من واشنطن للخرطوم
عبد الفتاح عرمان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ظل الطيب مصطفي رأس الرمح لتيار الإنفصاليين الشماليين منذ التوقيع على بروتكولات مشاكوس التي تٌوجت بتوقيع إتفاق السلام الشامل في نيفاشا الكينية بين المؤتمر الوطني ممثلاً لحكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان كممثل شرعي لجنوب السودان، ظل رافضا لتلك الإتفاقية جملة وتفصيلاً؛ دون أن يآبه إلى العوامل والظروف الداخلية والخارجية التي قادت الطرفين للتوقيع عليها.

عجز المؤتمر الوطني القضاء على الحركة الشعبية عسكريا، كما عجزت الحركة عن هزيمة الطرف الآخر عسكريا نسبة لتوازن القوة. توزان القوة هو الذي جعل الطرفين يجلسان إلى طاولة المفاوضات لإبرام إتفاق سلام. وهنا لا نغفل الدور الكبير الذي لعبته دول كبرى على رأسها الولايات المتحدة بالجزرة تارة، وبالعصا تارة أخرى، لكن الضغط الدولي على الرغم من أهميته كان عاملاً مساعدا على توقيع الإتفاقية، لكن الدور المحوري يرجع إلى أن الطرفين كانا منهكين لدرجة لا تسمح لهما بمواصلة الشوط إلى نهايته.

"الخال الرئاسي" إستبعد كل هذه العوامل وحَمل الأستاذ علي عثمان طه النائب الأول لرئيس الجمهورية حينئذ ما أسماه بـ"التخاذل" والرضوح للضغوط الدولية نزولا عند رغبة الحركة الشعبية وتسليم الحركة الجنوب بأكمله و اشراكها في السلطة في الحكومة المركزية!. وأصبح "الخال" معبرا عن أكثر دوائر المؤتمر الوطني إنغلاقاً- تحت مسميات مختلفة-؛ ومن يتشكك في هذا الامر عليه مراجعة مقالاً لأحد كتبة النظام يوم أمس الأول، وهي مقالات كشف فيها عن الدعم الذي يتلقاه الخال الرئاسي من الحكومة في الجهر والسر للتعبير عن سياسة التيار الإنفصالي والمتشدد داخلها. ولعب الخال دورا رئيسيا في الدفع بالجنوبيين للتصويت لصالح الإنفصال. و ما يدعو للحيرة أن الخال الرئاسي يتهم إسرائيل بالكيد للسودان، ومحاولة تقسيمه إلى خمس دويلات- لسنا بصدد تبرئة إسرائيل- لكن السؤال الذي يطل برأسه كما تطل العذارى من خدورهن هو: هل إسرائيل في حوجة إلى تقسيم السودان وهناك من يقوم بهذا الدور عنها بافضل ما يجب؟ بالتاكيد لا، لاسيما أن الخال الرئاسي قام بتقطيع أوصال السودان عبر صحيفته الإنفصاليه دون الحاجة لإسرائيل أن تتآمر على السودان.

الخال الرئاسي ظل ولفترة ليست بالقصيرة يروّج إلى أن علي عثمان طه قد "باع القضية" وأحسن من يعبر عن المؤتمر الوطني في المرحلة الحالية هو "صقر" النظام د. نافع علي نافع- على حد زعمه- لكنه ابتلع يوم أمس الأول حديثه عن "نافع صقر النظام" الذي ظل يفرغه في أفئدة العامة كما تفرق المياه في بطون القناني الفارغة؛ وأبتلعه كما تبتلع الأفعالي الضفاضع في البِرك الآسنة؛ حيث شن هجوما كاسحا على إتفاق (أديس أبابا) الذي وقعه "صقر الوطني" نافع على نافع نيابة عن حزبه وحكومة السودان مع الحركة الشعبية قطاع الشمال. وعقد الخال الرئاسي مؤتمرا صحافياً رفض فيه الإتفاق جملة وتفصيلاً! محذرا من أن المضي فيه- الإتفاق- سيقوده إلى الحرب عليه وعلى من وقعوه، "وباطن الأرض خير من ظاهرها"- على حد قوله. تأمل أعزك الله، رئيس مجلس إدارة صحيفة يعقد مؤتمرا صحافيا يهدد فيه الحكومة، ويُعلن عن إستعداده للجهاد والإستشهاد! أعلم طال عمرك، ستقول لي أن الخال يُعبر عن رأي "منبره" الإنفصالي في الإتفاق، لكن هل سمع احدكم عن أي منبر أو حزب في العالم يهدد بالحرب على حكومته لانها تريد وقف سفك الدماء؟! الخال لا يٌعبر عن منبره أو صحيفته- أكد الهندي عز الدين هذا الأمر- بل يعبر عن تيار داخل السلطة، ويتلقى الأموال في السر والعلن من الحكومة للقيام بهذا الدور. ويبدو أن الرئيس البشير يسير على نهج الخال، حيث أعلن عقب أدائه لصلاة الجمعة بمسجد النور بحي كوبر عن اصداره لاوامر لقادة جيشه بالقبض على المتمرد عبد العزيز الحلو وتقديمه للعداله- على حد قوله- مما يعني عمليا نسف إتفاق "نافع/عقار" بأديس أبابا.

