من واشنطن للخرطوم

عبد الفتاح عرمان

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

قرأت مقالاً للأستاذ عادل الباز، مالك ورئيس تحرير الزميلة (الأحداث) على صفحات (سودانايل) الغراء، يوم الخميس الماضي، جاء تحت عنوان: تحت رماد التصريحات!!.

 

بدأ فيه الباز –وكعادته- متفائلاً بالمفاوضات التي تجرى فى الجارة اثيوبيا ما بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية حول مناقشة قضايا ما بعد الإنفصال، مثل البترول، وديون السودان الخارجية، والجنسية –حسب ما اعلن-. لكن الباز يرى غير ذلك، وتكهن بمناقشة الشريكين لقضية وحدة السودان لاسباب كثيرة عددها الباز، لكن نسبة لضيق المساحة نقتطف منها الاتي: ما استقر برأيي أن المفاوضات التى تجرى فى إثيوبيا هى مفاوضات لها علاقة بإعادة التفاوض حول وحدة السودان وليس لترتيبات مابعد الاستقلال. ببساطة لأنه لايمكن مناقشة تلك الترتيبات الآن. لكل الأطراف مصلحة يمكن أن تتحقق من نجاح تلك المفاوضات. السودان الكاسب الأكبر بالحفاظ على وحدة أراضيه والمؤتمر الوطنى سيكسب نجاحا سياسيا باهرا. الحركة ستكسب لأنها ستكون فى موقف تفاوضي أفضل بكثير من موقفها بنيفاشا، وستنال أكثر مما تطلب حال موافقتها على الوحدة.

 وحثّنا –معشر الصحافيين- على عدم التوقف عند ما يجود لنا به الساسة من تصريحات، لانهم يصرحون باشياء غير الذى يتم نقاشه فى الغرف المغلقة. اتفق معه حول هذه النقطة، لاني كنت فى كثير من الاحيان قريباً من بعض الغرف المغلقة التي تدور فيها مناقشة قضايا حساسة لكن عند الخروج من الغرف المغلقة تتفق الأطراف على نقل صورة عامة وليس ما دار فى المباحاثات، وعلى الرغم من علمنا ان ما صرحوا به لا يمت بصلة لما دار داخل الغرفة المغلقة لكن إلتزاماً منا بمبدأ الحيادية والدقة فى النقل، ننقل ما جادوا علينا به، ونستخدم ما نملك من معلومات فى كتابة مقال او تقرير عن ما دار خلف الابواب الموصدة.

 

هذه المرة، كنت اتمني ان اكون متفائلاً مثل الاستاذ الباز لكن كما يقال الجواب بيبان من عنوانه. طال عمرك، هل سمعت فى حياتك ان رئيس دولة ما ونائبه الاول ذهبا الى دولة ما لحل خلافاتهما؟ ذهاب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لاثيوبيا للتوسط بينهما بمساعدة النرويج، وجعل رئيس جنوب افريقيا السابق، ثابو امبيكي وسيطاً وحكماً بينهما إنما يدل على عدم ثقة الشريكين فى مقدرتهما على حل المسائل العالقة بينهما، ويدلل اكثر على ان الثقة ما بين الطرفين معدومة تماما بينهما، للدرجة التي تجعلهم فى حوجة وبإستمرار الى وسيط خارجي بعد اربع سنوات ونصف من عمر إتفاقية السلام الشامل!. فهل مع ذلك يجدي التفاؤل؟ لا اريد نقل رؤية متشائمة للقارىء الكريم، لكني ارى انه من واجبي نقل الصورة الى المواطن العادى كما هي من غير وضع مساحيق تجميل صحافي عليها حتي يكون على بينة من امره، وهنا بالطبع لا انوي تصريحا او تلميحا القول بان الاستاذ الباز يعمل على خداع القارىء الكريم –معاذ الله-. فالوضع السياسي الراهن غاتم ولا يبشر بخير ابداً. وهذا وضع يتحمله شريكا الحكم بصورة اكبر والأحزاب المعارضة بصورة اقل.

اخي الباز، ما دار فى إجتماعات اثيوبيا –للاسف- هو ما تم الإعلان عنه

 –بحسب مصادر حضرت المفاوضات- بل تم ايضا مناقشة الإتهامات المتبادلة لكلا الطرفين حول دعم كل منهما لمعارضة الطرف الآخر. وعلمنا من نفس المصادر عن إنهيار المفاوضات ما بين الطرفين لتشدد قادة المؤتمر الوطني، الامر الذى اغضب قادة الحركة الشعبية –على حد تعبير مصدرنا-.

