من واشنطن للخرطوم
عبد الفتاح عرمان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كما هو معلوم، بان لبنان ظلت تُحكم دوماً من قبل سوريا؛ وبقاء الحكومة اللبنانية وضمان استمراريتها واستقرارها يتم عبر (الريموت كنترول) من داخل غرف تحكم قيادة حزب البعث السوري في دمشق.
أعلن الجيش السوداني في بيان صادر عنه يوم الجمعة الماضي عن مهاجمة قوة من الجيش الشعبي- جيش جنوب السودان- لقافلة من جنوده المنسحبين شمالا برفقة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في منطقة أبيي المتنازع عليها. وبحسب بيان القوات المسلحة الذي تناقلته وكالات الأنباء المحلية والدولية فقد هاجم الجيش الشعبي قواته  بالأسلحة الثقيلة، مما أدى إلى وقوع خسائر كبيرة. لكن بيان قوات الأمم المتحدة التي كانت ترافق قافلة القوات المسلحة أورد رواية مختلفة لنفس الحادثة، حيث أوضح بان مسلحين مجهولين هاجموا القافلة- قافلة القوات المسلحة- ما أدى إلى إصابة شخصين- على حد تعبير البيان.
ونحن هنا لسنا بصدد تبرئة أي جهة من حادثة الهجوم على القوات المسلحة، ونؤكد على رفضنا التام للتصعيد العسكري من قبل الجانبين؛ ونرفض رفضا قاطعا جر الشعب السوداني- جنوبا وشمالا- إلى أتون الحرب مرة أخرى مهما كانت المسوغات. لكن بيان القوات المسلحة المعني واحكام سيطرته على أبيي بعد أقل من أربعة وعشرين ساعة من اعلانه الهجوم عليه يقدح في روايته حول الحادثه، لاسيما انها جاءت مختلفة عن رواية بعثة الأمم المتحدة. إذا لم تقم قوات الجيش الشعبي بمهاجمة كتيبة القوات المسلحة عند تواجدها في أبيي، فكيف تقوم بمهاجمته عند انسحابها؟! القضية في وجهة نظرنا- التي تسندها المعلومات المتوفرة لدينا- هي أكبر من هجوم وهجوم مضاد.
بحسب بعض قيادات الصف الأول في الحركة الشعبية الذي التقيتهم في واشنطن في الفترة الماضية- منهم من يمسكون بملفات ذات حساسية عالية- هناك جهات (انا ما بفسر وانت ما تقصر) عملت طيلة الفترة الماضية على تدريب (2000) من المليشيات التي تم تسريحها من القوات المسلحة لتوفيق أوضاعها قبل الانفصال؛ وجري تدريبها في معسكر (فتاشة)، وعُين السلطان عبد الباقي أييي قائدا لها، وكما هو معلوم، فإن أييي  اعلن عن خبر انشقاقه عن الجيش الشعبي من الخرطوم وليس جوبا. بالإضافة إلى تدريب (200) ضابط- في الكلية إياها- لصالح القائد قبريال تانقجينا، الذي تمرد على حكومة الجنوب. فالمؤتمر الوطني ظل ولفترة ليست بالقصيرة، يتفاوض مع قيادة الحركة الشعبية بالنهار وينام مع المليشيات الجنوبية بالليل.
وبحسب هذه القيادات فإن مخطط المؤتمر الوطني كان يهدف إلى تحويل جنوب السودان إلى كرة من اللهب يحرق لهيبها وجه الحركة الشعبية قبل مطلع يوليو القادم- موعد استقلال الجنوب- حتي تتخذ الخرطوم هذا الأمر ذريعة لعدم اعترافها باستقلال الجنوب والقيام بالسيطرة على آبار البترول لضمان عدم انقطاع إمدادات النفط، بحسب خطة محكمة يتم الإعلان عنها لاحقا.  هذا الأمر علمت به الحركة الشعبية مبكرا ونجحت في افشاله عبر اسرها  لقبريال تانقجينا؛ ونجاح تعبان دينق، والي ولاية الوحدة الغنية بالنفط في السيطرة على الانفلات الأمني بولايته. 
الأمر الآخر، هو أن قيادة المؤتمر الوطني كانت تسعي إلى تغيير تركيبة حكومة الجنوب الحالية قبل الاستقلال المرتقب، لاسيما أن قيادة المؤتمر الوطني ترى بأن الحكومة الحالية يسيطر عليها ما أسمته بـ(تيار أولاد قرنق)؛  وقائمة مطالبها كانت تشتمل على  لام أكول أجاوين- اخ الوطني في الرضاع-  وزيرا لخارجية حكومة الجنوب، وبونا ملوال مستشارا لرئيس حكمة الجنوب. وبذلك ستكون الحكومة الجديدة أداة طيعة في يد قيادة المؤتمر الوطني مثل ماهو الحال بالنسبة  للرئيس السوري، بشار الأسد فيما يتعلق بالحكومة اللبنانية.
