عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
استقبلتني سماء الخرطوم عشية التاسع عشر من يونيو الماضي بمزاج غير معتدل، إذ ان العاصفة الترابية قد حجبت الرؤية عن طاقم طائرة (فلاي دبي) القادمة من دبي، مما أضطر طاقم الطائرة إلى الذهاب لبورتسودان والعودة إلى الخرطوم في الرابعة صباحاً حينما اعتدل مزاج المدينة بعض الشىء.
في المقابل، الأجواء السياسية هي الأخرى كانت تشهد "مطبات هوائية" تكاد تحجب الرؤية؛ المدينة لا تكف عن الحديث في السياسة، فالكل كان يتحدث عن "قوش وود إبراهيم"، وخطة "ابو عيسي" التي حددت مائة يوم لإسقاط النظام، والجبهة الثورية التي أضحت مدفعيتها تقترب من مراكز صنع القرار في الخرطوم. وعبر هذه الحلقات الثلاث سوف أكتب عن مشاهداتي للوضع المأزوم في الخرطوم؛ وضع النظام، وقوى المعارضة السلمية الرابضة في المدن والمعارضة السياسية المسلحة التي تدير معاركها في الأطراف.
أحرص دوماً على زيارة الأهل في السودان بإستمرار عدا العام الماضي حيث لم أستطع القيام بذلك. ما لفت انتباهي في هذه الزيارة  التذمر الواسع لدى المواطن العادى حيث كنت أتجول في مناطق عديدة لشراء بعض الأغراض لإتمام مراسم زواجي في الخرطوم- وقد كان بفضل الله سبحانه وتعالي، فقد وجدت الكل يجأر بالشكوى من الحالة الإقتصادية الضاغطة ويلقون باللائمة على الديكتاتور البشير الذي عمد إلى إغلاق "بلف" البترول الذي كان يدر العملة الصعبة على البلاد- على الرغم ان الديكتاتور لم يقم بإغلاق انبوب النفط فعليا. وآخرون أعربوا صراحة عن تمنياتهم ان توفق المعارضة بكافة أشكالها في اسقاط النظام، بل من شدة الكرب الذي هم فيه رأوا في "قوش وود إبراهيم" جشوا يعبر بهم من مستنقع الديكتاتورية إلى رحاب الديمقراطية!
ذهبت إلى بعض المؤسسات الحكومية لقضاء حاجة لي، أطلع موظف- شاب في نهاية العقد الثالث تقريبا- على الأوراق التي أمامه ثم رفع رأسه قائلا:" هل أنت شقيق فلان...؟" فجاءه ردي سريعاً وحاسماً: " آي اخوه، في حاجة؟" لكنه رد على بإجابة أربكتني بعض الشيء سيما وأنني كنت متحفزاً للرد عليه. إذ قال لي: "ياخي إذا اتكلمت معاه قول ليه مالكم ومال أم روابة وأبو كرشولة.. خشو الخرطوم وريحيونا من الجماعة ديل". هذا الرجاء يؤكد أن الديكتاتور قد فقد "رأس ماله" ورصيده الجماهيري قد أوشك على النفاذ، لكنه في نفس الوقت مؤشر سلبي يكشف عن ذهنية كسولة تجيد الإنتظار على مقاعد المتفرجين سيما ان هناك رسائل خاطئة أرسلها بعض قادة الجبهة الثورية للمواطنين في الخرطوم يؤكدون فيها  قرب دخولهم الخرطوم- سوف نعرض لهذا الأمر في الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالي.  
موظفو الدولة وكل الشباب وكبار السن اصبحوا يتحدثون في الهواء الطلق عن فساد الديكتاتور، وبقية القيادات الحكومية الأخرى ولم يعد أحدهم يخشي الحديث عن سوءات بيطارة النظام الحاكم. ولكن العقبة الكؤود تكمن في قطاع عريض من الشعب السوداني لا يري ان أحزاب المعارضة تمثل بديلاً طموحاً للنظام. إذ ان احزاباً كثيرة- تحسب على المعارضة- ما زالت تبسط ذراعيها بالوصيد و عجزت عن توظيف هذا الغضب العارم لدى المواطن البسيط- سنعرض لهذا الأمر بالتفصيل في الحلقة القادمة إن شاء الله.
في الجانب الآخر، كنت في معظم الوقت الذي أنفقته في الخرطوم أخرج في الأمسيات وأعود إلى منزلي في منتصف الليل، وما شد إنتباهي في كل مرة أعبر فيها أحدى كباري العاصمة المثلثة هي مظاهر الوجود الأمني وتأمين الكباري بسيارات (جيب) محملة بمدافع دوشكا وجنود يحملون بعض الأسلحة الخفيفة المختلفة ومنهمكون في حركة دؤوبة، مما يؤكد ان قادة النظام يخشون ان يقوم أحدهم بالقفز على كرسي السلطة ليلاً أو يفيقوا من ثباتهم العميق ويجدون ان كابوس دخول المعارضة المسلحة إلى العاصمة قد أضحى حقيقة، على طريقة الجبهة الشعبية الأريترية .
مما لا جدال فيه، هو أن قبضة الديكتاتور قد إرتخت بفعل الصراعات الداخلية، والحروب في الأطراف، والضائقة الإقتصادية قد بلغت ذروتها، وأيقن  من شادوا النظام على أكتافهم- السائحون وقادة الإنقلاب الأخير-  ان نظامهم قد نفذت صلاحيتهم تماما كما البسكويت والبان (كابو).
في اعتقادي الشخصي، ان قادة النظام بإمكانهم تجنيب البلاد شلالات الدماء والتقسيم الذي يلوح فوق سماء دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، بقيادة مبادرة للحل الشامل وإعلان وقف الحرب من جانب الحكومة لإبداء حسن النية، ودعوة جميع الفرقاء السياسيين- المعارضة بشقيها السلمي والمسلح ومنظمات المجتمع المدني- إلى حوار جاد يفضي إلى تسليم السلطة إلى حكومة إنتقالية تدير البلاد لحين الفراغ من التوصل إلى دستور توافقي يلبي تطلعات الجميع دون إقصاء لأحد. والتوافق على آلية لقيام مصالحة وطنية شبيهة بلجنة الحقيقة والمصالحة التي جنَبت جنوب افريقيا  ويلات التشظي والإنتقام والإنتقام المضاد. والسلطة التي يحرسها السلاح لن تدم للمؤتمر الوطني مثلما لم تدم لمبارك والقذافي وغيرهم كثر. ودون ذلك لن يتسطيع الديكتاتور ان ينام ملء جفونه عن شواردها، فالمتربصون به كثر- من داخل وخارج حزبه- وسوف يفيف من ثباته عما قريب ليجد ان احدهم قد علق الجرس على رقبته.
ونواصل،،،