عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.                                 

تنويه

نص الحديث الصادر عن  "مجموعة الاجندة المفتوحه " التي تضم عددا من المثقفين السودانيين بمدينة لندن وتركز جهودها في  تعميق قيم الديموقراطيه والاستناره .

+++++++++++++++++=

قدم المحاضر للموضوع بتعريف عام لمصطلح التنوير / الاستناره  يربط بينه وبين مفهوم العقلانيه سواء كتلازم او تطابق وذلك علي النحو التالي : لاسلطان علي العقل الا العقل. وفي صيغة اخري للفيلسوف الالماني (  امانويل كانت ) ان  " التنوير هو خروج الانسان من قصوره وهذا القصور هو عجزه عن استخدام عقله الا بتوجيه من انسان اخر " . ويلخص عالم الاجتماع المصري احمد ابو زيد المفهوم كما يرد في الفكر الغربي مكونا من ثلاث عناصر بقوله : " ان مفهوم التنوير يرتبط بعدد من المبادئ التي تدور حول تمجيد العقل والتفكير العقلاني المتحرر من سطوة المسلمات وتسلط الغيبيات مع احترام الفرد والاعلاء من شأن النزعات والتوجهات الفرديه والتشكك في قيمة الماضي وفي فاعلية التراث التقليدي ". وناقش التقديم بأختصار تطور هذا المفهوم في علاقته ببدايات حركة الاصلاح الديني المسيحي منذ ترجمة الانجيل من اللاتينيه بواسطة مارتن لوثر ثم الثورة الصناعيه وفكر الانوار وصعود البورجوازيه علي حساب الاقطاع في الصراع مع التحالف بين الكنيسه والاقطاع خلال القرنين السابغ عشر والثامن عشر. وفي هذا المخاض التاريخي نشأت الديموقراطيه

كأفكار ومؤسسات.

 انتقلت المحاضرة بعد ذلك في الجزء الثاني من تقديم الموضوع الرئيسي الي مفهوم وتجليات التنوير في المجال العربي لاسيما المصري بأعتباره المجال الذي تأثر به الواقع السوداني. وبينما توجد دلائل في تقدير بعض الباحثين ( د. ابو زيد ) علي وجود محركات ذاتيه محليه لبوادر استناريه ونهضويه  فأن تاثير الحمله الفرنسيه علي مصر بقيادة نابوليون بونابارت في القرن الثامن عشر هو الاوضح في هذا الصدد وتبعه عهد محمد علي ( 1769- 1849 ). الاولي التي استمرت ثلاث سنوات فتحت اوسع طريق حتي تلك الفتره للاحتكاك مع الغرب ( المطبعه، العلماء في مختلف المجالات، اكتشاف حجر رشيد الذي ادي لفك طلاسم اللغه الهيلوغروفيه الخ .. الخ ) و التغييرات في " التنظيم السياسي وأساليب الحكم والنظام القانوني فضلا عن التجارب العلميه ". وإبان حكم محمد علي بعد ذلك جري التركيز علي التعليم الحديث كاساس للنهضه فأرسلت البعثات الي مختلف الدول الاوروبيه ومن اهمها فرنسا والتركيز علي بناء الدوله مدنيا وعسكريا وتطوير نظم الزراعة والري. ومن هذه التفاعلات ظهرت شخصية مثل رفاعه الطهطاوي الذي دعي وعمل علي الاستفادة من علوم الغرب  وكان قد ارسل الي فرنسا واعظا وعاد منها عالما فترجم كثيرا من امهات المؤلفات الفرنسيه  وانشأ مدرسة الالسن ( الترجمه )  وادخل تعليم البنات وانشأ مدارس للاداره والاقتصاد والمجلات والصحف وعاش في السودان لفترة قصيره مديرا لاول مدرسه حديثه ( ماهو مغزي المصادفه بين اسم رفاعه المشترك سودانيا مع مدينة رفاعه التي انشأ فيها بابكر بدري اول مدرسة للبنات ؟). بعد هذه الفتره وخلال اواخر القرن التاسع عشر واوائل  العشرين ظهر أعلام التنوير المصري العربي الاسلامي ممثلين في الشيخ محمد عبده ومعلمه جمال الدين الافغاني الي جانب شبلي شميل اللبناني المصري.    وبينما دعا الافغاني وعبده الي الاصلاح الديني واستخدام العقل لفتح باب الاجتهاد ومارسا ذلك عمليا بانشاء الجمعيات بالنسبة للاول وبخطط وتطبيقات محمد عبده في اصلاح الازهر بأدخال  العلوم واساليب التدريس الحديثة فيه، فأن شميل، والمصري سلامه موسي، ادخلا  نظريات داروين  والنظرة المادية للتاريخ الي المجال الثقافي العربي.

