عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أثار الحوار الذي تفضلت جريدة القرار بنشره مع صاحب هذه الهوامش التوضيحية ( تاريخ 3 مارس 2013 ) القدر الذي اثاره من الاهتمام، كيف ماكان حجمه، بعضه عاتب وبعضه غاضب. بيد ان النية كانت متجهة أصلا لتسجيل هذه الهوامش الكتابية التيتُسأل عن تأخيرها انشغالات اجتماعية سودانية ازدحمت بها عودة شتوية قصيرة  مهما طالت زمنيا، الى دفء الوطن، بالمعنيين المجازي والفعلي..
كنت قد قبلت عرض الحوار الذي تفضل به الاستاذ موسي حامد من حيث المبدأ ولم أشأ الانسحاب منه عندما اختار أسلوب الحوار الاستجوابي رغم علمي بمزالق سوء الفهم التي ينطوي عليها في حالتي بالذات.كاتب هذه السطور إنسان تحريري بأمتياز،دماغه لايشتغل إلا بمهماز القلم فضلا عن ان مايصدر عنه حتي في هذه الحالة مسربل بالغموض لدي البعض ... فما بالك إذا جاءته الاسئلة تتري بسرعة البرق ومنتقلة من موضوع لاخر شاهدا علي براعة الصحفي. من هنا، بالمناسبة،الطابع القطعي للاحكام الذي أثار معظم الاعتراضات. ومع التأكيد علي ان نص الحوار التزم جوهر إفاداتي بأمانة كاملة، هذه بعض التفاصيل التي قد يحتاج اليها من يهمهم الامر.

حول إسقاط النظام
ورد في نص الحوار :  " كلمة (إسقاط) سيئة الحظ، وأصبحت  مضرة أكثر من كونها مفيدة، ففي أكثر الأنظمة ديمقراطيةً إنّ المعارضة تُحاول جهدها الوقوف ضد الحكومة أو  (إسقاطها)، لكن المعنى هناك ديقراطي صرف.. أما كلمة (إسقاط) لدينا فتعني إنهاء النظام من غير (استراتيجية) قائمة على حل المشكلة (..... ) لست مع الاسقاط بهذا الفهم المجرّد عن الأسباب الحقيقية لنشوء الأنظمة الشمولية لأنّه يُنتج نظاماً أكثر شمولية من هذا النظام.(.... )  سلفي أو طالباني  أو ربما تتحول البلد الى تفتت أكثر مما حدث."
من اوقعته الصدفة أو سوء الحظ في متابعة كتاباتي سيدرك ان مايبدو تطاولا علي قيادات المعارضة يعكس تصور معينا للعلاقة بين التنوير والديموقراطية كثقافة، مشروح تفصيلا في كتاب بعنوان " الديموقراطية المستحيلة، معا نحو عصر تنوير سوداني، دار عزه " بما في ذلك التعديل المطلوب في استراتيجية المعارضة لسد النقص الخطير المتمثل في كونها تعتبر ان الاستعداد لمرحلة مابعد الاسقاط هو البرامج بينما المفقود حقيقة هو وجود قوي ديموقراطية لتطبيق البرامج: هذه القوي أصبحت محدودة جدا لان تاريخنا مختلف عن اوروبا فلم نشهد عصر تنوير هو الذي ولد هذه النوعية من القوي في الغرب، ثم جاءت سلسلة الحقب الشمولية لتقضي علي النذر اليسير من الوعي الديموقراطي.
في اوروبا، والان بشكل متزايد في اسيا المسلمة وغير المسلمة وامريكا اللاتينية، واضحة حقيقة ان العلاقة بين تجذر الثقافة والعقلية الديموقراطيتين لدي النخب والمجتمع عموما، والديموقراطية كنظام سياسي مثل علاقة السمكة بالماء ..والشاهد إن هذا النوعمن الثقافة عندنا لم ينعدم فقط وانما تحولللنقيض، لاول مرة في تاريخ السودان، مثلا ، قطاع عريض من الشباب المتعلم تعليما جيدا منتشرا في كليات الهندسة والطب،  يعتبر الديموقراطية كفرا. في مناخ ينعدم فيه اوكسيجين الشباب، المادة الاولية لاحياء الاحزاب وتنمية كوادرها وقياداتها المستقبلية، تختنق الاحزاب وتموت لاسيما إذا كانت، حسب إدعاءاتي، تخطط وتعمل دون هدي من التصور السليم لاصل المشكلة.  تبقي الاشكال : الاسماء، الحركة السطحية الاعلامية أساسا، الشخصيات ولكن الحزب الذي لاينمو، يموت، ينقرض تدريجيا او يتشرذم كما يحدث امام ناظرينا الان.يقال دائما إن قوة النظام بعد انشقاقاته المتعددة الاشكال والالوان راجعة لضعف المعارضة والصحيح انه راجع أيضا لعدم قدرتها علي تشخيص مصدر هذا الضعف والعمل علي معالجته عندما تحصر مفهوم إسقاط النظام في شق واحد من معناه المتكامل.
استثنيت حزب الامةمن ادعائي موت الاحزاب إقرارا برصيده الفكري الاغني من غيره ومبادراته المتعددة والمتنوعة  ولكنني اعتبرته أستثناء نسبيا لان برنامجه يخلو هو الاخرمما يدل علي تفسير مقنع  لاشكالية الديموقراطية ( كنت اقترحت التركيز علي مجالي التعليم والمجتمع المدني ) ويعتبر ضعف المعارضة عائدا الي كون تركيبتها لاتعكس الاوزان الحقيقية للاحزاب. هذا مجرد مظهر للاشكالية الاصلية التي تتسبب ايضا في ان استراتيجية حزب الامة القائمة علي عدم قفل باب التفاوض مع الحكومة غير مقنعة فهي لاتثمر، ولن تثمر، تنازلا منها في غيبة قوة ضغط كافية. لذلك فأن علامات التطور النسبي لديه معرضة للخفوت والتلاشي ابتداء من الانحصار الكلي في زعيمه، كما يعتقد معظم المراقبين الان في تجاهل غير منصف لدور القيادات النسائية بالذات في الحزب.

