عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الاستعادة النقدية للذات تبقي افضل مايقدمه اهل اليسار في الذكري السنوية لثورة اكتوبر 64، والمدخل الذي تختاره هذه المساهمة هو البعد ( الديموقراطي ) لدور الاسلاميين في شقيقتها إنتفاضة ابريل 85.  هذه كانت انتفاضة الاسلاميين بالسلب .. بمعني ان نجاحها كان الي حدود كبيره مرتبطا بتصدع العلاقة التحالفية التي استمرت 7 اعوام  بينهم وبين النظام المايوي. لو لم يقع الخلاف بين هذين الطرفين لما نجحت الانتفاضة علي الارجح، لان الاسلاميين كانوا منذ السبعينيات قد تحولوا الي وريث لليساريين، ممثلين في الحزب الشيوعي والاشتراكيين عموما، من حيث النفوذ في اوساط النخبة السودانيه وقادرين بذلك تماما علي إفشال الانتفاضه وإضرابها السياسي بدليل حاسم علي ذلك وهو نجاحهم بعدها في اختراق كافة مؤسساتها ثم الاستيلاء السهل علي السلطة كاملة والتحكر فيها رغم توحد الحشد الحزبي ضدها. بيد ان الاسلاميون ورثوا اليساريين ايضا في النقص الديموقراطي لتكوينهم الايديولوجي بنتائجه السلبية علي الحياة العامه الاخطر لديهم من حيث قدرته التجذيرية في العقل النخبوي والشعبي لانه مؤسس دينيا. هذا هو سر بقائهم، المفتوح النهايات زمنيا علي مايبدو، في السلطه ومايشير في الان نفسه الي ان الفكر السياسي السوداني لم يستخلص كافة الدروس من الدور القيادي للتيارات الاشتراكية في ثورة اكتوبر.

      سبق لصاحب هذا المقال أن اقدم علي محاولة بهذا الاتجاه في مناقشة للتقرير السياسي للحزب الشيوعي السوداني ( الصحافه 12 يوليو 2008 ) جاء فيها : " إذا جاز نسبة انتفاضة اكتوبر الشعبيه الي حزب واحد فأن هذا الحزب لايمكن ان يكون الا الحزب الشيوعي ( وذلك ل .. ) دوره القيادي المتميز في التحضير لثورة اكتوبر تخطيطا وتعبئة وتضحيات ماتجلي في اكتساح نفوذه للساحة السياسية المدينية، ساحة القوي الحديثه، بعدها ثم دوائر الخريجين وصعوده الي قيادات النقابات في قطاعاتها المختلفه لدرجة أفزعت القوي التقليديه وتسببت في حظره قانونيا.  والاهم من كل ذلك والوثيق الصله بالفكرة المطروحة هنا، اصطباغ الساحة الفكرية بتنويعات الفكر الاشتراكي الذي تولي الحزب الشيوعي تاريخيا مهمة فض مغاليق العقل النخبوي السوداني تجاهه وتركيز مداميكه الاساسية فيه بعد ذلك. إن الاهمية التاريخية الكبري فعلا لثورة اكتوبر هي انها حررت الارادة السياسية السودانيه من قبضة نظام عسكري وبوسيلة شعبية مائة في المائه ولكن وجهها الاخر الذي بقي محجوبا في غمرة الاعجاب الطاغي والاجماعي بها كان عكس ذلك لان النقد اليساري الصائب للاحزاب الكبيرة انتخابيا وقتها بكونها مصدر الخطر الرئيسي علي نمو التجربه الديموقراطيه بحكم تقليديتها وتكوينها الطائفي والطبقي، كان يحمل في طياته خطراً اخر علي المدي الابعد لان ماركسية الحزب الشيوعي حينئذ كانت تضع اكتوبر حلقة رئيسية ضمن ماتسميه مرحلة  الثورة الوطنية الديموقراطيه التي تقود الي مرحلة الاشتراكيه ولكل من هاتين المرحلتين تحالفاتها الطبقيه التي تنتهي الي صدارية دور الطبقة العامله.  والترجمة الفصيحة الصريحه لهذه النظريه هي توزيع الحريات السياسيه  حسب اهمية الطبقه المعينه في المرحلة المعينه والاحزاب السياسية التي تمثلها، فهي ديموقراطيه مقيده وموجهه وبأختصار ليست  ديموقراطيه.  تثقيف النخب السودانيه بهذا النوع من التحليلات أضعف التأهيل الديموقراطي لعقلية هذه النخب الذي اكتسبته من نشاطها الفعال ضد الدكتاتورية الاولي،  لاسيما وان الاقسام اليسارية الاخري، بما فيها حزب البعث الذي ساهم كاتب هذا  المقال في تأسيسه ومواكبة مسيرته بعد ذلك، كانت تروج لتحليلات مشابهه مزايدةٍ في رفضها للديموقراطيه بمعناها الحقيقي المفتوح الذي لايقبل قيودا من خارجها." 

