من واشنطن للخرطوم
عبد الفتاح عرمان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
“We cannot solve our problems with the same thinking we used when we created them"
البرت إنشتاين

بلغت في الأونة الأخيرة حدة التراشق الإعلامي ما بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية الى إنقسام الناس الى معسكرين وحدوي وأخر إنفصالي. ووصل هذا التراشق الإعلامي مداه للدرجة التي كشفت للملأ عن شحنات العنصرية والشوفينية التي تكنها النفس البشرية الأمارة بالسوء.  
ومابين تصريحات كمال عبيد (سيد الإبرة) و(جالون بنزين) مارتن مادوت و"كفالة" الطيب مصطفي لاتيم قرنق في حالة الإنفصال يتم تدمير ما هو أكبر وأعظم من إنفصال جنوب السودان الا وهو التعايش السلمي ما بين شعوب السودان المختلفة.   الحكومة السودانية بقيادة الدكتور علي الحاج كانت قد وقعت إتفاق فرانكفورت في فبراير 1992 مع مجموعة الناصر بزعامة د. لام أكول، والذي نص صراحة على إعطاء مواطني جنوب السودان الحق في تقرير مصيرهم.
وتبع هذا الأمر إعتراف آخر من القوى الشمالية المعارضة في حق شعب جنوب السودان في تقرير مصيره في العاصمة الأرترية أسمرا في 1995 فيما عرف لاحقا بميثاق أسمرا للقضايا المصيرية. إذا، كل الأحزاب السياسية وافقت على إعطاء شعب جنوب السودان الحق في تقرير مصيره سوى في البقاء ضمن السودان الواحد الى الإنفصال وإقامة دولة خاصة بهم.
وفشل الموقعون على إتفاقية السلام الشامل ولإسباب كثيرة لا يسع المجال لحصرها في جعل الوحدة جاذبة للمواطن الجنوبي طيلة الفترة الماضية. وكأن بالدولة السودانية تقول للمواطن الجنوبي: غيب وتعال تلقانا نحن يانا نحن.. ما غيرتنا الظروف ولا هزتنا محنة.
المجال الأن لا يتسع لإصدار الفرمانات والبيانات  لتحميل اى طرف مسئولية تفكيك السودان لان الكل تقع عليه مسئولية ضياع الوطن بما في ذلك الجالسين على الرصيف.
ما قال به وزير المالية السابق، عبد الرحيم حمدي في ندوة (مألات الإستفتاء وتداعياته) يوم الأربعاء الماضي حول ترك الجنوب ينفصل دون عراقيل اذا كانت هذه رغبة اهله هو أمر يجب الإشادة به لأن منع شعب الجنوب من ممارسة حقه في تقرير مصيره سوف تقود الى حرب لا تبقي ولا تذر، والوحدة الجبرية مع الحرب أفضل منها الإنفصال مع السلام والإستقرار.
كما يجب البناء على طرح الأستاذ عبد الرحيم حمدي في قيام إتحاد اقتصادي بين الجنوب والشمال في حالة الإنفصال، وانشاء منطقة اقتصادية حرة وسوق مشتركة وعملة موحدة دون اى تدخل سياسي من اى طرف منهما، بالإضافة الى تمتع مواطني الدولتين بإتفاق للحريات الأربعة مثل المعمول به مع الشقيقة مصر.
وعلى الساسة في الشمال والجنوب التأكيد على أن الإنفصال السياسي لا يعني إنفصالا إجتماعيا.
الشماليون في الجنوب والجنوبيون في الشمال يجب النظرة إليهم مثل أطفال نتجا عن حالة زواج ما بين الشمال والجنوب وعند طلاق الزوجين يجب أن يحظيا بحب والديهما شمالا وجنوبا. وعلى البشير وكير إسكات شياطين الإنس الذين يمهدون الأرض لمذابح جماعية لا تبقي على شمالي في الجنوب ولا على جنوبي في الشمال. وفي حالة الإنفصال سوف يظل الجنوبي سوداني بحكم نشأته وثقافته وإرثه ولن ينزع عنه كائن من كان سودانيته التي هي أكبر من الأوراق الثبوتية، وهي ليست خيمة (أبالة) تطوى عند رحيلهم من منطقة الى اخرى، وكذلك هو الحال بالنسبة للمواطن الشمالي في الجنوب.
إثارة الكراهية ضد أبناء الجنوب في الشمال هي نفس طريقة التفكير القديمة التي قادتنا الى ما نحن فيه الأن، ولن تنجح في جلب السلام والإستقرار الى الشمال حتي وإن إبتلعت الأرض جنوب السودان أرضا وشعبا عندها سوف يطالبون بنزع الجنسية من أبناء دارفور، وجبال النوبة، وجنوب النيل الأزرق الى أن يصل الأمر إلى حي العباسية بأم درمان وصولا الى حوش بانقا.  
وكما قال البرت إنشتاين: لا يمكننا حل مشاكلنا بنفس طريقة التفكير التي إستخدمناها في صناعة هذه المشاكل.
الأمر الآخر، لا اجد مبررا لسعادة البعض بإنضمام (15) قياديا جنوبيا من المؤتمر الوطني الى الحركة الشعبية كان على رأسهم اللواء السون مناني مقايا، لان الإصطفاف وعلى ضفتي النهر وبصورة إثنية (شماليون/ جنوبيون وعرب ضد أفارقة ومسيحيون/مسلمون) سوف يأزم المشهد السياسي أكثر مما هو عليه. ويجب الإشادة والدعم للمتواجدين من هؤلاء وأولئك على ضفتي النهر لانهم ظلوا بإستمرار يشكلون حائطا منيعا ضد (الإكليشهات/Clichés) والتصنيفات القديمة منذ ثورة اللواء الأبيض في 1924م. وإن لم يشكلوا أغلبية لصالح  وحدة السودان اليوم فأبناءهم او أحفادهم سوف يشكلون هذه الأغلبية لاحقا، وفي تجربة باراك حسين أوباما عبرة ومثل يحتذي.