عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تحت هذا العنوان تبث قناة الجزيرة الفضائيه منذ فتره سلسلة تحمل اسم " تجربة حياه"  للاستاذ محمد حسنين هيكل تتجلي فيها قدرة علي الاداء الشفهي ليست اقل من مذهله، لاسيما وهي تصدر عن رجل ثمانيني. سلاسة في السرد، فهو نادرا ماينزلق خارج النقطة المعينه، منتبها لذلك سريعا عندما يحدث. إتقاد للذاكرة يظهر ليس فقط في الاسترسال دون توقف، اسماء وأحداثا وتواريخ، وانما ايضا في التساوق الكامل بين حركة اللسان واليد، بين نطق المعلومه وامتداد اليد لالتقاط الوثيقة ذات الصله لعرضها علي المشاهدين. كل ذلك مخدوما بمكتبة بالغة الثراء ودقيقة التنظيم مؤطراً بتحضير انتاجي واخراج تلفزيوني ذكي في توزيع الاضاءه وزوايا التصوير والديكور والموسيقي المصاحبه. ومع ان حلقة الجمعه 14 اغسطس الماضي حول عبد الحكيم عامر، العسكري الثاني في ثورة 23 يوليو، لم تنطو علي جديد من حيث الخطوط العريضه، الا ان تجلي هذه الخصائص فيها يجعل من الصعب الانفلات من التأثير الهيكلي بهدف القاء ضوء تحليلي عليها. وهو تأثير يكتسب قوة اضافيه لكونه مستمدا من سحر الناصريه نفسها، سحر مستحق في بعض منه وعائد في بعضه الاخر الي قابلية العقل العربي لأسطرة ( من اسطوره ) الحوادث والبشر منبثقة عن تكوينه ماقبل الاستناري العقلاني. فهيكل هو ثاني اثنين مع عبد الناصر نفسه في تشييد الصرح الناصري، صديقاً شخصيا ومستشاراً أول وأمهر الرسامين لصورتها كما استقرت في اذهان ملايين العرب برتوش إبهارية للايجابيات وتظليليه للعيوب عبر كتاباته الصحفية ومؤلفاته.  

لايحتاج الامر الي ناقد مزمن للحركة القومية العربيه مثل كاتب هذا المقال مدعي المعرفة بها ناصرية كانت او بعثيه، ليشير الي ابرز عيوب الناصريه وهو انعدام المؤسسيه، فحتي اكثر المنتمين اليها يعترفون بذلك منذ مده. وفي ثنايا رواية هيكل في الحلقة المشار اليها لسيرة عامر خلال الأيام اللاحقة مباشرة للهزيمة- الكارثه بعد حرب يونيو 67  التي أختتمت بأنتحاره، نجد صورة دقيقة لاتشوبها شائبة دس او انتقاص متعمد من قيمة ثورة يوليو لمدي صحة هذا التشخيص بحكم كونه جزء حميميا منها، بينما يشكل حضوره هو التفصيلي في الاحداث ودوره المحوري في تطوراتها أفضل الادلة علي اللامؤسسيه. فهيكل لم يكن مسئولا سياسيا او تنفيذيا في النظام الناصري مع ذلك فأن موقعه المفصلي فيه يصل درجة ان رئيس الجمهوريه لايستطيع الوصول الي وزير الحربيه وقائد الجيش،وايضا صديق عمره، الا عندما يختار الاخير هيكل واسطة لتحقيق هذا الاتصال. ولقصة اللامؤسسية بعد ذلك، كما يوردها هيكل نفسه، بقية أغرب . فعبد الناصر الذي عرف بأستقامته الشخصيه وبعده البعيد عن المحاباه والفساد وأخذُ نفسه قبل الاخرين بشدة قصوي، يعرض علي قائد أثبت فشلا إجراميا بكل المقاييس في القيام بواجباته منصبا سياسيا كنائب رئيس الجمهوريه، ولايتوقف الامر عند هذا الحد اذ يرفض الاخير بحجة أنه منصب شرفي  مصرا علي العودة لمناصبه الاولي جميعها. كل ذلك لأنه، في كلمات هيكل نفسه، كان  صديقاً ومأمونا " لعبد الناصر.

هنا قمة اللامؤسسيه حيث تحل المعايير الشخصية محل الموضوعيه، ولكن أيضا هناك ملامح عيب اخر وهو  انعدام فعالية النقد الذاتي في نوعية معينة من الانظمه. الناصرية كانت فاتحة طريق لمجموعة من الانظمه العالمثالثية التي اقتحمت بأسلوب لاديموقراطي واقعا يصرخ بالحاجة للتغيير. ورغم أنها كانت الاكثر مشروعية من غيرها بمستوي انجازاتها وظروف وقوعها، الا أنها تتقاسم مع نظيراتها التي كانت علي قدر اقل كثيرا من المشروعية، ومعدومتها تماما احيانا  كما في الحالة السودانيه،  خاصية الانغلاق الديموقراطي.  ضد كل وعود قيادات هذه الانظمه ونواياها عند ولادتها، بل والمحاولات الصادقة للتنفيذ،  فأن خروجها عن مجري التغيير الذي يضع صندوق الانتخابات النظيف والنزيه في موقع الحاكم، يؤدي حتما الي تركيز السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والاعلامية في يد جهة واحده. عند ذلك يمتنع النقد الذاتي المواكب للمسيره ويولد نوع اخر مدجن وقاصر ومتأخر زمنيا عادة لانه مأذون من فوق فيغدو بذلك فاقدا للفعالية التصحيحية المقصودة  منه وتتضخم الاخطاء الصغيره الي انحرافات مسرعة بأتجاه الكوارث الوطنية الحجم.   

