من واشنطن للخرطوم

 

أعكف هذه الأيام على قراءة كتاب وسفر ممتع، وهو (إقرأوا مشابكي: قصص من علبة مجوهرات دبلوماسية/READ MY PINS: STORIES FROM A DIPLOMAT'S JEWEL BOX) لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، مادلين أولبرايت، وكما هو معروف أن أولبرايت شغلت منصب وزيرة الخارجية من 1997 حتى  2001م،  وكانت أول امرأة تتقلد هذا المنصب الرفيع على مستوى الولايات المتحدة الامريكية. وقبل شغلها لمنصب وزيرة الخارجية كانت مع الحزب الديمقراطي واعتلت مناصب رفيعة فى إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون فى مجلس الأمن القومي حتى تم إنتدابها للعمل  كمندوبة دائمة للولايات المتحدة فى الأمم المتحدة بنيويورك.

 

 تطرقت أولبرايت فى هذا السفر القيم الى العديد من المواقف خلال قيادتها لدفة الدبلوماسية الأمريكية، والقصص والروايات المثيرة التى تعرضت لها أثناء عملها مع الرئيس السابق،  بيل كلينتون. و كشفت عن طريقتها الخاصة لمعالجة الملفات الساخنة التى واجهتها اثناء فترة عملها، وتاتى على رأس تلك الملفات الصراع الفلسطيني –الإسرائيلي.

 

 

تقول  أولبرايت فى مطلع هذا السفر القيم:" قبل أن يمر وقت طويل، وبدون قصد وجدت بان المجوهرات أصبحت جزء من ترسانتي الدبلوماسية". تابعت:"

 

كان يُعرف عن الرئيس السابق جورج بوش قوله "إقرأوا شفاهي". وقد بدأت أحث زملائي والمراسلين بقولى "إقرأوا مشابكي".

 

وتكشف وزيرة الخارجية الأمريكية في هذا الكتاب عن:" أن الفضل في استخدام المشابك والمجوهرات كسلاح دبلوماسي لتوجيه رسائل وإشارات غير مباشرة عن مهمتها، يعود للرئيس العراقي المخلوع، صدام حسين. وتضيف:"عندما انتقدت  فى الأمم المتحدة الرئيس العراقي السابق ووصفته علناً "بالديكتاتور"، ردت وسائل الإعلام  الحكومية العراقية علي، وكالت لي الشتائم والاتهامات، ووصفتني "بالأفعى"  الغير متوازنة في سياساتها".

 

وتمضي أولبرايت، أنه بعد ذلك بفترة قصيرة، وأثناء التحضير للقاء مسؤولين عراقيين رفيعي المستوى، فكرت : ماذا سأرتدى ؟ ومن ثم قررت أن أقدم بياناً دبلوماسياً باختيارى قطعة من المجوهرات بها مشبك على شكل أفعى. وكانت هذه طريقة تواصلي الدبلوماسية الجديدة لتقديم رسائل قوية للعراقيين بأن أرد "الإهانة" على طريقتي الخاصة.

وتقول المؤلفة أنه منذ ذلك الحين أصبحت المشابك والمجوهرات جزء من توقيعها الدبلوماسي الخاص. وتكشف أولبرايت أن كل قادة العالم الذين التقهم كانوا مسرورين أن يروها مرتدية شمساً مشرقة على سترتها أو خنفساء سعيدة، وأقل سروراً لدى رؤية سرطان أو دبور مزعج. واستخدمت أولبرايت المشابك والحلي للتركيز على أهمية المفاوضات، وتحميل معنى للآمال الكبيرة أو الاعتراض على غياب التقدم، ولإظهار الافتخار بتمثيل الولايات المتحدة، من ضمن أهداف أخرى.

 

وتضيف أولبرايت: "في حال كنا سنقوم بأمور سعيدة أو أمر ما مفرح، أرتدي مشابك بشكل ورود أو فراشات أو بالونات، ولكن في الأيام السيئة أرتدي الحشرات والأسلحة. ومن الواضح بأن الأمر أصبح عملية دلالية".