هذه الأشارة العابرة للمسئولية البعثية في التثقيف اليساري الشمولي وجدت حيزاً اكبر في مداخلة قدمها صاحب المقال خلال يوليو الماضي امام مجموعة من الناشطين والمفكرين العرب يلتقون سنويا في اطار  " مشروع دراسات الديموقراطيه في الدول العربيه " جاء فيها : " لدينا في السودان الظاهرة الغريبه التي لم ننتبه لها حتي نحن السودانيون وهي ان مانعتبره ويعتبره الرأي العام العربي ثورات ديموقراطية شعبيه هي في الواقع ليست كذلك. اعني بذلك ان الشعبية الحقيقية لثورة اكتوبر 64 التي اسقطت اول نظام دكتاتوري في سلسلة الانظمة التي ابتلي بها تطور البلاد السياسي بعد الاستقلال عام 56،  رافقه كونها كانت بقيادة اليسار عموما انعكاسا لانتشار الفكر والحركات الاشتراكية عربيا وعالمثالثيا في ذلك الوقت ، ولكن هذا التيار لم يكن ديموقراطيا فهو تيار الديموقراطية الشعبيه وحرق المراحل وفصل العدالة الاجتماعية عن مطلب المساواه في الحريه وعدالة اتاحتها للجميع.  ( البعث نشا خلال الفترة نفسها ووثيقته الاساسيه " البعث وقضايا النضال الوطني " عباره عن مرافعه طويله ضد الديموقراطيه البرلمانيه )."

هنا بعض الاضافات للمداخله . لمؤرخٍ أكثر حيادية من كاتب هذا المقال أن يقدر مكانة حزب البعث في تاريخ السودان السياسي ولكن مايمكن قوله انه من بين الحركات السياسية العديده التي نشأت بعد ثورة اكتوبر 64، او ظهرت علي سطح الحياة السياسيه بعدها،  البعث هو الحركة الوحيدة التي استمرت حية حتي الان بل انها نمت محققة حضورا سياسيا ونضاليا بارزا حتي النصف الثاني من الثمانينيات. غير ان نموها من حيث العمق الاستناري والديموقراطي الذي وسم منشأها المشرقي السوري- اللبناني خلال الاربعينات والخمسينات كان قد استنزف تماما وقتها بتأثير دخول البعثين السوري ثم العراقي  اللاديموقراطي في تجربة السلطه منذ الستينيات.  وعلي الصعيد السوداني تضافر ذلك مع الحمولة اللاديموقراطية الثقيلة التي ناء تحتها حزب البعث العربي الاشتراكي قبل ومنذ بروزه بعد ثورة اكتوبر 64. وهذه  بعض النماذج من الوثيقة المذكورة اعلاه الصادره عام 1973 :  " وبالاضافة لذلك كشف الانقلاب ( عبود 58 ) ضعف الاساس الاقتصادي والاجتماعي للنظام البرلماني في بلادنا. ففي ظروف التخلف لايشكل هذه النظام طريقا للتقدم والتطور " ص 55 .   " ضعف الحركة الجماهيرية الديموقراطيه وذلك نتيجة حملة القمع التي واجهتها طيلة سنوات الحكم العسكري ونتيجة لتأثير الشعارات الليبراليه التي كانت سائدة في اوساطها " ص 69.  وفي ص 76 تقدم الوثيقة ثلاثة اسباب  تفسيراً لانتكاسة ثورة اكتوبر أولها :  " تمسك القوي  التقليديه بالديموقراطية البرلمانيه باعتبارها النظام الامثل والهدف المباشر لثورة اكتوبر (......) وهذا مايؤكد ان الديموقراطية البرلمانية في بلادنا لاتشكل طريقا للتقدم والتطور " .  ورغم ان الوثيقة تنتقد الحزب الشيوعي في اكثر من موقع الا انها تتبني تحليلا للتطور السياسي لايختلف كثيرا عن تحليل الحزب الشيوعي سواء من حيث التوصيف،  " مرحلة الثورة الوطنية التقدميه "  مقابل توصيف الحزب الشيوعي " مرحلة الثورة الوطنية الديموقراطيه "، او من حيث المحتوي.  علي هذا يمكن القول ان قطبي اليسار السوداني، علي الاختلاف الكبير في الاوزان بينهما، ظلا يتنافسان في حرث عقلية القوي الحديثه التي صنعت انتصار اكتوبر 64 الديموقراطي الكبير وبذر البذور الاولي للشموليه فيها بدلا من الاستمرار بدور اليسار التحديثي والنهضوي التاريخي بالتركيز علي كيفية استزراع الديموقراطيه في الواقع السوداني. وهكذا عندما تهيأت الظروف الموضوعية سودانيا وعربيا لازدهار الحركة الاسلاميه لاحقا حصدت هي الزرع  فكان ان اصبحت التيار السياسي القائد وسط هذه القوي ( صانعة ) بدورها انتصار ابريل 85 الديموقراطي بغيابها القسري عن التحالف مع النظام المايوي، وفي الان نفسه فاتحة وحارسة لبوابة الشمولية التي لم ولن نعرف لها مثيلا.