تنتقل المحاضرة بعد ذلك الي الموضوع الرئيسي الخاص بالسودان عبر  الاشاره الي الديموقراطيه السياسيه بأعتبارها المنفذ الوحيد نحو عصر تنوير سوداني يستجيب الي خصوصيات واحتياجات محليه مستفيدا من منتجات عصر التنوير الاوروبي وامتداداته العربيه، لكونها فضاء مفتوحا للتفاعل بين السودانيين انفسهم كتيارات فكريه وسياسيه مختلفه ومع العالم الخارجي الاكثر تقدما وكمجال لتوليد وتراكم الخبرات والمعارف العلميه والابداعات الفنيه والادبيه. الظروف التاريخية حتمت اختلاف التجربة السودانيه بالمقارنة لاوروبا حيث تغلغلت العقلية والسلوكيات المستنيرة والعقلانية، البنية التحتية للديموقراطيه كثقافه ونظام سياسي ومؤسسات حزبيه، في المجتمع لاسيما في النظرة للدين نتيجة عصرالتنوير والثورة الفلسفية والفكرية، والصناعيه لاحقا،   الذي استفاد من منجزات الحضارات السابقه ولاسيما الحضارة العربية الاسلاميه التي حفظت التراث الفلسفي اليوناني وانتجت في كافة الميادين من الموسيقي وحتي العلوم ويذهب البعض ( مارتين بيرنال في كتابه بعنوان اثينا السوداء ) ابعد من ذلك الي القول بوجود جذر افريقي للحضارة اليونانيه.  السودان لم يقدر له توفر هذه البيئة الملائمة لتنمية الديموقراطيه كعقليه وتصرفات تلقائيه حتي بمقياس الحدود الضيقة التي شهدت فيها مصر مايشبه عصر النهضه والتنوير نتيجة الحملة الفرنسيه اواخر القرن الثامن عشر وعهد محمد علي بحيث عرفت التيارات الليبراليه منذ العشرينات ومن ثمراتها دستور منذ عام 1923 وظهرت فيها شخصيات، بعد عهد محمد عبده وغيره، مثل علي عبد  الرازق وطه حسين واحمد لطفي السيد حاملة لواء التجديد الديني والنظر العقلي في التراث والفكر الحديث.   في غياب هذا الشرط الموضوعي سودانيا اصبح الدور الاهم موكولا للارادة الذاتيه ممثلة في المجموعة المحدودة من خريجي معاهد التعليم الحديث التي جاءت مع الاحتلال البريطاني وممتهني بعض الحرف والاعمال المدينية وشبه- المدينيه والاوساط الاخري  التي تشاركها القدر المحدود من الاحتكاك ببيئات خارجية اكثر تقدما وهي المجموعة التي شكلت نواة ماعرف في الفكر السياسي السوداني بمصطلح القوي الحديثه وارتبط نشوئها بالحاجة الاستعمارية لادارة جهاز الدوله واستثمار موارد البلاد لمصلحتها.  ارهاصات ( النهضة التنويريه ) التي تحققت علي يد هذه المجموعه خلال عشرينيات القرن الماضي متخذة طابعا ثقافيا وادبيا اساسا شهدت  تصاعدا مضطردا مع اشتداد عودها طبقيا وثقافيا وسياسيا،  ومعه السند الدولي في المعسكر الاشتراكي وحركات وانظمة التحرر الوطني، حتي سبعينيات القرن الماضي تقريبا. منذ هذه الفتره بدأ اثر  الانهيار المتكرر للتجارب  الديموقراطية في الظهور علي مستوي الاقتصاد ( انهيار قيمة العمله السودانيه التي كانت حتي ذلك الحين تساوي اكثر من ثلاث دولارات للجنيه السوداني الواحد ) والتعليم ( بداية التلاعب السياسي الدكتاتوري بالمناهج وركائز العملية التعليميه ) والحياة العامه ( تعطيل تطور الحياةالحزبيه واغلاق منافذ التفاعل مع الخارج ).

