عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
في تقليد ممتاز يتجاوز بروفسور مختار احمد المصطفيمجال تخصصه الاكاديمي في علم التربة الي مجال الفكر السياسي عندما يتفضل بالتعليق علي بعض الافكار الواردة في كتاب صاحب هذا المقالالموسوم" الديموقراطية المستحيلة، معا نحو عصر تنوير سوداني " ( الصحافة 2 مارس 2013 ). هذا التجاوز يجسد ماأطلقت عليه في بعض ماأتيحت لي كتابته نموذجالاكاديمي- الجسر الذي لايكتفي بخدمة مجتمعه في قاعات المحاضرات والمختبرات والمكتبات بحثا وإعدادا للاجيال الجديدة، ولكنه يؤسسس صلة مباشرة مع المجتمع من خلال الكتابة والنشاط المفتوح خارجها. وهذا ليس غريبا علي بروفسور مختار الذي وضع معارفه الاكاديمية منذ سنوات عديدة في خدمة واحدة من اخطر المشاكل التي تواجه البلاد وهي التصحر فغدا واحدا من ابرز خبرائنا في مجال مكافحة التصحر، ومؤسسا  للمعهد المختص بهذا الموضوع. ولعل جريدة الصحافة تجري معه حوارا متعلقا بهذا الموضوع فلديه الكثير والمهم حوله.
هناك جانبان نظري وعملي في مقال الاخ البروفسور حول الكتاب، الاول يتعلق بتعريف مصطلح التنوير ويقوم علي التمييز بينه وبين مصطلح التوعية حيث يقول  : "  أن التوعية أرفع درجة من التنوير. ( ... ) التنوير عملية تعريف وايضاح لموضوع أو مشروع لشخص أوجماعة بأعطائهم مزيداً من المعلومات وشرحها.( بينما ) التوعية تشمل اشراك مجموعة ذات علاقة بموضوع يراد طرحه للتداول والمناقشة ووضع الاستنتاجات والتوصيات. " يضيف المقال :  "  تنفيذ أي مشروع يجب أن تصحبه عملية استنارة أو الأفضل توعية  قبلبداية تنفيذ و من ثم في مرحلتي المتابعة والتقويم. وعملية التحول الديمقراطي لابد أن تلازمها عملية استنارة عبر عملية نضال سلمي. وتنفذ العمليتان آنيا ولا ينفع فصلهما زماناً.  ( .... ) الاستنارة درجات وتزداد بارتفاع سقف الحريات في بلد ما، و تصل ذروتها بتطبيق النظام الديمقراطي الليبرالي كما يطبق في أمريكا و الدول الأوربية.
علي أساس هذا التعريف ينتقل المقال الي كيفية الوصول للديموقراطية في التطبيق لان  : " إسقاط النظام عملية مستحيلة أولا لأن المعطيات غير مواتية ( .. ). و الحل العقلاني والممكن هو النضال السلمي الصبور والدءوب لاستثمار سقف الديمقراطية المتاح، على علته، لتعزيز التحول الديمقراطي.  ( ... ) الاستنارة درجات وتزداد بارتفاع سقف الحريات في بلد ما، و تصل ذروتها بتطبيق النظام الديمقراطي . فسقف الحريات في السودان قد ارتفع نسبياً بعد اتفاقية نيفاشا، و حاليا هو أعلى مما كان عليه في بداية الانقاذ. وفي اعتقادي يمكن تحقيق التحول الديمقراطي في السودان بالاستنارة المتاحة والسعي الجاد لرفع سقف الحريات ( ..  ) فالقول بعدم وجود استنارة مما يستوجب الدخول في عصر تنوير سوداني مبالغ فيه، وفي اعتقادي عملية الاستنارة في السودان، على ضعفها، بدأت في الربع الأول من القرن العشرين"  ، ثم يورد البروفسور فقرة من كتاب احمد خير يشرح فيها تاريخ هذه العملية  مفصلا بعد ذلك المسموح به  وغير المسموح به في ظل النظام الراهن علي النحو التالي " الاستنارة  نمتوتطورت أفقياً ورأسياً في كل المجالات و بمستويات متباينة، فهى أكثر في مجال الدعوة الدينية والسياسات والمشاريع الموالية للحكومة بدعم وإرادة سياسية و أقلها في المجال السياسي المعارض لانخفاض سقف الحرية. و الاستنارة العلمية مسموح بها ما لم تتدخل بطريقة سافرة في السياسة، ولكن تنقصها الإرادة السياسية ودعم الحكومة"
اجد نفسي مختلفا مع بروفسور مختار فيما يتعلق بالجانب النظري ومتفقا في العملي الي حدود كبيرة . مصطلح التنوير كما استخدمه في مايتيسر لي من كتابات مشتق من تجربة التنوير الاوروبية، الحراك التاريخي خلال القرنين السابع والثامن عشر خاصة، علي روافع الثورةالصناعية والاصلاح الديني وتيارات فلسفة وفكر التنوير، مفضيا الي سيادة العقلانية وتحرير الفرد من ميراث العلاقات التقليدية ومن ثم ميلاد النظام الديموقراطي. ومن آيات تغلغل الروح النقدية والعقلانية ان قيادات فلسفية وفكرية تولت في مابعد نقد عصر التنوير في ماسمي " مدرسة مابعد الحداثة " علي أساس انها تطرفت في العقلانية، بيد أننا في السودان في حاجة ماسة الي جرعة كبيرة من العقلانية ومن هنا دعوتي، واخرون، للتعرف علي المرحلة الاولي من التنوير الغربي والوصول الي مكتسباتها حسب ظروفنا. مضمون مصطلح التنوير في هذا السياق مختلف عن تعريف بروفسور مختار له حيث يوازي بينه وبين التوعية.