قرار شن أي حرب هو عملية سهلة لكن قرار وقفها ليس كما لو انك تغلق صنبور مياه. إذ أن قرار شن تلك الحرب في يدك لكن حالما أشعلتها فسيكون هناك طرف آخر إن هزمك فهو من يضع لك الشروط، وعلى احسن الفروض، إذا حدث توازن في القوة فلن يكون قرار وقف الحرب في يدك وحدك، بل في يد الطرف الآخر كذلك.. والمِظليون أدري منّا بذلك.

بعد أن افلح الخال الرئاسي في فصل الجنوب يريد المزايدة على قيادات داخل حزب المؤتمر الوطني، والخال بكل تأكيد من المؤثرين داخل- المؤتمر الوطني-، وإن حمل لافتة أخرى.  الخال الرئاسي يريد أن يستولي على المؤتمر الوطني بعد إزاحة علي عثمان طه من مركز التأثير على الأحداث، يسعي كذلك إلى إزاحة  نافع علي نافع بحجة أن الآخير متخازل ايضا! حتي يخلو له الجو لقيادة التيار الأكثر تشددا داخل المؤتمر الوطني، ليقوده إلى حتفه بظلفه. فالخال الذي يستعين ببعض القيادات داخل الجيش والأمن ملهبا لحماسهم بأن باطن الأرض خير لهم من ظاهرها لن يذهب معهم إلى جنوب كردفان لمحاربة الحلو أو خليل في دارفور أو عقار في النيل الأزرق، بل لن يذهب معهم لنزع أراضي مزارعي الجزيرة. لأن الخال يملك في ظاهر الأرض- ثمانية وكالات دعاية وإعلان- الأمر الذي  يجعله يتشبث بظاهر الأرض مثل العقيد القذافي. والخال الرئاسي يتمرغ في نعيم "الإنقاذ" كما تتمرغ الثعالب في مزارع العِنب، حتي بشم ولا تفنى العناقيد.

توقيع نافع علي نافع على إتفاق أديس أبابا لم يكن صدقة منه، وهو ليس بالشيخ البرعي، نسأل الله أن ينزل عليه شآبيب الرحمة والمغفرة؛ بل نافع عرف بحسه السياسي أن بقاء السودان الشمالي بمنآى عن المحن والإحن، وما يدور من حوله يكمن في إطفاء الحرائق والتوصل إلى منطقة وسطي ما بين أشواق المعارضة وطموحات حزبه؛ فما بال الخال الرئاسي يريد أن يصبح وصياً على نافع وحزبه مثلما أصبح وصيا على الشعب السودان؟ حتي عُرف عند العامة بـ"خال السودان".

نتمني أن لا يؤدي ما يجري داخل (حوش) المؤتمر الوطني إلى إنشقاق و مذكرة (عشرة) جديدة داخله، ليس حبا فيه، بل تجربة إنشقاق الأحزاب السودانية ظلت مريرة جداً، وإنشقاق أو إنقلاب (الناصر) صّعب من  التوصل إلى إتفاق سلام مع الحركة الشعبية في عام 1991م، والإنشقاقات المتوالية في الحركات التحررية الدارفورية عقدت مشكلة دارفور بصورة أكثر، وإن حدث إنشقاق داخل حزب المؤتمر الوطني الآن سيكون مردوده كارثي على ما بقي من شمال السودان، سيما وأنه الحزب الممسك بزمام السلطة لاكثر من عشرين عاما خلت.