  من هنا بدأ تبخر الرصيد الاستناري الذي كان قد شرع يترسب منذ مطلع القرن العشرين  حتي بلغ مع اخر الانقلابات وشموليتها المتزايده وضعا باتت معه العقليات واساليب الحياة الفردية والجماعيه المتفتحة ابتداء من اساليب الترفيه وحتي اكثر الانشغالات جدية، جزرا معزولة في بحر من التقليدية ذات التأويلات الدينيه بقشرة عصريه.   تحت الضغط الباهظ والمستمر بطول سنوات غياب الديموقراطيه نتيجة هشاشة مرتكزاتها في التنوير والتحديث والنهضه،  ومن ثم هيمنة الانظمة الانقلابيه وقصورات الاحزاب الكبيرة انتخابيا والاصغر وكذلك القطاع العريض من الوسط غيرالمنظم حزبيا،  تضاءل الوزن النوعي للقوي ( الحديثه ) في تناسب عكسي مع تضخمها العددي.   فالتوسع الكبير في المنظومة التعليميه صاحبه تفريغ كامل  لمفعولها الاستناري من مستوي رياض الاطفال الي فوق الجامعي، والتوسع الكبير في النشاط الاقتصادي وحجم القطاع الخاص صاحبه تدهور في ادارته وسوء توزيع ركز الثروة القومية في اقلية صغيره منهيا الوجود الفعال للطبقة الوسطي،  الحامل الاجتماعي للمعارف العصريه،  وفي الوقت نفسه حوّل الريف المنتج اقتصاديا الي جيوش جرارة من النازحين نحو المدن بالمجاعه والحرب الاهليه، فقدت معه الاخيرة طابعها ودورها الحضري التحضيري. بدلا من ان تتيح المدينة فرص عمل ورعايه صحيه وتعليم جيد للقادمينمن الريف، تسبب انهيار هذه المجالات فيها في تحويل المدينة نفسها الي بيئة مولدة للترييف وتشكل عبئا علي امكانية التقدم والتطور بدلا من ماكينته وموتوره.    

الدليل الصارخ علي حلول الظُلامية ( المصطلح المغاربي  المناقض للاستناره )  مكان ارهاصات الاستناره هو ان هذه الفئات ( الحديثة ) المتوسعة نفسها باتت الارض الخصبة لظاهرة مثل الحجاب المديني بلغ من انتشارها انها اصبحت الزي النسائي العادي ( بأمتداده الذكوري في انتشار ارتداء الجلابيه خارج مكانها وزمانها سابقا ).. رمزا قويا لعودة ظافرة للاسلام التقليدي، أسلام النصوص والحرفيات بدلا من اسلام التاريخ والواقع المعاش.   بيد ان اهم انتصاراته  هي علي الارجح استيلاؤه علي الموقع الرئيسي في اوساط انبه الطلبة الجامعيين في كليات الطب والهندسه ممثلا في انصار السنه السلفيين بينما بقي الاسلام السياسي التقليدي عموما بتفرعاته المختلفة القوة الرئيسية في القطاع الطلابي تتحالف ضده اكثر من عشرة تنظيمات لاتلبث ان تغرق في خلافات تعكس مدي افتقارها للوعي الديموقراطي وهشاشة تكوينها كأمتداد لحالة القوي ( الحديثة ) خارج المجال الطلابي وبلغ الامر ان المعارضه لم تعد مهتمة حتي بمنافسة التيار الاسلامي السلطوي كما تدل الاخبار اليوميه التي تشير الي فوز الاسلاميين في كافة الجامعات.

