5

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هذه هي النسخة الخامسة من الملاحقة الخبرية والتحليليه لمسائل علي علاقة بالتطورات الديموقراطيه، او عكسها، تأتي مختصرة تحت هذا العنوان من حين لاخر. هي صيغة فرضها تكاثر هذه التطورات وتسارعها مع ضيق الوقت المتاح لمقترِح الصيغه لتغطيتها جميعا بأسهاب، مقرونا بقناعة راسخه لديه بأن التغذية بهذا النوع من الماده بالذات هي احد اهم وسائل انتشال الحياة السودانية العامه من مشارف الموت

 ++ لاديموقراطيه بلا قراء

 القول السائر هو " لا ديموقراطيه بلا ديموقراطيين " وفي ظروف السودان التاريخيه حيث الديموقراطيه غريبة الوجه واليد اللسان لكونها في الاصل مخلوق اوروبي تمخض عن مايسمي عصرالتنوير، يضاف ايضا ب "لا عقلانيين " والتعريف البسيط لهذا النوع من البشر هو ان رد فعلهم التلقائي امام اي فكره او تصرف يتعين عليهم قبوله او رفضه هو اختبار مدي تماشيه مع المعقول وليس المنقول مهما كان مصدره .. إعمال الفرد لعقله وليس تركه لاخر كما قال فيلسوف التنوير الالماني  " إمانويل كانت ". احد شروط تنمية اونمو هذ الخاصيه هو انتشار عادة القراءه لان الاغلبية الساحقة من البشر ليسوا منتجي فكر او فلسفه وانما مستهلكون لها ترتقي قدرتهم علي التمييز والاختيار العقلاني بقدر ماتتأصل لديهم عادة الاطلاع علي انتاج اخرين. علي هذا فأنه مامن تفسير للتناقض بينما تقوله أرفف المكتبات والصفحات الثقافية في السودان من التزايد الكبير لعدد الكتب المنشوره وتراجع العقلانيه الي درجة اختراق خطاب التكفير لارقي مؤسساتنا العلميه ( جامعة الخرطوم )، سوي انه تزايد في الكم سببه علي الارجح ان معظم المنشور صادر عن جهات رسميه بصورة مباشرة او غير مباشره.

اضف لذلك ان ( ثورتي ) التعليم المايوية 69 واليونيويه 89 اللتان قضمتا مايقارب الاربعين عاما من عمر حريتنا نقلتا مشكلة ضعف الاقبال علي الكتاب من صعيد انتشار الامية الابجديه الي انتشار الامية  الثقافية حتي اضحي ممكنا التساؤل بكل جديه مإذا كانت الامية الموروثة افضل من المكتسبه، علي الاقل الاولي تُبقي الانسان خامة قابلة لاكتساب المعرفة التنويرية السليمه متي توفرت سبلها بينما في الثانيه المهة اصعب لانها تقتضي إزالة التشويه اولا... ثم ان الانسان الجاهل أبجدياّ ليس بالضروه جاهل ثقافيا بمعني إنفتاحه علي الايجابي من الظواهر حوله ومساهمته فيها، لاسيما في بيئة سياسية وفكرية صحيه والدليل علي ذلك انه لايمكن تفسير حيوية الحياة الحزبيه والنقابيه السودانيه التي تجلت بأعظم صوره في ثورة اكتوبر 1964، اي قبل ان تحل علينا بركات ثورات مايو ويونيو التعليميه وغير التعليميه، دون دور رئيسي لهذه النوعيه من الجهلة -المثقفين كما لايمكن تفسير هزال الحياة السودانيه العامه كما تتجلي في استمرار نظام مايو مضروبا في مائة ضعف متنكرا في شكل نظام يونيو، دون دور رئيسي لتكاثر نوعية المتعلم غير المثقف.   