في الحلقه المعنيه يبدو هيكل نموذجا لهذا النمط النقدي الاعرج. حتي بعد اكثر من اربعين عاما علي الهزيمه لازال هناك مجال ( هيكلي ) للتقليل من دور عامر فيها فهو يكرر اكثر من مره انه لايبرر إرتكابات عامر منتقياً من حصيلة معلوماته التاريخيه الدقيقه بسياقها الابهاري في العرض مايؤكد ذلك عندما يدرجه ضمن ظاهرة عامه مع عشرات القادة العسكريين المهزومين بما فيهم اكثرهم شهرة نابوليون بونابارت متهما شيطان الخارج بالتركيز علي دور عامر للنيل من النظام والامه . بيد ان هذا النموذج بالذات هو الذي ينفي صحة المقارنة لان الانحراف النابوليوني عن المجري العام لثورة الحرية والاخاء والمساواه الفرنسيه عام 1789 بأقامة نظام دكتاتوري ذي طموحات امبراطورية عسكريه، لم يلبث ان تصحح بعودة النظام الجمهوري.  وفي هذا إشارة واضحة الي الفرق الجوهري بين السياقين التاريخيين الفرنسي الاوروبي والمصري العربي.  مع بزوع عصر التنوير والديموقراطيه الذي بدأ فيه عقل المجتمع الاوروبي يشق طريقه بعيدا عن تسلط أنظمة الحكم المطلقه بقدر تحرره من تسلط الفكر الديني المتخلف، نمت قابلية التعلم من الاخطاء ومن ثم تأمين القدرة علي التطور المضطرد. في النموذج الناصري كانت مصر بقيادة عبد الناصر قد بدأت تستعيد قوتها العسكريه، كما اشار هيكل، عندما أنجزت انتصار اكتوبر 73 العسكري بعد وفاته عام70  ولكن في ظل نظام كان نقيضا تاما لقيم وميراث الناصرية وطموحاتها وسياساتها، فالتعلم من الدروس وشروطه تصحيحا للمسار لم يكن قائما هنا.  الحقيقة التي لايساعد هيكل الفكر السياسي العربي علي اكتشافها بدأبه المستمر والكفء علي ممارسة نصف وربع النقد الذاتي هذا ( وهناك اكثر من نموذج  أهم من هذا سبق لصاحب هذا المقال شرحها )  ان الناصرية كنظام للحكم كانت تذبل وتموت ليس لان صحة عبد الناصر نفسه كانت تتعرض لنفس الظواهر تحت ضغط المسئوليات الجسيمة التي يتحملها الحاكم في انظمة الرجل الواحد هذه،  وانما لانها كانت محرومة من الغذاء الصحي في غياب أدوات للنقد الموضوعي شرطُ وجودها هو الاستقلال عن المنقود فردا كان او حزبا. وهذا الغياب نفسه هومايعطل نمو الناصريه كمشروع سياسي وفكري معارض فقد كانت حتي في حياة ناصر  تعاني من أثر نفس الافه مجسدا في تجذر الاسلام السياسي الاخواني ووليده الشرعي التكفيري الظواهري في شرايين وخلايا مجتمع بناء الصناعه الحربيه والمدنيه والسد العالي وحزب الملايين الواحد  ليظهر كأكبر قوة سياسيه بمجرد وفاته وانهيار نظامه القابض بهيبة الزعيم مثلما بقهر أجهزة دولته.

 وهو تطور تكرر صورة طبق الاصل تقريبا لدي الجناح البعثي للحركة القومية العربيه. فالاسلام الطائفي المذهبي الحاكم الان في العراق والاخر التكفيري الابرز في تشكيلات العنف المعارض، كان يتمدد في الفراغ العظيم الناجم عن اختناق المجتمع المدني السياسي وغير السياسي تحت قبضة  " هيبة الزعيم مثلما بقهر أجهزة دولته " ، قبل انهيار النظام السريع مع اول ظهور لطلائع الغزو الامريكي. فالمالكي والطالباني وغيرهم من اهل الحكم، كما خلفاء الزرقاوي وغيره من اهل العنف المعارض، كانوا موجودين كتيارات سياسيه وفكريه أقوي بكثير من تيار الحزب الحاكم قبل انفتاح المجال لعودة القيادات بعد الاحتلال، وهو مايحدث وسيحدث في سوريا مع اختلاف في بعض التفاصيل. كل ذلك والبعثيون العراقيون والسوريون لم يكتشفوا بعد ان هناك شيئا أسمه النقد الذاتي واخر اسمه الديموقراطيه.