من واشنطن للخرطوم

عبد الفتاح عرمان

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

قال الدلاي لاما عن السلام: السلام بمعنى غياب الحرب، وهو ذو قيمة قليلة لشخص يموت جوعا أو بردا. فهو لن يزيل ألم العذاب الذي يحاق بسجين الضمير. وهو لن يهدىء نفس اولئك الذين فقدوا احبتهم في طوفان أحدثه التصحر عديم المعنى في بلد مجاور. السلام يمكنه أن يبقى فقط عندما تصان حقوق الانسان، حيث يغذى الناس، وحيث يكون الافراد والامم احرارا. وكما هو معروف، بان الدلاي لاما هو القائد الديني الأعلى للبوذيين التبتيين  الذى كان يمثل القيادتين الدنيوية والروحية  فى إقليم التبت حتى عام 1959 م.

 

 الحكومة الان تطارد د. خليل ابراهيم، رئيس حركة العدل والمساواة من عاصمة الى اخرى من اجل التوقيع على إتفاق سلام او بالاحرى إتفاق استسلام

 (اخنق فطس)، والقرى ما زالت تُحرق والفتيات ما زلن يُغتصبن والنساء يترملن والاطفال ما زالوا يتامي فى معسكرات النزوح فى إنتظار المعونات الأجنبية، وفى حلق كل مواطن دارفورى غصة لان ظلم ذوى القربى اشد مضاضة من الحسام المهند.

 

منذ توقيع الإتفاق الإطارى فى العاصمة القطرية الدوحة ما بين الحكومة ممثلة فى المؤتمر الوطني وحركة العدل والمساواة كان لدينا رأى واضح حول الإتفاق -نشر فى حينه-، وهو أن المؤتمر الوطني لم يوقع عليه بنية تنفيذه وإنما بنية إستثماره سياسياً فى حملته الإنتخابية، الامر الذى تكشف لاحقاً. احتجت حركة العدل والمساواة بقيادة د. خليل ابراهيم على مسار مفاوضات الدوحة منذ وقت مبكر حيث نعت عدم حيادية الوسيط القطرى وإغراق المؤتمر الوطني لساحة المفاوضات بحركات لم ينزل الله بها من سلطان، واشخاص ليس لهم فى ميدان العمل السياسي والميداني إسهام، اللهم الا البيانات التي يصدرها وكلاء من الباطن نيابة عنهم ، ومعظم من جىء بهم الى الدوحة كانوا يريدون دخول الخرطوم تحت سيوف العدل والمساواة التي اجتاحت معظم دارفور و (صقيرها حام). وبعد ان تركت العدل والمساواة الدوحة اعلنت هذه الحركات المحنطة فى فنادق الدوحة عن طلبها تأجيل المفاوضات لحين حضور العدل والمساواة! ظاهر هذه الدعوة التعاطف مع قيادة العدل والمساواة وباطنها ان المؤتمر الوطني لا يرغب فى تلك القيادات الا اذا وقع مع العدل والمساواة، وحينها لن يكون الإتفاق مجانياً بل سوف يُطلب من قادة العدل والمساواة التنازل لهم عن بعض حصتهم فى الثروة والسلطة. هذا امر غير مستغرب على المؤتمر الوطني لانه صاحب سوابق، وباع من قبل لرياك مشار ولام اكول (الطير فى الهواء) ولن يتواني عن بيعه للاخرين.

 الوساطة القطرية فشلت فى ان تكون وسيطاً محايداً وابقت على د. خليل ابراهيم فى مزرعة شبه اسير، وقامت بالضغط عليه لتوقيع اتفاق سلام مع النظام، وراى خليل ووفده المفاوض ان المعروض عليهم لا يمثل مطالب شعب دارفور لذلك رفضوا التوقيع عليه. هذا الامر كان متوقعاً نسبة لخبرة قطر القليلة بالتوسط فى حل النزاعات بالإضافة لعلاقتها الوثيقة بالحكومة، الامر الذى افقدها صفة الحيادية.

