من أمريكا للخرطوم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

كتبت الشهر الماضي عبر هذه النافذة  مقالاً عن القوانين التي تكبل المرأة و تحد من حركتها. و نظرة المجتمع لقضية حرية المرأة و التي في كثير من الاحيان تكون سالبة خصوصاً بان هنالك من يربط ما بين كلمة (حرية) و (إنحلال) علي الرغم بانه ليس هنالك رابط بينهما الا في مخيلة من يرون ذلك.

وتلقيت تعليقاً عبر بريدى الإلكتروني من آنسة –اتحفظ علي ذكر إسمها لاني لم استشرها في نشر التعليق- و اخترت من تعليقها المطول هذه الجزئية من غير اى تعديل فيها:" يعني الواحده تمشي الشغل و تجي تلقى جارتا متلبده ليها جنب الباب و تسالها(اها ما في عريس؟) كانه الواحدة طالعة في رحلة بحث عن عريس و لا مع المرتب حيدوها بونس عريس؟! المجتمع ينظر للمراه و كانما هي مخلوق درجه ثانية و اذا كان عندها طموح و ارادت تحقيق ذاتها اعتبروها متحررة و مسترجلة....الخ من الاوصاف المهينة. المشكلة انو الكثير من الناس هذه المفاهيم الغلط راسخة في اذهانهم حتي بعض النساء اصبحن يفكرن بهذه الطريقة. زي ما قال نزار قباني :   فلماذا تهتم بشكلي و لا تبصر عقلي؟ و الجواب واضح للإعتقاد باني لا املك عقلاً".

وهنا اتفق معها تماماً بان الكثير من العادات و التقاليد في مجتمعنا تضع المرأة في مرتبة اقل من الرجل و في معظم الوقت يُقتصر دورها علي الإنجاب، تربية الاطفال، رعاية المنزل، و تلبية مطالب سي (السيد) الذى عادة ما يكون منتفخ الاوداج مثل الديك (الشركسي) خصوصاً في بيته الذى يعتبره مركز إمارته التي هي بمثابة إمارة الحجاج بن يوسف الثقفي في الكوفة!. فلا صوت يُسمع في تلك الإمارة الا صوت (طال عمره) ولا احد يشرب او يتنفس الا باذنه. و الويل و الثبور و عظائم الإمور لزوجته إن فكرت في القيام بثورة إصلاحية ضد قبضته الحديدية، لرماه حينها بالمنجنيق كما رمي به الحجاج الكعبة المشرفة  علي ايام ولاية عبد الله بن الزبير علي الحجاز.

هنالك خلل تربوى واضح، فمعظم الاسر عندما تجنب إناث تقوم بتربيتهن منذ نعومة اظافرهن علي اساس انهن عروسات علي الرغم من انهن ما زلن اطفال لا يفرقن ما بين العريس و القميص. مضافاً الي ذلك الاهل و الاقارب الذين يقومون باللعب مع هؤلاء الاطفال و (تعالي يا عروسه!) و ما شابه ذلك من ادوات التعليم المبكر لاداء الدور المرسوم لهن سلفاً.

و عندما تصل الفتاة سن الخامسة عشر يجب تزويجها قبل ان تغدر بها الايام و يفوتها قطار الزواج الي غير رجعة خصوصاً اننا نعيش في مجتمع ذكورى، الذكر منا في حِل من كل القيود و لا يعيبه سوى (جيبه). و العنوسه في مجتمعنا تطال النساء دون الرجال بحسب العرف السائد، لان البنت كلما تقدم بها السن كلما قّل خُطابها وهي دوماً مطلوب لها (السُترة) وكما تعلمون بان (السُترة و الفضيحة متباريات) حذو النعل بالنعل في مجتمعنا، اذاً فلا مناص من(سُترة) الفتاة  حتى لا (تبور) مثل (قرع) و د العباس . الغريب فى هذا الامر ان الفتاة اذا لم  تُفلح في الحصول علي عريس وداهمتها العنوسة بغتة كما داهم (خليل) ام درمان تتحمل هذا "الفشل!!" لوحدها. وفي الجانب الاخر العنوسة عند الرجال فهي (للجدعان) ويصير عدم زواج المرء ليس فشلاً يُحسب عليه بل يُقال بانه لم يتزوج رغبة منه في ذلك وليس من قلة البنات!. وبعض اصدقائي هنا في امريكا عندما اسال احدهم لماذا لم يتزوج فلانة خصوصاً بانه اخبرني  من قبل بانه سوف يقترن بها،  يرد علي:" الكلام  دا صاح لكن الزوله دي طلع عندها اميال كتيرة/   has a high mileage وهو هنا يشبهها بالسيارة فكما تعلمون بان اى سيارة عندما يقودها صاحبها لفترة طويلة عندما يقرر بيعها لن يجد لها مشترٍ بسهولة لان صاحبها قادها لفترة طويلة ووضع فيها الكثير من الاميال –بالقياس الامريكي- او الكثير من الكيلومترات –بالقياس السوداني- فهل ترون معي عدم الإكتراث و الحساسية تجاه الجنس الاخر خصوصاً عن الحديث عن فتاة تريد الإقتران بها. فالمراة عند البعض مثل السيارة كلما تقدم بها العمر او (مشت اميال كتيرة!) فهي غير مرغوبة و إن وجدت من يشتريها فسوف يشتريها بثمن بخس.

ولدى قبيلة الدينكا مثل يقول بان (الشجرة الكبيرة ضلها بارد) بمعني ان الشجرة كبيرة السن تتمتع بظل بارد، وهم بالتاكيد هنا لا يتحدثون عن الشجرة بل يتحدثون عن المراة كبيرة السن لانها تتمتع بالعقل الراجح و الرزانة و الخبرة. وكما تقول الإحصائيات الامريكية بان الرجال الامريكان اتجهوا نحو البنت الكبيرة في السن عند الزواج لانهم يرون بان لديها خبرة في الحياة  العامة و الخاصة اكثر من الفتيات الصغار. و هنا يتضح لنا بان العنوسة مسالة ثقافية و اصنام من (عجوة) صنعها البعض لتكبيل النساء برفع سيف العنوسة فوق اعناقهن، فهلا التهمنا اصنام (العجوة)  هذه مثلما التهمها سيدنا عمر بن الخطاب من قبل؟!