عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الصحفي خالد سعد بجريدة الصحافه والناشطة الثقافية المرموقة رشا عوض  بجريدة أجراس الحريه قدما اواخر شهر اغسطس الماضي عرضا للمداخلات في الندوة المشار اليها في عنوان هذا المقال والتي كان قد نظمها منبر الشباب الديموقراطي بمركز الدراسات السودانيه . وفقا لهذا العرض واستجابة لمخطط الندوه قدم كل من المتحدثين الثلاثه تعريفا لمصطلح  اليسار ( الاشتراكي ) ليس بينها اختلافات جوهريه. هاله عبد الحليم ( حركة حق ) :  اليسار مواقف التقدم ضد القوى المحافظة. محمد علي جادين ( البعث السوداني )  : المقصود باليسار عموما هو الحركة الاشتراكية. الشفيع خضر ( الحزب الشيوعي )  : اليسار هو النضال من أجل المساواة بين البشر.  يجادل هذا المقال بأن صحة او عدم صحة أي من هذه التعريفات او غيرها اضحي غير ذي موضوع بما ينطبق ايضا علي مصطلح اليمين ( الرأسمالي ). فاليسار الذي فشل كأنظمه بناء داخلي فشلا ذريعاً نجح بنفس الدرجه كحركة نقد نظري وعملي للرأسماليه بحيث ادخل تبدلا جوهريا في طبيعتها الاصليه، فلم يعد اليسار يساراً ولا اليمين يميناً. التزاوج  بين الرأسمالية والاشتراكيه، بين العدل الاجتماعي التوزيعي للثروة القوميه وانتاجها المهول كما ونوعا، يجعل مايسمي رأسمالية الان، في الواقع، مخلوقا هجيناً يحمل قدرا متساويا من الخصائص الوارثية للطرفين. هذه حقيقه لايقدح في سلامتها ان تاريخ الفكر السياسي لم يتوصل حتي الان الي  صياغة مصطلح ثالث يعكس وجودها.

في بعض تفاصيل هذا التصور يرد الاتي : ظفر الرأسماليه الذي تسير بذكره الركبان نهايةً للتاريخ هو  ظفر الاشتراكية ايضا. فخطة المخرج من انهيار النظام المالي الذي بدأ خلال العام الماضي ، ونذر نجاحها الاوروبية بدت في الافق الان، تقوم علي تحفيز الاستهلاك بتعزيز القوة الشرائية للمجتمع من خلال دعم القدرة التسليفية للبنوك،  مع وضع ضوابط علي انفلاتاتها التي فجرت أزمة الانهيار. هذا بمثابة إعادة تأكيد لقانون قديم مؤداه ان صانع الثروه ومستهلكها، هما بنفس الدرجه الاهميه في نمائها وترجمة ذلك، بعبارة اخري، ان انتاج السلع والخدمات لايتطور كما ونوعا الا بوجود أعدل وأوسع توزيع ممكن للثروه، وفي لغتنا المألوفة يسارياً بوجود الاشتراكيه والرأسماليه معا، والاولي في قلب الثانيه . كذلك فأن  هذا الوجود تحقق تاريخيا بالدور الذي لعبته الاشتراكيه كنظريات وحركات في دفع القوي العامله الشعبيه مصانعا وحقولا الي صميم  المجتمع والتاريخ بأعلاء مصالحها في الفكر السياسي وحركته التطبيقية اليوميه خائضة صراعا نبيلا وشاقا مع رأسمالية القرنين الثامن عشر والتاسع عشر التي كانت ديناميكيتها الذاتية عاجزة ومضادة لذلك. ومعني ذلك ان عاهة اللاديموقراطية المستديمة للاشتراكيه كأنظمة شيوعيه وبعثيه وناصريه، وافريقيه واسيويه وامريكيه لاتينيه ايضا، قتلت المجتمع المدني في عقر دارها وفشلت في انتاج الثروه والتكنولوجيا موزعة ، بالتالي، الفقر بدلا من الغني النسبي،  ولكنها مع ذلك شكلت القوة الدافعة الكبري لتأسيس المجتمع المدني ،النقابي خاصة، في امريكا وبريطانيا كما في عطبره واسطنبول بالضبط لانها في الخارج لم تكن تعاني من هذه العاهه. هذا الي جانب مساهمتها الكبري في هزيمة النازيه ودعم حركات التحرر السياسي والاقتصادي في العالم الثالث ضد الاستعمار والامبرياليه.