علي هذا الاساس فأن المداخل نحو استعادة زمام المبادره لاحياء امكانية تأسيس تيارات الاستناره والتنوير ، ومن ثم الديموقراطيه،  تتركز حول موضوع الدين دون ان تنحصر فيه.   هذه القضية التي عرفت في التجربة الاوروبيه بالاصلاح الديني لم تنطرح سودانيا بحدة منذ نشوء القوي الحديثة وحتي السبعينيات  لان الاسلام ( بأستثناء اقليته الشيعية ) متعدد ولاكهنوتي بعكس مركزية الكاثوليكية وتراتبيتها كما ان الصراع بين الدولة والمؤسسة الدينيه لم يكن قائما عندنا وكذلك التحالف بين الاخيرة والاقطاع.   هذه فروقات جوهريه بالمقارنة لاوروبا لذلك بقي موضوع الاسلام بعيدا عن اهتمامات المثقفين السودانيين والقوي الحديثة عموما في فترة صعودها وفتوتها مما سهل نمو الاسلام السياسي وتدرجه نحو الظلاميه.   علي ان الحدة التي تنطرح بها قضية الاصلاح الديني في مجتمعات المسلمين الان اضحت علي نفس درجة الحاحها في النموذج الاوروبي وقتها لاسيما بعد ان اصبحت اجندة واسلوب عمل السلفية الجهادية هي السائدة  حتي في حركات المقاومة والتحرير الي درج اننا وجدنا انفسنا امام الخيار الصعب، في حالة مثل افغانستان والعراق، بين التخلف المريع واللاانساني لدي طالبان والقاعده من جهه  والغزو الاجنبي اللاانساني بطريقته من جهة اخري.

     مجال الاشتغال المطلوب علي الموضوع الديني، حسب المحاضره، واسع للغايه اتساع مجال نفوذ هذه الظاهره اذ يمتد من  الشكليات، او مايبدو شكليات وهو في الحقيقة وسائل سيطرة ظلاميه مقصوده او غير مقصوده، مثل عبارات الشكر والامتنان ( جزاك الله خيرا الخ.. الخ.. ) واللحية والغره  والزي النسائي والرجالي، الي البحث الفلسفي والفكري. ولايجب الاستهانه بتأثير المظاهر والرموز مثل التحيه والزي في هذا الخصوص. في الظروف العاديه ارتداء الحجاب او الجلابيه خيار شخصي ومسألة ذوق ولكن في ظروفنا التي ارتبط فيها ظهور هذه الممارسات بصعود الاسلام السياسي والتقليدي اصبحت دليلا علي قوته وهيمنته ومساعدة علي استمرارها. 