+++ السعوديه 

في 23 سبتمبر الماضي إفتتح العاهل السعودي " جامعة الملك عبد الله بن عبد العزيز للعلوم والتكنولوجيا التي تعرف اختصارا  بكلمة " كاوست " المكونة من  الحروف الاولي للاسم باللغة الانجليزيه.  تعتبر الجامعه نسيج وحدها في المنظومة التعليمية السعوديه سواء من حيث تخصصها او في الحرية المتاحة لها في الاداره الداخليه او العلاقه مع الخارج ووضع المناهج ولكن ايضا في رفع القيود عن المرأه فيما يتعلق بالحجاب وقيادة السيارات.  ولم يضيع العاهل السعودي وقتا في إثبات مدي أستعداده لمنازلة المؤسسات التقليديه عندما أقال الشيخ عبد العزيز الشتري لاعتراضه علي هذا الجانب اوائل اكتوبر الماضي. وفي هذا تأكيد لما يمكن ملاحظته من ان مشروع الجامعه يندرج في سياق توجه اصلاحي متعدد الوجوه ابتدره الملك عبد الله منذ بضعة اعوام وبلغ قمته في القرارت التي اصدرها في فبراير الماضي حيث طالت قلب المؤسسة الدينية المتخشبه بشقيها في القضاء وجمعية الامر بالمعرو ف والنهي عن المنكر.  

هذه التطورات السعوديه تطرح قضية تحديث المجتمعات التقليديه من زاوية مثيرة للتأمل الخصب عند مقارنتها مع نماذج التحديث الاشتراكي و( الاسلامي ). مايمكن قوله بأختصار تفرضه طبيعة هذه الملاحقه ان النموذجين يبدان من نقطتين مختلفتين وهي حقيقة اوضح ماتكون فيما يتعلق بالتحديث السياسي الذي لايمكن ان يكون الا ديموقراطيا. النموذج السعودي يبدأ من حد العدم تقريبا في هذا المجال بينما النموذجان الاخران يبدان من نقطة أعلي كثيرا رغم انها تتضمن الحد من الحريات الموجوده مع التزام معلن بالعودة عن هذا الحد مستقبلا.  التجربه الفعلية في العالم الاشتراكي الاول والثالث ( ومعها الاسلامي كما نشهد في السودان ) اثبتت ان التركيز علي التحديث الاقتصادي- الاجتماعي طريق مسدود نحو التحديث السياسي، فهل ينجح نموذج التحديث السعودي ؟  بصرف النظر عن تصورات ودوافع ونوايا القيادة السعوديه فأن الاصلاحات التي اقدم عليها  العهد الحالي لاسيما في المجال التعليمي ترسب بنية تحتية أكثر ملاءمة للتحديث السياسي لكونها عملية تحرير لعقلية الفرد السعودي من قيود التفكير والتصرف الديني والاجتماعي الموروث غابراّ. فالامر اذن رهين بمدي استمرار وتعمق هذه الاصلاحات التي ستولد بمرور الوقت تيارات ضاغطه ومتنامية القوه بأتجاه الممارسة الديموقراطيه بمؤسساتها المعروفه.  هل نحن هنا امام عد تصاعدي للتحديث السياسي مقابل العد التنازلي في التجارب الاخري ؟ في الحد الادني يستحق النموذج السعودي متابعة جادة ومنصفه. 

+++ غينيا بيساو ... وغينيا

غينيا بيساو  خامس افقر دوله في العالم ومن اصغرها حجما محشورةّ بين غينيا والسنغال، عدد سكانها لايتجاوزون المليون ونصف ومساحتها 14 الف ميل مربع ولكن التطورات الاخيرة فيها مهمه لانها تشير الي مايكاد يشبه قانونا افريقيا لمخرج غير افريقي من ازمة الديموقراطيه.