 

تعبر فصول الكتاب عن الذكريات المصورة و التاريخ الاجتماعي الذي يعكس حياة أولبرايت ومهامها الدبلوماسية عبر المشابك والمجوهرات التي ترتديها، حيث تضم مجموعتها مشابك عالمية تحمل الفخر بالمكان وبتشكيلات تصميمية رائعة، وأملاك عائلية موروثة. وتشتمل المجموعة المشهورة على نسر أثري تم شراؤه للاحتفال بتعيين أولبرايت وزيرة للخارجية، ومشبك حمار الوحش الذي ارتدته لدى لقائها رمز الحرية الرئيس السابق لجنوب افريقيا، نيلسون مانديلا. كما تحمل المجموعة ايضاً، مشبكاً على شكل قلب ترتديه أولبرايت يوم عيد الحب السنوي،و الذي صاغته –المشبك- ابنة أولبرايت ذات الخمس سنوات. يحتوى السفر على  أكثر من (2200) صورة، إلى جانب قصص أسرتها، وفترة عملها كوزيرة خارجية أثارت جدلاً كثيفاً حول العالم قبل تنحيها عن منصبها الرفيع.

 

قالت أولبرايت إن مجوهرات معظم الناس عبارة عن "ومضة" عابرة، ولكن هذ الامر لا ينطبق الأمر على مجوهراتها. فعند لقائها مع الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات ارتدت أولبرايت مشبك من الذهب على شكل نحلة لها أجنحة من الألماس، وكانت لاسعة.  تضيف:"أمضيت عدة ساعات في جدل مع القائد الفلسطيني حول ضرورة التسوية في الشرق الأوسط"،وقد عكس مشبكي مزاجي".

 

في اجتماع القمة عام 1999م مع القادة الروس ارتدت أولبرايت مشبك يحمل رؤوس ثلاثة قرود أذكياء وأيديهم تغطي عيونهم وأذانهم وفمهم بوضعية كلاسيكية لتصور عبارة: انظر و اسمع وتحدث، لا ضرر. وتشرح أولبرايت "لقد ارتديتهم لأنني أعارض ما كانوا يقومون به في الشيشان. ولم يعترفوا بأي انتهاكات لحقوق الإنسان".

 

كانت المشابك أكثر من مجرد حلية بالنسبة للوزيرة أولبرايت، بل كانت توقيعها الدبلوماسي الشخصي، وتؤكد على ذلك بالقول: "فعلاً لقد أدت المشابك مهمة سياسة خارجية ضرورية جداً" . لدى مناقشة معاهدة الصواريخ البالستية مع وزير الخارجية الروسي، إيغور إيفانوف، ارتدت اولبرايت مشبك بشكل سهم هندسي. وسألها إيفانوف حينئذ:"هل هذا واحد من الصورايخ؟" وكان رد أولبرايت: "نعم، فنحن نصنعهم بحجم صغير جداً، إذاً فقد حان الوقت للمفاوضات!".

 

لكن بعض المشابك كانت غير ممتعة، مثل حلقة المزاج، التي تدل على الحزن. لدى السفر إلى كينيا وتنزانيا في عام 1998م لاستعادة جثث الضحايا من تفجير السفارة الأميركية حيث ارتدت ملاك مطلي بالذهب.

ولكن مشابكها بشكل عام كانت معبرة بشكل واضح. حيث يظهر مشبك الحلزون أو السرطان الذى يدل على نفاذ الصبر من الحركة البطيئة للمفاوضات، في حين أن الأخطبوط يشير إلى التعقيد. أما السلحفاة فتشير إلى الحاجة إلى التماسك والإصرار، بينما المشبك التجريدي للقطع الزجاجية فيشير إلى أن السقف الزجاجي على الأرجح محطم.

 

أما المشبك المفضل لدى وزيرة الخارجية السابقة فهو مشبك مثقل بالعواطف قدم لها في نيو أورليانز من قبل الناجين من إعصار كاترينا. كانت هدية الذكرى الخمسين للحرب العالمية الثانية، حيث اهداه احد جنود تلك الحرب لزوجته التي ماتت نتيجة الإعصار. وعندما القته أولبرايت أصر ابن الراحلة عليها لتاخذه هدية. حيث كان المشبك من الماس. وتعترف بانها بكت وقتها.

 

 تختم الوزيرة أولبرايت سفرها القيم بالقول:" أن الرسالة التي آمل فى إيصالها من هذا الكتاب هي أن السياسة الخارجية صعبة جداً جداً، ولكن لا ضرر في عمل شيء ما غير متوقع إلى حد ما، ويحمل الحس بالفكاهة".