  علي ان نقطة بداية الاشتغال الاهم من غيرها سؤال تطرحه الحقائق التاليه :  يتوفر للمثقفين السودانيين وغيرهم منذ فترة رصيد غني من المعالجات الفكرية المستنيرة والحديثة للاسلام والتراث رغم جو الكبت والارهاب حد الاغتيال المادي والمعنوي.    اضافة للاسماء المعروفه الجابري، ابو زيد، اركون  الخ.. الخ..هناك كتابات لاكاديميين ومفكرين وصحفيين، من بينهم سودانيون ( محمد محمود، طه ابراهيم، حيدر ابراهيم الخ.. الخ.. )،  لاتكاد تخلو منها مجلة او صحيفة او فضائيه.   فوق ذلك واكثر اهمية هناك المادة الثرة الصالحة لممارسة نقد فاعل وعملي ملموس  للاسلام التقليدي  تقدمها يوميا تجاربه التطبيقية السلطوية الفاشلة في السودان وايران وافغانستان.    لماذا اذن تبدو النخب المسلمة السودانية وغير السودانية غير مصغية لدروس هذه التجارب الحيه ومصمتة العقول تجاه الجهد الفكري لاستقصاء جذورها، بما في ذلك الصادر عن بعض المفكرين (الاسلاميين )،  الي درجة ان هذا النوع من الاسلام في صيغته الجهادية اصبح القائد الفعلي ل ( المقاومة ) في العراق وافغانستان وفلسطين ولبنان،  وفي صيغته التقليدية الاخوانية المرشح الاول للفوز في اي انتخابات ديموقراطيه؟   ومع الاجابة البديهية وهي انعدام قابلية هذه النخب للتجاوب مع اي خطاب غير تقليدي،  يأتي التفسير المقترح هنا وهو التدهور النوعي للنظام التعليمي.   صحيح ان ظاهرة انتشار الاسلام التقليدي بتلويناته المختلفه معقدة الاسباب ومتعددته ابتداء من تدفق البترو دولار اثر حرب 73 العربية- الاسرائيليه وانتهاء بثورة الاتصالات والفضائيات مرورا بعوامل القهر المعيشي والامبريالي وفشل التجارب (العلمانيه )،  ولكن المدخل الرئيسي للبدء بتفكيك هذه الشبكه ذهابا الي اقتلاع جذور الظاهره علي المدي الابعد هو استزراع ملكة التفكير المستقل والنقدي لدي الانسان- الفرد والانسان- الجماعه.  تاريخيا بوادر الاستناره التي لم يقدر لها ان تنمو وتتجذر نشأت فعليا  مع تأسيس النظام التعليمي خدمة للاغراض الاستعماريه ولكنه كان متأثرا بالتقاليد والمفاهبم التعليمية البريطانيه القائمة علي الانفتاح والتكامل بين التعليم والتربيه كما ان منع امتداد تأثير هذا النوع من التعلبم من اغراضه المباشره في اعداد صغار الموظفين والفنيين لادارة الماكينة الاستعماريه الي الفضاء السياسي والثقافي العام لم يكن ممكنا.

 في ظروف التطور العادي تلعب الاسرة والفضاء العام الاجتماعي والثقافي والسياسي دورا تمهيديا ومساعدا للمدرسة التي تتولي المهمة الرئيسية في تحرير عقل الانسان وتوسيع افاقه بحكم حالة التخلف العامه في بلد مثل السودان، بينما تتساوي اهمية هذه المصادر الثلاثة في المجتمعات المتقدمه.   اما في ظروفنا الراهنة غير الاعتياديه فأن اهمية دور المدرسة تتضاعف عدة مرات كونها الوسيلة الاساسية لفتح الطريق نحو استعادة الحيوية الي دور الاسرة ومختلف مكونات الفضاء العام في التشكيل السليم لعقلية الفرد والجماعه.   من هنا الاولوية القصوي لهدف الاصلاح التعليمي وضرورة ايلائه القدر الذي يتكافأ مع هذه الاهميه الاستثنائيه في استراتيجية المعارضه ونشاطات المجتمع المدني والاهتمامات الفرديه.   الاصلاح التعليمي هو شعار المرحله الرئيسي بأعتباره المدخل الاهم للاصلاح الديني،  للشروع بتأسيس عصر تنوير سوداني ينبثق عنه مناخ ونظام ديموقراطي راسخ ومتجذر بدرجة تتحمل بقاء التيارات الدينية التقليدية نفسها، بمافيها الاقرب الي مفهوم الظلاميه، ولكن جزء من المسرح العام وليس المخرج او الممثل الرئيسي كما هوالحال الان ومنذ مده.

هذه بطبيعة الحال مهمة سياسية بالدرجة الاولي  ولكن يمكن للمجتمع المدني ان يلعب فيها دورا هاما  بتشكيل مجموعات ضغط LOBBY  ليس فقط علي الحكومه وانما ايضا علي المعارضة السياسية التي تبدو غافلة عن اهمية هذا الموضوع بالنسبة لها.   فمحدودية فعاليتها رغم توفر الاسباب بفضل  سياسات العهد الانقلابي الثالث الخرقاء ومواتاة المناخ الدولي للتحركات الديموقراطيه اكثر من اي وقت مضي، تعود اساسا الي ضعف تأثيرها في مجتمع اضحت قواه القائدة الحديثة ابعد ماتكون عن مضمون هذه الصفه ولاسبيل الي الشروع بأحيائها دون البداية من إحياء النظام التعليمي من حيث  فلسفة المناهج واوضاع المعلمين وكافة مكونات البيئة التعليميه.   وعي المعارضة بهذه الحقيقه كانت ولاتزال امامه فرص عديدة للتحول الي عمل فعال ولكنها بقيت مهدرة لانعدامه.   فهناك في تركيبة السلطة الحالية اطراف من المعارضه وحلفاء محتملون ( الحركة الشعبيه وبعض ممثلي التجمع الوطني )  كما ان موضوع الاصلاح التعليمي يجد اهتماما كبيرا ودعما حاضرا متعدد الوجوه من قبل المنظمات الدولية وهيئات المجتمع المدني والدول المانحه. هذه كلها عوامل تساعد علي تحقيق تقدم في هذا الميدان الحيوي ولكن عدم الانتباه لاولوية التعليم في استراتيجية المعارضه والناشطين في الحقل العام عموما يجعلها عديمة الفائده وفرصا مهدره.                   

