من واشنطن للخرطوم
عبد الفتاح عرمان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 
 
"وطنا حبيبنا رغم البين هي الاشواق/ حنينا اليك زين يا زين يظل دفاق/ ما حوجتنا ونديك/ ورناعليك دوا وساساق/يلاقي البينا بين واديك اناقي غزيرة ما ها فراق /نحبك من طرف ننجم برغم قطايع الاملاق /مابتزم علاقة دم وفا وتاريخ على الإطلاق /إذا ما الغربة لمتنا على ذات الخلق واخلاق /وطن وين كان في زمتنا فكيف يبقى الزمن فراق /هي الاشواق وما بين السما والارض مد اشواق /وما طال المطر بيصب طبيعي انو الارض ما راق/ كما انو العكار من طين كمان من طين بجي الرواق"*
قبل  ثلاثة أسابيع من الإستفتاء على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان ذهبت إلى الخرطوم لتحية الأهل والأحباب ثم الوقوف على الوضع السياسي في الخرطوم قبل التوجه إلى حاضرة جنوب السودان، جوبا للعمل مع طاقم قناة (البي بي سي/BBC) لتغطية حدث تاريخي سيغير خارطة السودان، ويلقي بتبعاته على دول الجوار الإقليمي عند إدلاء الجنوبيون بإصواتهم لصالح الإستقلال
- كما تؤكد كل المؤشرات.
الخرطوم لم تعد هي الخرطوم، حيث لا وجود للجنوبيين في السوق العربي او أماكن تجمعاتهم المعروفة عدا اعدادا قليلة جدا منهم تجدهم في أطراف المدينة او في مناطق متفرقة من العاصمة. العاصمة القومية لم تعد كذلك، بل بدت لي عاصمة غير التي عرفت في السابق؛ لكنها بلاشك ليست عاصمة للنقلاء العرقي كما يتشدق الطيب مصطفي وصحبه من أصحاب نظرية أسلمة وعروبة السودان الشمالي- بعد الإنفصال- بل هي ما زالت وستظل عاصمة تمور بأصحاب البشرة الأفريقية السمراء- من أمثالي- وآخرون تختلف درجة لونهم من اللون القرنفلي إلى الداكنة لكنهم جميعهم في نهاية المطاف أفارقة وإن رأى بعضهم غير ذلك.
غول المعيشة يطحن الغلابة من أبناء شعبنا، وأبناء بلدي موتي على قيد الحياة. المواد الضرورية من غذاء وماء ودواء إرتفع ثمنها بصورة جنونية. وجهابزة المؤتمر الوطني جعل الله أكبر همهم ومبلغ علمهم تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان الشمالي بعد إنفصال الجنوب!. اذا، ما الذي كنتم تطبقون طيلة الفترة الماضية؟! ما طبق طيلة الفترة الماضية يا سادتي بإمكانكم تسميته اى شىء عدا انه شريعة اللهم إلا اذا كانوا يقصدون شريعة الغاب. وهل تطبق الشريعة على شعب جائع؟
نجحت دعوات صحيفة (كانجورا) الإنفصالية العنصرية في تأليب بعض السذج ضد ما بقي من الجنوبيين في الشمال. وشاهدنا وإستمعنا لأسر جنوبية تم تهديدها من قبل البعض بالرحيل من منازلهم صوب الجنوب لانهم أصبحوا أجانب ولا يحق لهم العيش في الشمال!. وفي بعض الحالات، تم هدم أسوار منازل في الخرطوم يقطنها جنوبيون من قبل بعض الشماليين؛ مطالبين أصحابها بإخلاءها لهم ليس لانهم قاموا بشراءها منهم بل لانهم يعتقدون أن الجنوبيين أصبحوا- قبل الإعلان عن نتيجة الإستفتاء- أجانب ولا يحق لهم التمتع بالسكن في الخرطوم! كما يقول الطيب مصطفي صاحب الأفكار الهتلرية. طمأنا كل من تحدث لنا بأن هذه الحوداث فردية، ونرى عدم وصولها إلى وسائل الإعلام ليس تحيزا؛ ولكن إيقانا منا بأن الفتنة نائمة، ويجب عدم إيقاظها لاسيما أن الشماليين والجنوبيين على ضفتي النهر؛ وهناك هدوء نسبي يسود الخرطوم وجوبا، ولا يحتاج سوى إلى عود ثقاب حتي يتحول إلى بورندي آخرى.
وتكشفت لنا حقيقة واحدة، هي أننا كشعب لا نختلف عن الآخرين في شىء، أما الأخلاق والقيم التي نتمتع بها ولا يتمتع بها الآخرين ليست سوى أصنام من العجوة قضت عليها هذه الحوداث التي صارت تقع يوميا مثلما قضي سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه على صنم العجوة خاصته على أيام الجاهلية.
ونسي العروبيون قول الشاعر
أقبل على النفس واستكمل فضائلها/ فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
على المستوى السياسي، شهدت فترة ما قبل أعياد الميلاد ورأس السنة تواجدا شرطيا وامنيا كثيفا في العاصمة المثلثة، وأستعرضت الشرطة قوتها التي حوت دبابات وقاذفات صورايخ! معلنة إستعدادها لحماية المقترعون للإستفتاء بقوة قوامها (17) آلالاف شرطي! لكن في باطن الأمر إستعراض العضلات لم يكن لحماية الإستفتاء بقدر ما هو حماية للنظام من دعوات المعارضة بالنزول للشارع؛ وكما قالت الشرطة لوكالات الأنباء المحلية والعالمية (العايز ينزل الشارع يجربّ).
قامت شرطة النظام العام بإلقاء حفل الأستاذ الكبير، محمد وردي في رأس السنة بعد أداءه لإغنية واحدة بحجة أن الحفل تجاوز منتصف الليل! على الرغم من أن الدنيا (رأس سنة) بالإضافة إلى قيمة التذكرة التي بِيعت بـ(125) جنيها!.
أما المعارضة، فحالها يغني عن سؤالها، بعضها ذهب إلى التفاوض في جنح الظلام مع جهابزة المؤتمر الوطني لملء المقاعد والوزارات الشاغرة بعد أن تتركها الحركة الشعبية عند الإنفصال. والبعض الآخر، يُعلن في الصحف عن نيته إسقاط النظام في تواريخ محددة! كأنهم يظنون أن في رؤوسنا (قنابير)! وهل من يريد إسقاط النظام يُعلن عن ذلك في الصحف؟!
الكل في إنتظار معجزة على الرغم من أن زمن المعجزات قد ولى إلى غير رجعة؛ او على أسوأ الفروض في إنتظار الشارع ليحملهم إلى مقاعد السلطة الوثيرة كما حدث في اكتوبر 1964م ثم التوجه إلى وكالات الأنباء العالمية اولا ثم المحلية ثانيا للحديث عن تخطيطهم وتدبيرهم لقيام الثورة الظافرة المباركة منذ دجى يونيو 1989م.
هكذا تركنا حال الخرطوم وتوجهنا إلى جوبا.
.............................................................. ونواصل الاسبوع القادم بإذن الله.
 
 
*أبيات من قصيدة (مصابيح السما التامنة وطشيش) للشاعر الكبير محمد الحسن سالم حُميّد.