 

كما هو معروف، البنك الدولي –مقره واشنطن- لديه قسم خاص لكل دولة فى العالم، وكان هناك قسم خاص للسودان، لكن لو زرت المؤسسة الدولية اليوم واردت الوصول الى قسم السودان عليك ان توضح ماذا تقصد بالسودان! قسم السودان الشمالي ام الجنوبي؟ لان المؤسسة الدولية خلقت قسمين للسودان مما يعني انها تعلم مسبقاً بنتيجة استفتاء الجنوب فى مطلع يناير القادم، لذلك هيأت للدولة القادمة مقعدها منذ الان. وقول يا (باسط)!.

للاسف، مناورات المؤتمر الوطني والحركة لشعبية فى قضايا استراتيجية مثل الوحدة الطوعية، وقسمة الثروة والسلطة، والتعامل مع هذه القضايا بإعتبار انها قضايا تكتيكية الحقت ضرراً بليغاً بالوطن، وبهما –الطرفين- فى نهاية المطاف.

واصبح التعامل مع حكومة الوحدة الوطنية وما بين حكومة الجنوب مثل الضُرة. ومثال حي على ذلك، عندما قدم مستشار رئيس الجمهورية –وقتها-

 د. غازى صلاح الدين برفقة وزير الخارجية –السابق- الاستاذ دينق الور الى نيويورك لحضور إجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة، طلب الور مراجعة خطاب السودان قبل قراءته امام الجمعية العام بواسطة صلاح الدين –رئيس الوفد- لم يسلم له بحجة مراجعته، وعند وصول وفد السودان الى الجمعية العامة لإلقاء الخطاب اصر الور على مراجعته، واعطي له على مضض، وعند قراءة الاخير له وجد فيه فقرة تشير الى تقصير حكومة الجنوب فى توفير الأمن لحماية مواطنيها! خرج الور على فوره مغاضبا ولم يحضر إذاعة الخطاب. لنفترض جدلاً، ان حكومة الجنوب مقصرة فى توفير الامن لمواطنيها، فمن المسؤول الاول عن هذا الامر؟ الرئيس البشير ام نائبه كير؟

لماذ نذهب بعيداً، فور تمرد الفريق، جورج اتور على الجيش الشعبي، سارع التلفزيون "القومي" على إستضافته وإجراء حوار معه! الا يُعتبر هذا فعل عدائي ضد الجيش الشعبي؟ لاسيما ان الجيش الشعبي بحكم إتفاقية السلام جيش قومي، وفى حالة الوحدة سوف يتم دمجه ليصبح جزءاً من الجيش السوداني. اذاً لصالح من يتم إستعداء النائب الاول وجيشه؟

 

بالتأكيد، الحركة الشعبية ايضاً، لعبت على تناقضات المؤتمر الوطني، ومدت يدها لإعداءه، ووجدت فى نظرية عدو عدوي صديقي متكأ لها. وحرق بعض منسوبيها دور المؤتمر الوطني فى بعض الولايات الجنوبية، ولم تقم –الحركة- بإجراء تحقيق مستقل حول تلك الحوداث وتقديم مرتكبيها للعدالة، وإن فعلت  لربما ساعد هذا الامر فى مد جسور الثقة مع شريكها فى الحكم.

 

كل هذه الامور تمت لان الثقة ما بين الرئيس ونائبه الاول معدومة تماماً. وعندما اراد ان يحتج النائب الاول ورئيس حكومة الجنوب، الفريق اول سلفاكير ميار ديت على دعم المؤتمر الوطني للمليشيات الجنوبية المناوئة للحركة ارسل مبعوثاً للرئيس البشير لتبليغه هذه الرسالة! هل يحدث هذا الامر فى بلد آخر غير السودان؟! لا اظن ذلك. اذا كان الرئيس ونائبه وصلت العلاقة بينهما للدرجة التي يُرسل فيها كليهما بمبعوثين للطرف الآخر هل هذا امر يجعلنا نتفاءل؟، بالقطع لا.... "غايتو الله يكضب الشينة". لكن من يدرى ربما نرى ضوءاً فى نهاية النفق المظلم فى المستقبل القريب..