عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تخلص المشير البشير من كبار المسؤولين في كابينة قيادته وعلى رأسهم نائبه الأول علي عثمان طه الاسبوع قبل الماضي، وبذلك أسدل الستار على المشهد الأخير من "مسرحية" تحالف العسكر مع المدنيين الذين ينتمون إلى الحركة الإسلاموية السودانية المقبورة، ولا دائم إلا وجه الله سبحانه وتعالى.
إنتفاضة سبتمبر السلمية وإنتفاضة "الهامش" العسكرية شكلتا حافزاً قوياً للطاغية البشير لتغيير دفة الامور في دست الحكم لصالحه، لاسيما وأن وميض شرارة سبتمبر لم ينطفىء بعد. إذ أن الأسباب التي أدت إلى خروج الناس في التظاهرات السلمية في مختلف مدن السودان لم تتم معالجتها، وعلى رأسها تكميم الأفواه، البطالة والحالة الإقتصادية المذرية.
البشير يعلم  أن أيامه في السلطة باتت معدودة، لذا قام بتحصين نفسه بالعسكريين أمثال بكري حسن صالح، عبد الرحيم محمد حسين ويحي محمد خير- تم تعيينه مؤخراً وزير دولة بوزارة الدفاع. وفي ظل الأزمات التي تحاصر حكومة الديكتاتور من كل حدب وصوب، فإن تغيير الشخوص لا يعني تغيير السياسات البتة، ولا تلوح في الأفق أية بارقة أمل في أن العسكريين وعلى رأسهم المشير البشير يملكون حلاً للأزمات التي أرهقت البلاد والعباد، وهي بالطبع أزمات كانت من صنع أيديهم.
الهبوط "الناعم" الذي قام به ضابط المظلات البشير عبر إحكام قبضته العسكرية على السلطة يمثل حالة هبوط إضطراري يصعب معها التحليق و الطيران مرة أخرى في أجواء ملغومة داخل سماء حزبه وسماء بلادنا التي تستعد إلى استقبال فجر الحرية. إذ أن إستيلاء العسكر على كافة مفاصل السلطة والقذف بالمدنيين خارج كابينة القيادة سوف يخلق مزيداً من التناقضات داخل حزب الديكتاتور؛ وما خروج غازي صلاح الدين ومحمد عثمان رزق وآخرون من حزب الطاغية وتكوين حزب خاص بهم سوى بداية الغيث. وعلي عثمان الذي باع شيخه الترابي للمشير من قبل لن يقنع من الغنيمة بالإياب. بالإضافة إلى ذلك، وزير دفاع المؤتمر الوطني الفاسد لا يجد قبولاً داخل المؤسسة العسكرية، ونائب الرئيس الذي يقبع في القصر لا علاقة له بالمؤسسة العسكرية سوى إجترار الماضى مثل إجترار الأبقار للأعشاب، بعد أن "كِملت سفة التمباك وسقع الجِرة". والأهم من ذلك كله، الشعب السوداني لديه خبرة وباع طويل في مقارعة الديكتاتوريات والأجواء الآن مهيأة للتغيير أكثر من أي وقت مضى، ولا يخالجنا شك أن نهاية الطغمة الحاكمة على مرمى حجر.
هنالك بعض الأصوات في الداخل تتفق في نظرتها مع بعض الدوائر الغربية في أن خروج ما تبقي من تيار الإسلام السياسي- المدني- من السلطة وتربع العسكر على عرش السلطة يمثل سانحة جيدة للمعارضة بشقيها المدني والمسلح في تقاسم السلطة مع العسكر لحين إنعقاد الإنتخابات العامة في 2015، وتجنيب البلاد خطر التفتت والإنهيار التام. وتلك نظرة تسعى لإبقاء الوضع على ما هو عليه دون التدبر في عواقب الامور. إذ أن الديكتاتور البشير الذي أقصى أقرب الأقربين إليه- الحركة الإسلاموية وعلى رأسها الترابي- من السلطة لن يعطيها لخصومه الذين لن يتوانون للحظة واحدة في تسليمه لمحكمة الجنايات الدولية لمواجهة مصيره  مثل تشارلس تايلور.
البشير جلس في سدة الحكم قرابة 25 عاماً ولن يتنازل عن الحكم طواعية، وعلى الحالمين بتنحيه عن السلطة عبر صناديق الإقتراع أن يستخلصوا العبر من التعديلات الأخيرة التي حَصن بها نفسه ضد أعوانه وخصومه معاً. ومن يأتي إلى سدة الحكم عبر صناديق الذخيرة لن يسلمها إلى الآخرين عبر صناديق الإقتراع، وهذه ليست دعوة لحمل السلاح- على الرغم من مشروعية حمله في وجه الطغمة الحاكمة- ولكن هي دعوة إلى كل منا أن يعمل وفق الأدوات التي يجيدها في النضال ضد الطاغية؛ من يجيد فن الإنتفاضة العسكرية فيعمل به، ومن يجيد فن الإنتفاضة الجماهيرية السلمية فليقم به، دون حجر أو وصاية على أحد. قوموا إلى نضالكم يرحكم الله.