من واشنطن للخرطوم
عبد الفتاح عرمان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 
"أي إلهي ان لي أمنية / ان يسقط القمع بداء القلب/ والمنفى يعودون الى أوطانهم ثم رجوعي
لم يعد يذكرني منذ اختلفنا غير قلبي.. والطريق صار يكفي/ كل شيء طعمه.. طعم الفراق
حينما لم يبق وجه الحزب وجه الناس/ قد تم الطلاق"*
 
توقفت في الحلقة الأولي عند مشاهد وصور من الخرطوم قبل توجهنا إلى جوبا لتغطية إستفتاء حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان للإختيار بالتأكيد على وحدة البلاد أو الإنفصال (الإستقلال).

قبل توجهنا إلى جوبا في الرابع من يناير الماضي حذر جهاز الأمن والمخابرات (الوطني) القنوات الفضائية الأجنبية- على قلتها- من استضافة اى سياسي معارض للحديث لها عن قضية الإستفتاء ومآلاته إلى جانب قضيتي دارفور و التحول الديمقراطي اللتان ستظلان مطلبا شعبيا في حالتي الوحدة والإنفصال.

وتعرض السيد مبارك الفاضل المهدي لقطع الإرسال المباشر عنه أثناء حديثه لقناة (الحرة) الأميركية عندما تدخل أفراد جهاز الأمن. وتم إلغاء كافة المقابلات التي تم الترتيب لها مع نائب الأمين العام للحركة الشعبية ورئيس قطاع الشمال مع القنوات الفضائية بأمر من الأجهزة الأمنية.. هكذا تركنا الحال في الخرطوم وتوجهنا إلى جوبا.

في فجر الرابع من الشهر الجاري توجهنا إلى جوبا حاضرة جنوب السودان. الأجواء السياسية والمناخية كانت مختلفة تماما عن الخرطوم؛ مواكب المهرجان والإحتفالات بقرب الإستقلال كانت تعم المدنية مع إعتدال في درجات الحرارة.

على المستوى الشخصي، كنت أشعر بحزن عميق لذهاب الجنوب، في حادثة لن تقيد ضد مجهول لاسيما أن الفاعلين بعضهم ذهب إلى رحاب الله- لا مرضيا عنهم- والآخرين ما زالوا ممسكين بزمام الامور. الحركة الشعبية تقول بأن الإنفصال كان نتيجة حتمية لتمسك المؤتمر الوطني بمشروعه ورفضه لمشروع السودان الجديد! والسؤال الذي يطرح نفسه: هل كانت الحركة الشعبية تتوقع أن يُستقبل مشروعها بالورود والياسمين؟ على كل، كسب القوميون الجنوبيون داخل الحركة الشعبية الرهان في (جونبة) الحركة وحصرها في حدود 1/1/1956م جنوبا.

وفي الجانب الآخر، سقط المشروع الحضاري للمؤتمر الوطني إلى غير رجعة، وما إنفصال او إستقلاله إلا دليلا وبرهانا حياً على أنه- المشروع الحضاري- مشروع إقصائي وعنصري بغيض.

لكن حزني لن يمنعني من تهنئة اخواننا واخواتنا في جنوب السودان بالإستقلال. وهناك من أرسلو لي رسائل عبر البريد الإلكتروني مستنكرين لفظة "الإستقلال" لانها تستخدم للإنعتلاق من ربقة المستعمر؛ أتفق معهم حول هذا الأمر، لكن في نفس الوقت دعونا ننظر لهذا الأمر من وجهة نظر محايدة. لا احد يختلف معنا بأن حكومات ما بعد الإستقلال بكافة أشكالها ومسمياتها اتخذت سياسات إستعمارية وخاطئة عند معالجتها للأوضاع في الجنوب، واحرقت مدن وقرى بأكملها دون اى اعتبار لأعراف وتقاليد ومواثيق حقوق إنسان إقليمية ودولية. وأخر هذه السياسات كانت سياسات الحكومة الحالية التي أعلنت الجهاد ضد الجنوبيون. ماذا نسمي إعلان الحكومة الجهاد والإستشهاد ضد مواطنيها؟ وتصدير الشهداء واستيراد القتلى؟  اوليست هذه نفس أدوات المستعمر؟