وكما هو معلوم للقارئ، أن حكومة الجنوب لم (تلحق أمات طه)، وما زالت مسيطرة على الوضع الأمني بصورة مرضية لشعبها وللمجتمع الدولي. ورفضت الاستجابة لطلب المؤتمر الوطني باستيعاب لام أكول وكوكبة نادي الصفوة الجنوبية في المؤتمر الوطني داخل حكومة الجنوب، لأنها كانت تعلم جيدا أن دخول هؤلاء إلى داخل كابينة قيادة حكومة سيشكل حمولة زائدة (Over load) ستعمل على تفكيك الكابينة من الداخل، مما يؤدي إلى تحطهما جراء الحمولة الزائدة؛ فعمدت إلى رفض مثل هكذا طلب. 
الأمر الآخير، هو احتجاز المؤتمر الوطني لأبيي كرهينة لحين حل القضايا العالقة والوصول إلى اتفاق أفضل فيما يتخص بالبترول، خصوصا انه طلب من الحركة الشعبية الموافقة على نسبته الحالية من البترول- 50%- حتي ينضب بترول الجنوب، ورفضت الحركة هذا الطلب. لكن مؤخرا الحركة الشعبية غيّرت إستراتجيتها بشأن أبيي وما تبقي من قضايا عالقة بالتخلي عن أبيي مؤقتا وترك المؤتمر الوطني يجرجر رجليه حول أهمية التوصل إلى اتفاق في القضايا العالقة قبل اعلان استقلال الجنوب إلى التركيز في استقلال الجنوب حتي يصبح الجنوب دولة ذات سيادة وتتمتع بعضوية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، حتي يتم التفاوض مع المؤتمر الوطني من موقع قوة- دولة ذات سيادة تفاوض دولة جارة ذات سيادة. المؤتمر الوطني عندما علم بهذا الأمر أراد عرقلة هذا المسار حتي تتوصل معه حكومة الجنوب إلى اتفاق واضح بشأن البترول كمسالة عاجلة وملحة؛ لان في مناخ عدم الثقة هذا ربما تجد حكومة الجنوب مساعدات من المجتمع الدولي لفترة الخمسة أعوام القادمة حتي تقف على رجليها دون الحوجة إلي تصدير البترول عبر الشمال؛ ماذا سيفعل المؤتمر الوطني إذا قالت له الحركة الشعبية حينها: أننا لا نريد تصدير البترول عبركم ونريده تحت الأرض للأجيال القادمة؟ وسعيكم مشكور!.  
ولا نغفل أن المؤتمر الوطني يسعي لاعادة اجواء الحرب، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة، حتي يبعد الانظار عن أزمة غلاء الأسعار والمظاهرات المطالبة بمياه الشرب التي عمت الخرطوم مؤخراً. بالإضافة إلى مأزقه في جنوب كردفان بتزويره لإرادة الناخبين هناك، وانسحاب الحركة الشعبية من العملية بمجملها على الرغم من فوز الحركة الشعبية بنصف مقاعد المجلس التشريعي تقريبا؛ مما يخلق فراغا دستوريا في الولاية، ولن يستطيع احمد هارون حكم الولاية دون الحركة الشعبية.. اللهم إلا إذا كان ينوي حكمها من الخرطوم وليس كادقلي.
هذا الوضع، لا يعفي الحركة الشعبية من المسؤولية فهي أيضا مطالبة بالتوصل لإتفاق في كافة القضايا العالقة لأن استقرار الشمال في استقرار الجنوب، والعكس صحيح. وتصادف وجودنا في جوبا مطلع العام الجاري مع زيارة الرئيس البشير لجوبا، واعلان رئيس حكومة الجنوب عن طرده لبعض قيادات الفصائل الدارفورية المسلحة من الجنوب، لكن في الوقت ذاته، من طٌردوا حملوا معهم زاد الطريق، ولسان حالهم يقول: إن خير الزاد قاذفات الصواريخ!. هذه الخطوة لم تكن موفقة سوى تمت بعلم سلفا أم لا.. لان سكب الزيت في النيران المشتعلة سيجعلها تتمدد رأسيا وأفقيا مما يعني إنها لن تقف عند حدود بيت جارك، بل ستتمدد لتلتهم بيتك أيضا. 
واجتياح المؤتمر الوطني لأبيي مثل قصة الرجل قابله قطاع طرق (Bandits)  في الشارع العام، وطالبوه بخلع ملابسه حتي الداخلية منها، ولم يتركوا له سوى (طاقيته)؛ وذهب إلى قريته عاريا مثل ما خلقه الله، وعندما راءه أهل القرية على تلك الشاكلة سالوه لماذا لم ياخذ قطع الطرق طاقيته ايضا، فرد عليهم: والله لو هبشو طاقيتي دي كان عرفو حاجة.  فأين الحكمة في أن يفصل المؤتمر الوطني الجنوب، اى ما يعادل ثلث مساحة السودان ويحتل أبيي؟! ألم يكن من الأولى له اجتياح الجنوب بدلا عن أبيي؟!