رغم انها حققت استقلالها من الاستعمار البرتغالي عام 1974 علي يد واحدة من انجح حركات التحرير الافريقيه  بقيادة الشخصية المعروفه اميلكار كابرال الا ان الحياة السياسية في غينيا بيساو تميزت بالتقلب المستمر بين الانظمة العسكرية والمدنيه تتخللها حرب اهليه ومعها تقليد اغتيالات سياسيه للقيادات العسكرية والمدنيه. اخر هذه الاغتيالات هو الذي أطلق سلسلة التطورات الاخيره التي وضعت اسم غينيا بيساو في صدارة الانباء بدء بأغتيال قائد الجيش في اول مارس 2009 تبعه اغتيال رئيس الجمهوريه في اليوم التالي.  علي ان الاسباب التي ادت لتصنيف غينيا بيساو ضمن الدول الفاشله مستدعية نداءات داخلية وخارجيه لتدخل دولي من قبل الامم المتحده لانقاذ البلاد ليست كلها صناعة محليه. فمنذ سنوات عديده تحولت منطقة غرب افريقيا عموما وغينيا بيساو بصورة خاصه الي مركز لتهريب المخدرات الكولومبيه الي اوروبا حيث القوة الشرائية الاعظم، نظراّ لقرب المسافة النسبي عبر المحيط الاطلسي مع امريكا الجنوبيه بعد ان اصبحت الطرق الاخري غير سالكه. بذلك اقتحمت الحياة  الغينية العامة المعطوبة اصلا قوة تخريب اضافيه هائله متمثله في الثروات الطائله التي تهبط علي السياسيين والتنفيذيين المدنيين والعسكريين من التعاون مع بارونات المخدرات.  وبذلك ايضا تتلقي نداءات التدخل الدولي قوة دفع اضافيه إذ استعدنا للاذهان ان المنطق الذي دعا للتدخل الغربي في افغانستان له شق متعلق بكونها دولة-مزرعة للمخدرات.  

المؤكد ان مطابخ التمهيد لصنع القرارات السياسيه في الاجهزة المدنية والعسكريه الغربيه منهمكة الان في تجميع وتحليل المعلومات واقتراح البدائل الممكنه لاطفاء مصدر الخطر الغيني. وحسب السوابق فأن تحريك الامم المتحده ودول الجوار الافريقي سيكون الخيار الاول مع الاستعداد لاحتمال التدخل العسكري المباشر. والاخير بديل تعترض طريقه ضغوط الرأي العام الغربي المتيقظ دوما ضد التورطات الغربية الحالية في افغانستان والعراق ولكن حسابات النجاح السريع وغير المكلف تظل قائمة كما حدث في اقطار افريقية اخري مثل سيراليون وليبيريا وساحل العاج حيث توفرت مثل هذه الامكانيه نتيجة توافق بين الاطراف السياسية الداخلية المعنيه علي مثل هذا التدخل.  

هل يتوفر مثل هذا التوافق في جارتها،غينيا أحمد سيكوتوري أحد ابرز قادة أنظمة العالم الثالث المتحرره في النصف الاول من القرن الماضي؟ هذه وقع فيها انقلاب عسكري في ديسمبر 2008 اثر وفاة رئيس معمر من النوع المعروف عربيا وأفريقيا بقي قابضا علي السلطه ربع قرن من الزمان. نكث قائد الانقلاب بوعد قطعه واعلن ترشيح نفسه للرئاسه، وعندما احتشدت جماهير المعارضة في استاد العاصمة للاحتجاج حصدت نيران جنوده اكثر من مائة منهم، مما أثار عاصفة ادانة دولية وأقليمية. تتبلور العاصفة الان في اتجاه لعزل النظام ابتدره الاتحاد الافريقي علي ان يدعم الاتحاد الاوروبي وامريكا خطة لتدخل عسكري من قبل قوات تابعه لدول رابطة غرب افريقيا الاقتصاديه ECWAS  ، إذا تمادي قائد الانقلاب في دفع البلاد بأتجاه الفوضي والحرب الاهليه.