان نفس المدينة شهدت من قبل إحتجاجات لعمال احدى المصانع، وحاصرت الشرطة عمال المصنع وقتها، ولكن الرئيس الراحل روزفلت ارسل قوات الحرس الوطني لتحمي العمال و تتصدى الي قوات الشرطة اذا لزم الامر.

 

اتي مور ببعض رجال الدين المسيحي، وكان منهم راعي الكنيسة الكاثوليكية في ديترويت الذى افتي له بان الراسمالية شر و عمل غير اخلاقي، وضد تعاليم المسيح. واتي مور بمزيداً من الادلة عن شر و فساد الراسمالية عندما حاور بعض الطيارين الذين يعملون مع شركات طيران مختلفة، و هالني ما اكتشفت، تخيلوا معي بان الطيار المبتدىء يُصرف له راتب سنوى لا يزيد عن سبعة عشرة الفاً من الدولارات الامريكية! و اذا  عمل مع شركة طيران واحدة لمدة اربع سنوات لا يفوق راتبه/ها العشرين الفاً باى حال من الاحوال، وكما علق مور علي هذه النقطة بان هذا الاجر لا يساوى اجر عامل في

 (تاكو بيل) –مطعم امريكي-.

 

وفي نهاية الفيلم، يشدد مايكل مور علي ان الراسمالية الامريكية شر مستطير يجب الثورة و القضاء عليها و إستبدالها بالديمقراطية. و يختتم حديثه بالاتي:" لن اعيش في امريكا بعد اليوم." و لفت إنتباهي ايضاً، ان الفيلم من إنتاج شركتي (Paramount Vantage& Weinstein Company)، وهما يعدان من كبريات شركات رأس المال الامريكية!. مايكل مور كشف بحق عورات الراسمالية الامريكية، وهو فيلم جدير بالمشاهدة بغض النظر عن موقفنا من الراسمالية.