من واشنطن للخرطوم
عبد الفتاح عرمان
عند وفاة المرجع الشيعي اللبناني، آية الله محمد حسين فضل الله اوائل شهر يوليو الماضي، علقت اوكتافيا نصر، كبيرة محرري قناة (السي إن إن/CNN) لشؤون الشرق الاوسط، علقت على وفاته فى صفحتها الخاصة على موقع (تويتر/Twitter) الإلكتروني واسع الإنتشار، بالقول:" يحزنني سماع نبأ وفاة السيد محمد حسين فضل الله أحد عمالقة حزب الله الذين أكن لهم احتراماً كبيراً". هذا التعليق لصحافية من اصول لبنانية، تهتم بما يجري فى وطنها الام، اثار جدلاً واسع النطاق فى العاصمة الامريكية واشنطن لاسيما ان حزب الله اللبناني وضعته الإدارة الامريكية على قائمة المنظمات الإرهابية. إثر هذه العاصفة من النقد تراجعت اوكتافيا عن ما كتبت، وقالت انها اخطأت التقدير. هذا الإعتذار لم يكن كافيا لإدارة قناة (السي إن إن) التي قامت بفصلها من عملها بعد تجربة امتدت منذ 1990 حتى يوليو 2010.
لا شك ان قناة (السي إن إن) الإخبارية ذات تجربة عميقة ورائدة فى نقل الاخبار فى سرعة وإحترافية عالية، لكن كيف لقناة فى حجمها لا تسمح للعاملين بها التعبير عن رأيهم الخاص على مواقع الإنترنت؟! وهل الديمقراطية تتجزأ؟ وهل بإمكاننا ان نؤمن ببعضها ونكفر بالبعض الآخر؟!
بعض الصحف العربية هاجمت الولايات المتحدة وإدعاءاتها الكاذبة حول الديمقراطية! وآخرين هاجموا اللوبي اليهودي وسطوته على اجهزة الإعلام الامريكية، وآخرين صبوا جام غضبهم على مالك القناة اليهودي، تيد تيرنر –على حد تعبيرهم-. ولا يملك المرء إزاء هذا التهريج الا يقول حسبنا الله ونعم الوكيل.
مما لا شك فيه، أن إدارة قناة (السي إن إن) قد أخطأت فى قرار فصلها لاوكتافيا نصر لاسيما ان الاخيرة عبرت عن رأيها الشخصي بعيداً عن شاشة (السي إن إن). وهذا الفصل يتعارض مع مبدأ حرية التعبير التي كلفها الدستور الامريكي الذى يُعلو ولا يُعلي عليه فى ظل مؤسسات تحترم هذا الدستور، ولا يُسمح لكائن من كان بتجاوزه. وعملية الفصل بتلك الطريقة التي تمت بها يشوه صورة هذه القناة –السي إن إن- التي تقوم بوعظ المواطن الامريكي ليل صباح عن الممارسة الديمقراطية واثرها على المجتمع، فى الوقت الذى تمارس فيه ديكتاتورية لا مثيل لها عند التعامل مع موظفيها، ولكن فاقد الشىء لا يعطيه.
اما تيد تيرنر مالك القناة، فهو رجال اعمال امريكي ولد فى 19 نوفمبر 1938، فى مدينة (سنسيناتي) بولاية اوهايو الامريكية لابوين امريكيين غير يهوديين. وفى سن التاسعة انتقل مع اسرته الى ولاية جورجيا حيث تلقي تعليمه الاكاديمي هناك. وتزوج اكثر من مرة، اخرها كان فى عام 1991 حين تزوج الممثلة الامريكية المعروفة جين فوندا، وإنفصل عنها فى 2001م. يعد تيرنر من كبار رجال الاعمال الامريكيين فى مجال شبكات البث التلفزيوني. فهو يملك بالإضافة الى (السي إن إن) قنوات اخرى مثل (تي إن تي/ TNT، وسي بي إس/CBS)، بالإضافة الى قنوات ترفيهية اخرى.
اما فى عالم السياسة، فقد تناولته وسائل الإعلام الامريكية فى 19 سبتمبر 2006 بكثافة، وصوبت عليه معظم القنوات التلفزويونية مدفعية ثقيلة، خاصة القنوات التي يملكها اليمين الامريكي المتطرف واللوبي اليهودي. فى ذلك اليوم، سئل فى مؤتمر نظمته (رويترز) حول صناعة الاخبار، سئل تيرنر عن موقفه من برنامج إيران النووي، فكان رده:" إيران دولة ذات سيادة، ولدينا –الولايات المتحدة- 28000 رأس نووية لماذا لا يمكنهم امتلاك عشرة رؤوس نووية؟ ونحن لا نقول شيئا عن اسرائيل التي تملك 100 رأسا منها". بهذا التصريح اقامت معظم وسائل الإعلام الامريكية الدنيا ولم تقعدها، لكن تيرنر لم يتزحزح عن موقفه قيد انملة الى يومنا هذا.
واذا تحدثنا عن مواقف الراحل، آية الله العظمي محمد حسين فضل  كداعية ومرشد ديني نجدها متقدمة لدرجة كبيرة عن الكثير من الشيوخ الذين يعج بهم العالم الإسلامي. فهو كان بإستمرار نصيراً للمرأة المسلمة، وأهمية إنصافها؛ ووقف بصلابة ضد تشريعات الجرائم التي تتعلق بالشرف. وظل آية الله العظمي حتي ساعة مماته ينادي بالتجديد فى التشريعات الإسلامية حتى تتماشي مع روح العصر الحديث لا القرن السابع الهجري. من لا يحترم من ينادي بكل هذه الإصلاحات بغض النظر عن ديانته اعتقد أن عليه ان يراجع مكان قدميه. لان العقلاء فى كل مجتمع وفى كل دين مثل آية الله فضل الله يجب إحترامهم وتقديرهم، لان امر الاديان هذه الايام اصبح فى يد المتطرفين الذين لا يرون فى الآخر سوى هدف يجب إصطياده إبتغاء مرضاة الله، والدخول عبر سفك دمه الجنة، وإن قتلك فأنت ايضا ذاهب الى الجنة .. فى كلا الحالتين انت ذاهب الى الجنة.
على كل لا نستطيع الجزم بان اللوبي اليهودي لم يكن خلف فصل اوكتافيا نصر، لان الصحافة لا تعرف لغة الكهنة وإنما لغة المعلومات ومصادرها حتي لا نتجني على الآخرين. اما اذا اراد المرء السير فى طريق الدهماء فله ذلك بكل تأكيد. ولا نستبعد تدخل احد اطراف الإدارة الامريكية فى هذا الامر لاسيما ان موقف الإدارات المتعاقبة كان واضحاً فى كيفية التعامل مع حزب الله اللبناني الذى يُعتبر حزباً إرهابياً –حسب تصنيف الإدارة الامريكية له-. هذا على الرغم من أن الراحل آية الله العظمي محمد حسين فضل الله لم يكن منتمياً الى حزب الله او ابا روحياً له كما ذكرت اوكتافيا نصر.. ومن الحب ما فصل من العمل! لاسيما فى بعض وسائل الإعلام الامريكية.


abd alfatah saeed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]