Stolen Childhood

-3-

من واشنطن للخرطوم

عبد الفتاح عرمان

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Be the change you want to see in others”" المهاتما غاندى

 

كما ذكرت فى المقالين السابقين انني ترددت كثيراً فى أمر هذه المقالات التي يختلط فيها الشخصي بالعام، وهى محاولة للكتابة عن ايام الطفولة وأحداث كثيرة لم انسها منذ نعومة أظافرى الى اليوم، على الرغم من اني كثير النسيان، وهو بحق نعمة لا تدانيها نعمة -اى النسيان-. وهذه المقالات ليست للإعلاء من شخصي او اسرتي خصوصاً بان هنالك من قتلوا او سحلوا فى اتون حرب لا تبقي ولا تزر، وما حدث لنا لا يساوى مثقال زرة من تضحياتهم. ومناسبة هذه المقالات هو عيد الأم الذى يصادف 21 مارس الماضى، عليه فهي هدية لامي، فاطمة عالم حمد، والإهداء كذلك، لأمهاتي فى الجنوب والشمال والشرق والغرب بصفة خاصة. الى امهاتي فى دارفور –وهن جزءاً من الغرب- اللواتن يعاين التهجير والرحيل المر فى بلاد أنجبتهن وقالت عليهن غرباء. ولا أجد شىء للتعبير عن حزني على ما يجرى لهن فى دارفور سوى الكتابة عن معاناتهن.

توقفت فى المقال السابق عند إعتقال شقيقي مجتبي، الذى كان احد كوادرالجبهة الديمقراطية فى جامعة جوبا من منتصف التسعينيات حتى نهايتها. توالت الإعتقالات وزيارات رجالات الامن الى منزلنا بصورة كادت أن تكون شبه مستدامة، وصار لدى حينئذ –والى اليوم- إرتباط عميق بقصيدة (مريم ومي) لشاعر الشعب، محجوب شريف الذى حجبته وسائل الإعلام الرسمية لانه شريف، خصوصاً تلك الابيات التى يقول فيها: قلبك كلما باب الشارق دق يدق.. ربنا يستر يمكن هم. ذلك لان معظم زيارات من يتولون امر البصاصة فى بلدنا كانوا يهبطون علينا فى جنح الظلام مثل الخفافيش.

تغيير النظام التعليمي من النظام القديم، المرحلة الإبتدائية ثم المتوسطة ثم الثانوى الى مرحلة الأساس ثم الثانوى بإختصار سنة عن النظام القديم، عجل هذا الامر بذهابي للخدمة الإلزامية –تعارف عليها جهابزة النظام بالخدمة الوطنية-.

عند إكمالى للمدرسة الثانوية فى عام 1999م لم اتهيب الذهاب لمعسكرات الخدمة الإلزامية خصوصاً بان قوانين النظام كانت ومازالت تؤكد -على الاقل المكتوبة- على أن صغار الذين ليس عليهم تأديتها فى مناطق الحرب بل قضاء فترة التدريب فى المعسكرات -45 يوماً- ثم إكمال بقية الخدمة بعد الجامعة، لذا كنت مطمئن باني سوف اتدرب فى معسكرات (اخوات نسيبة) ثم أنطلق بعدها الى احدى الجامعات لإكمال دراستي الجامعية. هذا على الرغم معارضة افراد اسرتي لهذا الامرنسبة  لإقتناعهم بان القائمين على امر هذه المعسكرات لن يسمحوا لى بالذهاب لاى جامعة ليس لسبب سوى اسمي. انا وشقيقي ماجد –هو اكبر مني سناً لكنه درس بالنظام القديم- عارضنا هذه الفكرة وذهبنا لمعسكرين مختلفين لان ماجد جلس لإمتحان الشهادة الثانوية من مدرسة ام درمان الصناعية وجئت انا من مدرسة بحرى الحكومية. ذهب هو لمعسكر المرخيات بام درمان وذهبت انا لمعسكر الدخينات. ذهبت للمعسكر وقدمت اوراقي الثبوتية لثلاثة من قادة المعسكر الذين كانوا يسجلون البيانات فى استمارات ودفاتر ورقية. كانوا يلبسون زياً عسكرياً لكن لم يكن هنالك ما يدل على انهم يتبعون للمؤسسة العسكرية لانه لا وجود لشارات فى بذاتهم العسكرية او حتى اسمائهم. اخبرتهم بانى من صغار السن، عليه سوف اقوم بتقضية الفترة التدريبية فى المعسكر ثم اذهب بعدها لمدارج الجامعات، ولاحقاً اقضي من بقى من فترة الخدمة الإلزامية، قبلوا اوراقي، وسألوني: ياسر عرمان شقيقك؟ أجبت: نعم شقيقي. قاموا احدهم بسبه ونعته بالخائن والعميل الذى يناصر (العبيد) وعبارات عنصرية كثيرة لم استحضرها الآن. لم ارد على تلك الإهانة تجبناً لاى إحتكاك معهم خصوصاً بانى جئت لإكمال فترة تدريبية إلزامية ثم الذهاب الى الجامعة، عليه كان هدفى واضحاً وهو عدم الدخول فى معارك جانبية او إحتكاك مع احدهم مهما كانت الاسباب حتى لا امنحهم الفرصة بإلصاق اى تهمة لى. وقتئذ كان اسم اسرتي وحده كفيل بالحاق الأذى بي. حاولوا إستفزازى وسؤالي عن رأيىء فيما كان يفعل ياسر، قلت: انا لست سياسي، واضفت: كما قال سبحانه وتعالى: لا تزر وازرة وزر اخرى. هذه الإجابة لم تشف غليلهم، وادركت حينها انني فى ورطة حقيقية، لكن إصرارى على المسير وإتمام ما جئت من اجله دفعني للبقاء فى المعسكر.