حاول خليل ابراهيم الذهاب الى ارتريا بدعوة من الرئيس، اسياس افورقي لكن الوسيط القطرى رفض ذهابه الى هناك بحجة تكملة المفاوضات التي كانت ساكنة مثل مياه الخريف فى بركة آسنة. وعندما دعته القيادة المصرية لزيارة القاهرة استطاع الخروج من الدوحة بحجة تلبية الدعوة والعودة لإكمال المفاوضات لكنه فضل الذهاب الي جنوده فى دارفور. فى الوقت الذى كانت تقول فيه الحكومة ان خليل اصبح ماضي وحركته (لحقت امات طه) اوفدت د. بنافع علي نافع، نائب رئيس المؤتمر الوطني للشؤون التنظيمية ود. مصطفي عثمان اسماعيل، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية لتسجيل صوت لوم للقاهرة على استقبالها لخليل وحث القيادة المصرية لتطلب من خليل العودة لطاولة المفاوضات فى الدوحة!.  لكن خليل عقد العزم بالعودة الى جنوده فى فيافي دارفور، مستقلاً طائرة الخطوط  الجوية الافريقية عابراً تشاد الى دارفور. قامت القيادة التشادية بعمل قرصنة مشين لا يتماشي مع الاعراف الدولية بإحتجاز خليل والوفد المرافق له فى مطار انجمينا الدولي  لما يزيد على السبعة عشر ساعة وتمزيق جواز سفره الدبلوماسي التشادى، مما اضطره الذهاب الى ليبيا. تصرفت القيادة الليبية مع الامر بحكمة اكثر من الرئيس التشادى، ادريس ديبي، حيث نصحت ليبيا خليل بالذهاب الى الدوحة لكنها فى نفس الوقت تركت له خيار الذهاب الى هناك او البقاء فى اراضيها، الامر الذى اغضب الخرطوم للدرجة التي ارسلت فيها رئيس جهاز المخابرات والامن الوطني، الفريق محمد عطا الذى طلب من القيادة الليبية إقناع خليل بالعودة الى الدوحة لإكمال المفاوضات.

 طال عمرك، هل ترى معي تناقض وتهافت النظام على توقيع اتفاق سلام مع العدل والمساواة باى صورة من الصور؟ جيش الحكومة يقول انه سحق قوات خليل وقيادته السياسية تقول ان حركة خليل صارت اسم من غير عنوان؟! لكنهم فى الوقت ذاته، يلاحقون خليل من عاصمة الى اخرى للتوقيع على اتفاق سلام والسيسي (راقد فى الدوحة سكر فى طش)!. طالبت الحكومة البوليس الدولي (الانتربول) بالقبض على خليل وفرحت لما قامت به تشاد. الحكومة تعترف بالبوليس الدولي ومؤسساته عند القبض على خليل ولكن من ينفذ امر القبض على رأس النظام نفسه؟! واهم من يظن ان القبض على خليل او اسره  سوف يحل قضية دارفور، لان قضية دارفور اكبر من الشخوص، وإن اُسر او قتل خليل فهذا لن يخرج النظام من مأزقه. ولن تحل قضية دارفور -وهي قضية السودان فى دارفور-، لن تحل بالحملات العسكرية ومطاردة القيادات الدارفورية بل تحل بإعطاء كل ذى حق حقه. واذا لم يجلس النظام لإيجاد حل عادل لهذه القضية سوف يجلس غداً، وإن ذهب خليل سوف يأتي من بعده من يجبرون النظام على الجلوس معهم وإن طال السفر.

على النظام ان يتذكر إعدام شاويش باشا –احد قادة الانانيا الاولى- على ايام عبود حينما كان قائد القوة التي اسرته اللواء الراحل، حسن بشير نصر. عند إعدامه تحدث حسن بشير نصر بعربي جوبا لشاويش باشا: شاويش باشا، دقيقة واحد انت كلو بموت. رد باشا: معليش سعادتك، اولاد بتاع إنا بجي. وصدق شاويش باشا، حيث تفجرت الاوضاع بصورة دامية وظهرت الحركة الشعبية لتحرير السودان. فعلى النظام ان يسمع النصح قبل ضحي الغد لان كُتاب وصحفيي (مثلث حمدى) وبعض (السنيدة والهتيفة) لن يصدقوه القول لان بعضهم تم تعينهم لاداء هذه المهمة والبعض الاخر ينظرون الى الامر بمنظار حمدى، حيث سألني احدهم: لماذا تنقلون الاخبار عن من يريدون القضاء "عليكم" بإقامة دولة الزغاوة الكبرى؟ فكان ردي ان هذه احد اكاذيب النظام ولا يصدق هذه الفرية حتي من اطلقوها. ولنفترض جدلاً ان العدل والمساواة تعمل على تحقيق (دولة الزغاوة الكبرى) فما العيب فى ذلك؟ الم  يتحدث قادة النظام وعلى رؤوس الاشهاد عن (مثلث حمدى)؟ اذاً ما العيب فى حديث الاخرين عن إقامة دولة خاصة بهم؟ و لماذا اصابهم صمت القبور عند إعلان حمدى عن دولة (المثلث)؟. نسأل الله ان يشفي هؤلاء الكتبة من داء العنصرية البغيض حتي يروا السودان على حقيقته بتعدد لغاته وسحناته لان التعدد فى كل شىء سنة من سنن الله فى الكون. وأن يقفوا الى جانب الحق سوى كان لهم او عليهم، ولا فضل للبشير على خليل الا بالتقوى.