عبد الفتاح عرمان
من واشنطن للخرطوم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أوردت قناة العربية الإخبارية  نقلاً عن مصادرها الأمنية- بحسب ما ذكرت القناة- الخبر التالي: "كشفت مصادر أمنية لـ"العربية" عن مصادرة الحكومة السودانية لكل ممتلكات لينا، ابنة مالك عقار الكبرى، والتي تعمل ملازم اول في إدارة جوازات الاجانب بالشرطة السودانية، وهي عبارة عن منزل بمنطقة اركويت، إحدى المناطق الراقية بالخرطوم، اهداه لها والدها عقار الذي يحارب الحكومة حالياً في النيل الازرق، كما صادرت حكومة البشير سيارة هامر وصالة تملكها ببرج البركة، وهذا كل ما لديها". تابعت القناة: "واضافت المصادر ان هناك اتجاها لاقالتها أيضا وإعفائها عن العمل لم يصدر بعد، علما بأن ابنة عقار الان مختفية ولا يعرف احد مكانها، فهي لم تحضر للعمل الخميس بحسب زملائها، كما اغلقت كل هواتفها، بعد أن صودر منزلها، لكن مصادر تؤكد أنها ما زالت موجودة بالخرطوم وانها على اتصال بوالدها".
هزني هذا الخبر بشدة، وأفسد عليّ يومي وأنا أتأمل في مياه نهر (البوتامك/Potomac) الثائرة في واشنطن، بفعل مياه الفيضانات التي عكّرت صفو النهر مما أفقده اتزانه المعهود فيه، وأغرق حواري واشنطن المتعبة بفعل إقتصاد تهاوي كما تتهاوي قلاع القذافي في ليبيا. كما أسلفت، حزّ في نفسي هذا الخبر، لأنني مررت بنفس تجربة لينا كريمة والي ولاية النيل الأزرق المقال، دون أن أكون موظفاً لدي الحكومة أو صاحب أملاك، ولكن لمجرد أن شقيقي كان يقاتل حكومتنا السنية منذ مطلع 1986م إلى أن وصلا إلى هدنة محدودة من 2005م إلى أواخر مايو 2011م. 
لا أعتقد بأن قضية لينا مع الحكومة هي الأملاك أو السيارة (الهمر) التي أهداها إياها والدها، وإلا لقامت حكومتنا السنية بالتحقيق معها حول هذه الأملاك قبل دخول والدها في حرب مع الحكومة، خصوصاً بأن قناة العربية الإخبارية ذكرت أن من قاموا بالإستيلاء على ممتلكاتها جهاز الأمن، وليس جهات قضائية أو عدلية، مما يؤكد بأن مصادرة الممتلكات والفصل من العمل تأتي على خلفية الحرب الدائرة في النيل الأزرق.
بين عامي 1998 و1999م إنتقلت من مدرسة طابت الثانوية إلى مدرسة بحري الحكومية بالخرطوم بحري. تم قبولي بالصف الثاني في مدرسة بحري الحكومية، وكنت أجلس في مقدمة الفصل الدراسي وإلى جواري كان يجلس الصديق جوك فاولينو نيوك دوت- جلسنا إلى جوار بعضنا البعض عن طريق الصدفة المحضة، ودون ترتيب مسبق-، ولم أكن أعلم وقتئذ أن جلوسي إلى جوار "جنوبي" سيُتخذ لاحقا كدليل إثبات ضدي، وأن أخرج من التحقيق مدان!.
حاول بعض أعضاء إتحاد مدرسة بحري الحكومية تجنيدنا - شخصي وجوك- إلى إتحاد الطلاب، (الكديت) أو جمعية القران الكريم- في حالتي لأن جوك مسيحي-، رفضنا دخول هذه التنظيمات لأن كنا نعلم سلفاً أن هذه تنظيمات تستقطب الطلاب حتي يصبحوا لاحقاً أعضاء في تنظيم الجبهة الإسلاموية. مصدر رفضنا لم ياتٍ لاني كنا منضويين تحت جناح أي حزب أو حركة بل لأننا أدركنا في تلك السنوات أن ما تقوم به الجبهة الإسلاموية من تقتيل لأبناء الوطن الواحد تحت رايات الإسلام غير صحيح، لأن المشكلة سياسية، وإلباسها ثوباً غير التي هي عليه سيعزز من النعرات الدينية في وطن تتقاذفه الأنواء والمحن مثل سنابل القمح في عزّ الشتاء. هذا بالإضافة للتنكيل بالمعارضين في "بيوت الأشباح"، وقمع المظاهرات بالرصاص الحي.
تم إستدعائي إلى جوار جوك فاولينو إلى مدير المدرسة أكثر من مرة، حيث حذرنا من مغبة تحريض الطلاب من عدم الإنضمام إلى إتحاد الطلاب، الكديت، او جمعية القران الكريم، وكان ردنا في كل مرة: نحن لا نحرض احداً على عدم الإنضمام.. وإنما نقول رأينا بصوت مسموع.
بعد التخرج من بحري الثانوية ذهبنا لقضاء فترة الخدمة الإلزامية في معسكر الدخينات، الذي يقع بعد الكلاكلة.  لم أستمر في المعسكر سوي ثلاثة أيام، حيث تعرضت للتحقيق، الضرب والإهانة طيلة تلك الفترة، وهي قصة طويلة هذا ليس موضعها. ليس لشىء سوى أنني دون إختياري كنت شقيقاً لاحد المناوئين لحكومتنا السنية- وهو أمر مبعث شرف لي، وما زال. وما يؤكد على ما كنا نقوله بإستمرار في أن هذه الحكومة تستخدم الدين كغطاء لقضاء مآربها الدنيوية أكدته لنا عبر تلك الممارسات. لأن رب العزة سبحانه وتعالي يقول في محكم تنزيله: "وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ". سورة الزمر، الآية 7. إذ أن الله سبحانه وتعالي يوضح لنا في آيات محكمات أن لا نأخذ الناس بجريرة غيرهم، فما بال حكومتنا السنية؟ أم إنها مثل فرعون ترى نفسها في مقام رب العباد- والعياذ بالله-. فحكوتنا السنية ينطبق عليها المثل الشعبي: غلبها راجلها عايزة تأدب حماتها. لماذا تصادر ممتلكات كريمة عقار؟ وما جريرتها لتفصل من العمل؟
بإمكان حكومتنا السنية أن تنكل بأسر المعارضين ليس بمصادرة ممتلكاتهم أو باستخدام أي وسائل قمعية أخري، لكن هذه الممارسات لن تخرج "الجنرال من متاهته"، وعاجلاً أو آجلاً سيكون مصيره إلى مزبلة التاريخ، إن لم يكن إلى مزبلة لاهاي!.