انتهت عملية تسجيل كافة القادمين للمعسكر حوالى منتصف النهار، وقاموا بتوزيع قمصان وسراويل القطن (الدمورية) علينا، قمنا بإرتداءها ثم أُمرنا بالإصطفاف حسب تشكيلات الجيش المعروفة. وبعد أن تم تسجيل الحضور قام ضابط برتبة الملازم برفع الحضور لقائد المعسكر ثم تم صرفنا لأداء صلاة الظهر جماعة فى مسجد من الزنك والقش فى وسط المعسكر خصص لأداء فريضة الصلادة. بعد الصلاة تم صرفنا للراحة. كنت اشارك بعض زملائي من المدرسة السكن، وهو عبارة عن غرفة من القش (قطية)، إفترشت رقعة قماش اعطيت لي فى الارض لانام عليها. لم تمضي ربع الساعة حتى جاء احد الاشخاص فى طلبي، واخبرني بانه يتبع للإستخبارات العسكرية ويريدون الحديث معي. ذهبت معه الى خيمة فى طرف المعسكر حيث وجدت اثنان اخران فى انتظارنا، وكانوا نفس الاشخاص الذين قاموا بتسجيل اسمي فى كشوفات الحضور عند دخولي المعسكر صباح نفس اليوم .

لم ار اى شىء يدل على انهم من الإستخبارات العسكرية حيث لا اسماء ولا رتب عسكرية، ولا علاقة لهم بالعسكرية سوى (الكاكي) الذى كانوا يرتدونه. بل لم يكن هنالك شخص بيده قلم او ورقة لتدوين ما يريدون معرفته مني. سألني احدهم: اخبرنا عن ياسر؟ متي خرج من السودان؟ وكيفية إتصالكم به؟ قلت خروجه كما علمت من الاسرة كان فى صيف 1987م اما الإتصال به فهو غير متاح، ومنذ مغادرته لم يتصل بنا ولم نتصل به. لم يصدقوني. قالوا لي: انك تكذب. وعليك ان تعلم اذا لم تخبرنا بما نريده منك فلن تخرج من هنا حياً. لم يكن هنالك شىء يدعوني للكذب، و كما قال الشاعر البارع، احمد فؤاد نجم(الفاجومي):

طيب واكدب ليه عدم المواخذة

لنا باكتب ولا ابصر إيه

لا انا احترافي اشتراكية

ولا عندى نزعة رجعية

لكن شايف بعينيه يا فلاحين يا صنايعية

بر الامان

والمركب راح ترسي عليه

وانا حاكدب ليه.

على كل، قلت لهم ليس لى مصلحة فى الكذب،و ما اقول هو الحق، وشهادة ميلادى تثبت ذلك.... الإسبوع القادم سوف نكشف ما حدث فى جلسة التحقيق تلك، لان التحقيق طلعني مدان.... ونواصل الاسبوع القادم بإذن الله.