القوميون الجنوبيون مارسوا عمليات شحن إعلامية كبيرة لعقول العامة وشعارات "لا للجلابة.. ولا للمندكورو.. وباباى خرطوم" كانت تشق صمت مدينة جوبا عبر مكبرات الصوت. والمسلمون في جوبا ايضا شاركوا بصورة فاعلة في حملة الإستقلال، وتجد لهم أكثر من لافتة في شوارع جوبا كتب عليها "منبر مسلمي جنوب السودان للإنفصال" وأهم هذه اللافتات كانت تشغل حيزا كبيرا أمام مسجد جوبا الكبير.
في الثامن من يناير الماضي عشية الإستفتاء على حق تقرير المصير بدأ المقترعون يتجمعون أمام مراكز التصويت منذ العاشرة ليلا، ونام معظمهم في الصفوف الطويلة حتي صباح اليوم التالي. ذهبنا عند الصباح الباكر إلى ضريح مؤسس الحركة الشعبية الراحل الدكتور جون قرنق حيث تم إقامة مركز تصويت داخل الإستاد الذي يضم الضريح؛ وعند الثامنة صباحا حضر النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب، سلفاكير ميار ديت وأدلي بصوته في وملأت عيناه الدموع تعبيرا عن الفرحة بالخلاص الذي أنتظره طويلا.. وطويلا جدا.
خاطب الحشود الغفيرة ووسائل الإعلام بكلمة مقتضبة حيا فيها الدكتور جون قرنق وشهداء الحركة الشعبية. وكان في معيته كبار قيادات الحركة الشعبية امثال ربيكا قرنق، دينق الور، جميس كوك وبرنابا بنجامين وغيرهم. وأتجهت ربيكا قرنق إلى ضريح زوجها الراحل الدكتور جون قرنق وأجهشت في البكاء؛ وغني عن القول بأنه لولا قرنق مبيور وحنكته لما وصل جنوب السودان لهذا اليوم المشهود.

والمفارقة تكمن بأن قرنق مبيور كان يحلم بتغيير السودان عبر مشروع الحلم الفسيح (السودان الجديد) لكن من خلفوه فضلوا الإنكفاء جنوبا.
سارت عملية الإقتراع بصورة أذهلت الجميع بما فيهم الجامعة العربية والمؤتمر الوطني الذي كان يهدد برفض نتيجة الإستفتاء؛ وجرت العملية في أجواء سلمية و هادئة دون أن يُعكر صفوها اى حادثة- ولو فردية. وتم السماع لما يزيد عن (660) وسيلة إعلام محلية وإقليمية ودولية بتصوير كافة المشاهد داخل وخارج مراكز التصويت، وكل القنوات الإخبارية قامت بدورها – كما تراه هي- دون اى تدخل من قبل الأجهزة الأمنية في حكومة الجنوب. بل وزراء حكومة الجنوب كانوا متاحين لكافة القنوات الفضائية، وقوات الشرطة كانت كانت متعاونة معنا لدرجة كبيرة، وبصورة محترمة. المواطنون كذلك، تعاملوا مع الجميع بصورة حضارية وراقية؛ فشكرا لشعبنا في الجنوب على هذا التعامل الحضاري.

تعرفت على شاب من أبناء منطقة الهشابة في النيل الأبيض- لا أرغب في الإشارة إلى اسمه لاني لم آخذ اذنا منه في إيراد اسمه-؛ هذا الشاب يمتلك بقالة إلى جوار الفندق الذي كنت أقيم، كنت كلما اذهب لشراء شىء منه اتجاذب معه أطراف الحديث. سألني عن رأيي في الإنفصال فقلت له بأني حزين لهذا الأمر لان السودان بلد عظيم ولا يستحق هذا المصير. حكي لي قصة ذات مغزى، وهى أنه يقف مع الإنفصال معللا هذا الأمر بأنه كان يملك بقالتين في أم درمان حي الثورة وقام بتركهما بعد أن ارهقت الضرائب كاهله لذلك جاء إلى جوبا لان الحكومة لا تاخذ ضرائب منهم. والأمر الآخر، هو بأنه يؤيد الإنفصال لان تصريحات قادة المؤتمر الوطني السلبية في حق المواطن الجنوبي في الخرطوم تؤثر عليهم في جوبا عبر المضايقات الفردية؛ وبإنفصال الجنوب يكون التاجر الشمالي في الجنوب قد ارتاح من دفع فاتورة تصريحات  قادة المؤتمر الوطني في الخرطوم. لم استغرب هذا الأمر خصوصا بأن هذا الشاب نظر للوحدة من منظور المصلحة الشخصية، وهذا حقه بكل تأكيد.

إستقلال الجنوب لم يعد بالخبر الطازج، ويجب إتخاذ هذا الأمر لفتح صفحة جديدة ما بين الشمال والجنوب، صفحة عنوانها المصالح والمنافع المشتركة، وبناء علاقات متكافئة لمصلحة الطرفين ولمصلحة التسعة مليون نسمة الذين يقطنون في حدود الدولتين. والإتفاق على حرية التنقل والسكن والعمل في الدولتين. وفيما يخص الشمال، على المؤتمر الوطني أن يشكل حكومة إنتقالية تضع دستورا جديدا لدولة الشمال بالإتفاق على إنتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة؛ وقبل كل شىء حل الأزمة في دارفور بصورة ترضي أهل الإقليم المنكوب، والتوافق مع جميع المجموعات الأخرى، وغير هذا الطريق لا نرى مخرجا للشمال من التشظي والسقوط المريع؛ وإن رفض جهابزة المؤتمر الوطني هذا الأمر فلن يكون مصيرهم أفضل من مصير طاغية تونس الذي هرب في جنح الظلام من غضبة الجياع.

*أبيات من قصيدة (ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة)  للشاعر الراحل مظفر النواب