من واشنطن للخرطوم
عبد الفتاح عرمان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عندما جاءت حكومة (الإنقاذ) إلى السلطة في يونيو 1989 كشفت عن (مشروعها الحضاري) لأسلمة الدولة والمجتمع. هذا المشروع لا تقف حدوده عند جوبا جنوبا أو في قمة جبل (رعد) عند الحدود الأثيوبية بل يتجاوزهما إلى أسلمة كل القارة الأفريقية، الأمر الذي أشار إليه د. غازي صلاح الدين عندما كان ممسكا بملف التفاوض مع الحركة الشعبية في منتصف التسعينيات. حيث قال لدول الإيقاد حينما طلبت منه كممثل للحكومة السودانية القبول بمبادئ الإيقاد- كانت مبادئ الإيقاد تشير في ديباجتها إلى الفصل بين الدين والدولة-  كمدخل لحل الأزمة مع الجنوب، لكن صلاح الدين أفزع قادة دول الإيقاد في 1998 بان نظامه لا يسعى إلى أسلمة الجنوب فقط بل مشروعه يمتد لأسلمة كل القارة الأفريقية!. ومن هذا المنطلق بشّرنا نظام (الإنقاذ) حينئذ بان (روسيا وأميركا قد دنا عذابهما)، وأنهم على وشك أن يرفعوا الآذان في دولة الفاتيكان الكافرة!- دولة الفاتيكان هي أصغر دولة في العالم لكن رمزيتها الدينية تتمثل في كونها مقرا للرئاسة العليا للكنيسة الكاثوليكية ويجلس على رأسها الحبر الأعظم(البابا).  
وظللت عازباً  منذ ذاك الحين إلى يومنا هذا، ممنيا نفسي بان أدخل الفاتيكان مع (أخوان نسيبة)، تاركا لهم رفع الآذان في عرين الحبر الأعظم لأتزوج من رومية- عساها تمُت إلى صهيب الرومي بصلة رحم-؛ شقراء لونها يسر الناظرين، لأخرجها من ظلمات الفاتيكان إلى نور الإسلام الحنيف، مثلما أخرج المارينز الراحل صدام حسين من حفرة في باطن الأرض. 
لسوء حظي العاثر، انقسم أصحاب المشروع الحضاري على أنفسهم، وصاروا (قصرا) و (منشية)، وتوالي انكماش مشروعهم الحضاري إلى أن تخلوا عن رفع الآذان في الفاتيكان واكتفوا بأسلمة أفريقيا، لكنهم سرعان ما انقلبوا على عقبيهم؛ وفي نهاية المطاف تخلوا عن  رفع الآذان في الجنوب، و قاموا بفصله عن الوطن الأم في يناير الماضي!. فالمشاريع ذات الأسماء الرنانة والطنانة مثل (مشروع أسلمة الدولة والمجتمع) تبدأ عادة كبيرة مثل البالونات المنتفخة لكن عند أول اختبار لها تنكمش وتنغلق على نفسها مثل القنافس حينما تشعر بمهدد خارجي لحياتها. فمشروع مثل مشروع الجبهة الإسلاموية الذي حاول جهابزة النظام تطبيقه على كامل السودان بكل تنوعه وتعدده إذا لم يسع أصحاب المشروع أنفسهم، وانقسموا حوله إلى قصر ومنشية كيف له أن  يسع كامل القطر؟! وما النزيف الذي يحدث في غرب وشرق ووسط وشمال وجنوب السودان إلا أعراض تدل على أن هذا المشروع تعفن من رأسه مثل الأسماك تماما، وليس هناك من سبيل سوى دفنه إلى جوار الأموات وليس الأحياء، إذا اردنا أن نحافظ على ما بقي من ارض الوطن من تشظى ودمار.  
وبعد اجتياح نظام المؤتمر الوطني لآبيي، اعتلوا مآذن أبيي لرفع الآذان هناك! وكأن من في المدينة من الأوس والخزرج! أبيي ينقصها التنمية والدفع بأجندة أهل المنطقة من مسيرية ودينكا  ليتعارفوا ويتساكنوا مع بعضهم البعض مثل ذي قبل، لا ليتقاتلوا؛ فمسيرية أبيي هم رعاة وليسوا دعاة. على دولة الكيان السوداني- السلف- أن لا تتصرف مثل دولة العدو الصهيوني بإحتلال المدن ثم يُصرّح قادتها بانهم يريدون حلا سلميا لها. طال عمرك، إذا دخل لصا بيتك في عتمة الليل، وعندما أفقت من نومك عند الفجر ووجدته محتلا بيتك، ويحاول طمأنتك بأنه لن يؤذيك، بل يريد الوصول إلى حل سلمي معك، هل سيكون هذا الأمر مقبولاً بالنسبة لك؟ أكاد أجزم بالنفي.. هذه صورة مقلوبة، على الجيش السوداني الانسحاب من المنطقة وتركها لقوات الأمم المتحدة، وإبعاد قوات الطرفين منها لحين التوصل إلى حل يرضي سكان المنطقة- مسيرية ودينكا- قبل أن يرضي أصحاب الأجندة السياسية من الطرفين، وما دون ذلك ذر للرماد في العيون.