        إذا صحت هذه المجادله فأن المهمة المطروحة علي اليساريين ( سابقا ) مواصة لدورهم الايجابي الهام في تحقيق اقصي قدر ممكن من السعادة للانسان بتحريره من أكبر قدر ممكن من العوز المادي والمعنوي، هو تعميق نقدهم الذاتي لتجاربهم الماضيه إنطلاقا من الاعتراف بأن جذر ضعفها الحقيقي هو انطواء صلبها الفكري والتطبيقي علي عنصر تقييد لحرية الفرد والجماعه. هذا هو ماجعل الماركسيه،  أرقي وأشمل نقد لرأسمالية مابعد الثورة الصناعيه، تقع عند التطبيق في نفس مطب الطوباويه الذي زعمت ان الرد الاشتراكي المثالي  لدي سان سيمون  الفرنسي وأون البريطاني وقعت فيه لان التقييد يعادل حتما تجميد طاقة الخلق والابتكار والابداع.  ومن هنا يمكن القول بأن ستالين كان موجودا في لينين وعلي صعيد العالم الثالث فأن صدام كان موجودا في ناصر الخ.. الخ.. نظرا لوحدة القاسم المشترك بين الجميع، وان كافة هذه الخصائص السلبيه تترسب الان تدريجيا لدي شافيز فنزويلا إذا لم يكف بعض اليساريين عن احتضان كل من يعلن عداءه لامريكا حتي لوكانت تحالفاته النجادية والاسدية والقذافيه تدل علي مدي جدية مثل هذا الادعاء.  افكار هذه المجادله ناقشها كاتب هذه المحاوله اكثر من مره لذلك فهو يحيل أمر التعبير عنها هذه المره الي واحد من اميز المفكرين والكتاب المتحولين ديموقراطيا من الأسلام السياسي، وليس من اليمين لليسار، هو الفلسطيني- الاردني خالد الحروب : " بمقدار ما يتم إحترام هذه القيمة ( الحريه )  يتم الحكم على تقدم ونجاح المنظومات الفكرية والمجتمعات والأيديولوجيات والأديان. كل تقدم أكان مادياً أم معنوياً لا تحتل الحرية مكان القلب فيه سيظل تقدماً منقوصاً ومؤقتاً ومحكوماً بنهايات مأساوية.( .. ) الحرية هي منطلق الإبداع، إن توفرت أبدعت المجتمعات وإن غابت تخلفت "  (مقال بعنوان اسلام غُل وأردوغان واسلاميونا العرب ، جريدة الحياه 6 سبتمبر 2009 ) .

حسب خلفية قارئ هذا المقال ورؤيته قد يبدو هذا التناول الجدالي غريبا بصورة نسبية او مطلقه ولكن الشاهد انه ليس بعيدا كلية عن بعض ماورد علي لسان المشتركين الثلاثة الرئيسيين في الندوه. فالشفيع خضر يتحدث عن " التشكيك في جدوى التمايز التقليدي بين اليسار واليمين " وعن ضرورة امتلاك اليسار الماركسي لشجاعه  "كافية تمكنه من إعادة النظر في المنطلقات المفهومية ". وبينما يشارك جادين في هذا التوجه النقد الذاتي اليساري منطلقا من تجربته  البعثيه بتركيز علي التردد ازاء الموضوع الديموقراطي، تقودنا مداخلة هاله عبد الحليم الي منطقة قريبة من مسألة العلاقه بين الحريه والتقدم الابداعي عندما تشير للمفارقه بين : " امتلاك الحركة الاسلامية لوسائل المعرفة والتكنولوجيا واستخدام العلوم الحديثة واحدث فنون واساليب الادارة والتنظيم. بينما تخلف اليسار عموماً تخلفا واضحا ومؤثراً في هذا المضمار ". هي بذلك تلفت نظر  الفكر السياسي السوداني الي المعضلة الكبري والمنسية التي تواجهها حركة التقدم في السودان . ففي ظل الاختلال المريع لتوزيع الثروه القوميه لمصلحة الحركة الاسلاميه بملحقاته في الاستفادة من العالم الاول، كان طبيعيا ان تقع مفاتيح هذه الاستفادة في ايديها وبعيدا عن أيدي قوي اليقظة الديموقراطيه القادرة وحدها علي النفاذ الي خلفية الاستناره والعقلانيه المولدة لهذه المفاتيح ومن ثم توظيفها لاحداث تنمية حقيقية شامله لقيامها علي ساقي الانتاج والتوزيع العادل معا.    

ما تضمنته اوراق المتحدثين الثلاثة مباشرة  ومايمكن استنتاجه منها تصلح كمادة لتداول أكثر عمقا وتاليا أكثر إثراء للفضاء الفكري والسياسي، اذا اتيح لها مجال مايسمي العصف الذهني :  التفاعل المركز للافكار بين مجموعة محدودة العدد في لقاء مغلق يُتفق علي صيغة إخراجه للعموم بين المشتركين فيها واجلا او عاجلا، لان المنابر المفتوحه تفرض علي المشاركين فيها قيودا ذاتية واخري غير ذاتيه تمنعهم من التبادلِ الكاملِ الحرية للافكار. اقتراح من هذا القبيل كان قد طرحه سابقا احد المشاركين في التعليق بالندوه، يس حسن بشير صاحب الصرامة الاسلوبية والمنهجيه في كتاباته التي يندر وجودها الضروري عندنا، وقد  يري مركز الدراسات السودانيه  استكمال عمله المثمر بتنظيمه للندوة المفتوحه بتنظيم ممارسة من هذا النوع ستكون الاولي من نوعها سودانيا حسب علمي.