   بعد ذلك انتقلت المحاضرة الي ماأسمته بالمخارج المساعده لان التشخيص الذي تقوم عليه أزمة التنوير في السياق السوداني يعني ان المجتمع السوداني اضحي عاجزا مرحليا عن توليد قوي الاستناره بمستوي يجعل حتي درجة التركيز المطلوبة علي الاصلاح التعليمي غير كافية لتوفير المخرج.   من هنا الحاجة للتفكير في مخارج مساعده ستكون بالضرورة بعيدة عن المناطق التي يتجه اليها البحث عادة نظرا لاستثنائية تعقيد المعضله لذلك فقد تبدو غريبة بعض الشئ حتي لمن يشاركون المتحدث توجهاته العامه.  المخرج المساعد الاول يمكن صياغته علي النحو التالي :  اعادة تكييف العلاقة مع الغرب ( اوروبا الغربية وامريكا ) انطلاقا من الاعتراف الفعلي بأنه يقدم الصيغة الوحيدة القائمة الان لمجتمعات الاستناره والرفاهيه علي علاتها.  مع الانتباه الي انطواء هذه الصيغة علي ميكانيزم للنهب والهيمنة الامبرياليه فأنه لابد من التفكير في كيفية التوصل لتوازن خلال مرحلة معينه بين التصدي لفعل هذا الميكانيزم،  والاستعانة بمنجزات الغرب الحضاريه وامكانياته في خدمة اهدافنا الراهنة وهي توليد محفزات التنوير الفكري والاجتماعي بدرجة الالحاح الكبيرة التي تلازمها.   التوصل الي هذا التوازن مهمة صعبه لانه لايمكن الفصل الكلي بين هذه الاستعانه والتعامل مع الحكومات التي تقود هذه الصيغ بسياساتها الدولية والاقليمية وبعضها يؤثر علينا سلبيا مباشرة كما هو الحال في العولمه والقضية الفلسطينيه مثلا، كما لايغني عن ذلك التعامل استبداله بالتحالف مع حركات الاحتجاج السياسي والاجتماعي في هذه الدول لان السلطة الحقيقية فيها تظل محصورة في تداول لها بين احزاب معينه لاتخرج كثيرا عن المؤسسة الرأسمالية الحاكمه.   بيد اننا مضطرون للبحث عن التوازن الذي يخدم مصلحتنا علي المدي البعيد،  بما في ذلك تعظيم قدرتنا علي الرفض الكلي والفعلي لما يستوجب الرفض من تلك السياسات،  حتي لو اقتضي الامر تنازلات معينة علي المدي القصير . ويعني هذا خوض صراعاتنا المشروعة مع الغرب بقدر من الحده هدفه حفظ القضايا حيه  وليس كسبها نهائيا، حتي نكتسب من القوه مايجعل الدخول في صراع بحدة اكبر مضمون النتائج لمصلحة قضايانا، أي دون تصعيد سابق لاوانه للصراعات يدفع بالعلاقات الي الانقطاع او الفتور الشديد مغلقا باب الاستفادة مما ينفعنا في النموذج الغربي ونحتاج اليه بشده وبالتالي امكانية كسب معاركنا معه علي المدي الابعد.  إن المجتمعات القوية القادرة فعلا هي مجتمعات الافراد والجماعات القوية والقادرة بممارستها للحريه بحدود المسئولية النابعة من هذه الممارسة نفسها،  وليس مجتمعات انظمة الاستبداد التي تتراوح مواقفها العملية تجاه الغرب بين حدي العداء والاستسلام وتنتهي في الحالتين الي استنزاف حيوية المجتمع وتسليمه الي قوي الظلام والتخلف بوجود الاستعما او بدونه.  من هنا فأن الخطوة الاولي للخروج من هذا المأزق هي التفكير في مسألة نوعية وكيفية العلاقه مع الغرب بعيدا عن جو الارهاب الفكري والسياسي الذي تفرضه حركات وايدولوجيات الشموليه الدينيه الصاعده وبقايا غير الدينيه.           