حول البعث
ورد في الحوار :  " البعث انتهي ولم يبق منه إلا تاريخه " .هذه الجملة كما وردت في الحوار تقدير شخصي،اخرون يرون غير ذلك بل ويمارسونه كأعضاء في الحزب ولكن ليس هناك مايدل علي وجود تطورات داخلية فيه تستثنيه من الحكم العام علي الاحزاب الاخري بل إن  البعث المنتمي للمنظومة البعثية التي ينتمي اليها العراقيون ( البعث الاصل ) وذلك الذي ينتمي لمنظومة السوريين ( البعث- القطرية)، لم تصدر عنهما كلمة نقد واحدة لتجربتيهما في هذين البلدين، مع ان دواعي ذلك واضحة تماما.الفقرة التالية من مقدمة كتابي المشار اليه اعلاه تلخص رؤيتي للموضوع : "  المصدر الاخر  لاغتناء رؤية  الكاتب وتطورها هو مكابدة معضلات تجديد الاطار الحزبي – الايديولوجي اليساري، ممثلا في حزب البعث، ديموقراطياً. خلاصة هذه التجربة  التي تشرف فيها الكاتب بصحبة بعض من أميز مناضلي الفكر والسياسة والتضحية اليومية، إن تطور الحزب منذ السبعينيات بصورة خاصة كان في الواقع عملية إعادة تكوين تدريجية تبدلت خلالها خصائص النشأة الديموقراطية الاستنارية البعثية في أربعينيات القرن الماضي بنقيضها، نتيجة  ممارسة سلطة الدولة إحتكارياً عراقيا وسوريا. ووفق تقدير خاص وفردي، فأن هذا يرجح إنعدام إمكانية إحياء هذه الصيغة الحزبية ومثيلاتها، إستنتاجٌ لاتتأثر صحته بحقيقة أن هذه الممارسات الشمولية كانت شائعة عالمثالثياً، وحتي عالمياً، في ذلك الحين."

حول " السائحون "
ورد في الحوار أن في مذكرتهم رؤية جديدة للإسلام ، وانها امتداد لتراث محمد عبده والأفغاني، وتفتحُ باب الاجتهاد واسعاً.وانها من البؤر الرئيسية للتنوير وتحرير العقل.
شرحت هذا التقدير تفصيلا في مقال بجريدة الصحافة تاريخ 7 مارس 2013 يمكن الرجوع اليه في ارشيف الجريدة او محرك البحث قوقل ومجمله ان بعض ( وليس كل ) فقرات المذكرة التي اصدرتها هذه المجموعة تحمل بصمات فكر تنويري واضح المعالم يتمثل في تأسيس مفهوم المرجعية الاسلامية علي ركيزتي العقلانية/ الحداثة وعلي الفرد مقابل الجماعة. هذا فكر المصالحة الحقيقية بين الاسلام والعصر الذي افتتحه الافغاني وعبده اوائل القرن الماضي، نماذجه التطبيقية موجودة في تركيا وماليزيا واندونيسيا حتي إنهم  يطلقون عليه " الاسلام الليبرالي "في الاخيرة . وكنت في اكثر من مناسبة قد تحدثت عن احتمال ظهور بؤر تنويرية وسط تيارات الاسلاميين اكثر من احتمالها بين غير الاسلاميين، اولا لان عددهم اكبر بما لايقاس وكذلك توفرهم علي الثروة ومن ثم سبل المعرفة المباشرة وغير المباشرة بينما الكوارث التي نجمت عن انقلابهم تشكل حافزا قويا لمراجعة التجربة نقديا وجذريا لدي بعضهم. لماذا نفترض ان يقظة العقل والضمير ممكنة في أوساط العلمانيين ومستحيلة لدي الاسلاميين؟