المخرج المساعد الثاني يمكن صياغته علي النحو التالي : تركيز السلطة في يد الاسلاميين لفترة طويله بدأت من قبل استلامهم الكلي لها بعد  انقلاب 89  رافقه تركيز عال للثروة في اوساطهم.  ومع الثروة يجئ التعليم الجيد للاجيال الاصغر سنا خاصة اللغات الاجنبيه والعلوم الطبيعيه وممارسة المهن الحديثه في مجالات تكنولوجيا الاتصال وغيرها ثم الاحتكاك الواسع والحميم بالعالم المتقدم اوروبيا واسيويا واخيرا ارتفاع مستوي معيشة الافراد بما يسمح بفراغ وقدرة للاهتمام بالعمل العام ... وهي مجموعة الشروط الموضوعية التي تهيئ الفرد ليكون بالامكان potentially اكثر قابلية للانفتاح ذهنيا وشعوريا بالمقارنة للذين لاتتوفر لديهم هذه الشروط .   امامنا واقع تتعايش فيه اقلية مع اغلبية  :  مجموعة السلطة والثروة اقلية ضئيله بالمقارنة لمجموع السودانيين ولكن الوضع معكوس فيما يتعلق بالذين تنطبق عليهم شروط الاستنارة الموضوعيه فأغلبية هؤلاء الساحقة تنتمي الي اهل السلطة والثروه بالمقارنة لعدد الذين تتوفر فيهم بين اغلبية السودانيين.   وفي بحثنا الملح عن مكامن الاستناره يطرح علينا هذا الوضع تساؤلا حول كيفية تحويل الموضوعي الي ذاتي،  كيفية اختراق الطبقة الكثيفة من الوعي المتخلف المحروسة بالقيادات والامتيازات لتفجير طاقة الاستنارة الحبيسة لدي شباب الاسلاميين وقواعدهم.  لاينبغي صرف الانتباه عن اهمية هذا المخرج بالخلط مع الموقف الفكري والسياسي المناقض عن حق للاسلام السياسي كحركه ونظام.

من ضمن الملاحظات الختاميه للمحاضره، التي اعتمدت علي ورقة كان الصاوي ( محمد بشير ) قد قدمها في مؤتمر اتحاد الكتاب السودانيين، اشار المتحدث الي مرجع مفيد للغايه فيما يتعلق بموضوعها وهو المجلد رقم 29 لعام 2001 الشهر الثالث من مجلة عالم المعرفه التي يصدرها المجلس الكويتي للفنون والاداب حول التنوير. من بين المواقع الالكترونيه يمكن الرجوع الي موقع  "الاوان " الذي يوفر  متابعة شامله لفكر التنوير تاريخيا ومعالجة لقضايا راهنه يوميه. كما نوه المحاضر الي ضرورة الاهتمام بدراسة تجربة الكاتب الموسوعي معاويه محمد نور ( 1909 – 1941 )  باعتباره النموذج الحقيقي المتكامل للمثقف السوداني المستنير بتفاعله العميق والمتوازن مع التجربة الحضارية الغربيه وذلك من خلال مؤلفاته ( الاعمال الكامله اعداد رشيد عثمان خالد وكتيب السني بانقا عن معاويه ثم الجزء المخصص في مذكرات الشخصية اللبنانيه-البريطانيه ادوارد عطيه " عربي يحكي قصته"  لمعاويه )

 

                     (  عن  جريدة الاحداث )