علي ان الاهم في المقال هو الجانب العملي التطبيقي، وأدخل الي الاتفاق مع التوجه الاساسي فيه من باب المراجعة النقدية لاساليب العمل ضد الانظمة الدكتاتورية الذي دأبت عليه في سياق مراجعة تجربتي، وجيلنا الستيني، اليسارية. الادعاء الذي تقوم عليه هذه المراجعة هو أن عدم مرور السودان بعصر تنوير يؤسس للديموقراطية في العقل العام كثقافة وقناعات تلقائية يعطي الاولوية في أي نشاط عام لانجاز هذه الهدف. بغير ذلك لن تقوم للديموقراطية قائمة بل إننا نبتعد عنها يوما بعد يوم بشهادة للتدهور المريع في مستوي اهتمام القطاعات الشابية بالعمل العام وانتشار فكر الغيبيات والخرافة. المسئولية الرئيسية في هذا تقع علي الانظمة الانقلابية، هذا بديهي ولكن غير البديهي، ويستدعي لذلك التركيز عليه كما يفعل مقال البروفسور، هو نصيب أسلوب معارضة هذه الانظمة من هذه المسئولية. السؤال- المفتاح هنا هو : لماذا يتوالي ظهور الانظمة الشمولية والدكتاتورية إذا كنا قد نجحنا في ( إسقاطها ) أكثر من مرة ، وفق الفكرة السائدة في الادبيات الفكرية والصحفية والاكاديمية،كما لدي الجمهور العام؟ الاجابة الصادرة عن هذه الاوساط هي دائما: أن سلوك الاحزاب وقياداتها يفتح الطريق للخيار الانقلابي. هذه إجابة ناقصة جدا، ومضللة لهذاالسبب، لان الانقلاب لايصبح ممكنا إلا عندما يشعر صناعه بأن " الشعب يريد إسقاط النظام الديمقراطي" او لايكترث كثيرا إذا سقط. الاحزاب وقياداتها مسئولة عن تأثير سلوكياتها في خلق هذا الشعور ولكن الاكثر تأثيرا هو  رد فعل النخب، أهل المدن صناع الانتفاضات،  تجاه هذا السلوك وهو فقدان الثقة العلني في الانظمة الديموقراطية إلى حد الدعوة المفتوحة لتدخل الجيش، ومن ثم خلق المناخ المشجع للانقلابيين احزابا كانوا اوافرادا. هنا نعود مباشرة الي العلاقة بين الديموقراطية والاستنارة واولويات العمل المعارض البناء فعلا.
واقع الامر هو أننا لم نسقط اي نظام إنقلابي إلا بنسبة الثلث أو اقللاننا تركنا الجذور، أي ضعف الديموقراطية كثقافه وقناعات راسخة دون تغيير/ إسقاط،العائد لاسباب تاريخية أساسا، فنبتت الشمولية مرة اخري نظاما دكتاتوريا نميريا أسوأ وأطول عمرا من نظام عبود ثم إنقاذيا أسوأ وأطول عمرا من الاثنين. إستراتيجية معارضتنا،المشروعة في حد ذاتها للانظمة الانقلابية،سيطرت عليها دائمافكرة ( إسقاط ) النظامولكن بفهم ضيق ومحدود لمعني هذا المصطلح ينتهي عمليا بأسقاط رموز ومؤسسات النظام المعين دون التأثير في البنية التحتية التي يستند اليها، فما هو التعديل المطلوب للاستراتيجية؟  صحيح ان أسقاط النظام بهذا المعني المحدود وعودة جو الحرية هو الذي يفترض إنه يوفر الفرصة الكاملة لتنفيذ السياسات الكفيلة بتحقيق الشق الثاني والاهم من معني الاسقاط بتغيير مناهج التعليم مثلا ولكن هذا لم يحدث من قبل ولن يحدث مستقبلا إلا إذا هيأنا الجو والاذهان لذلك منذ مرحلة  المعارضة بتثقيف كوادرهاوالجمهور العام بالمعني الكامل للاسقاط بحيث تكون جاهزة لفرضه كسياسات علي كل الاحزاب، والوسيلة المثلي لذلك هي اتباع سياسات معارضة عملية تركز هذه الثقافة في الاذهان لان التثقيف النظري وحده محدود التأثير. يقتضي هذا تغيير اسلوب القطع الكامل مع الانقلابات كما ظللنا نفعل حتي الان والالتزام الجدي والحرفي بالاسلوب السلمي في التعامل معها وعدم  تفويت أي فرصة للعمل العلني مهما كانت محدودة ومهما كانت دوافعها، كما يشرحها بأسهاب مقال بروفسور مختار والتي اتفق معه بشأنها.الميزة الكبري لهذا الخيار انه يهيئ اكبر قدر ممكن من مناخ الاستقرار والهدوء الضروري لتنمية السلوك والعقلية الديموقراطية. من ذلك اولا : تقليل نسبة السرية في العمل الحزبي مما يسمح بقدر اكبر من التفاعل المفتوح داخل الاحزاب. السرية هي مدخل السيطرة الحزبية المركزية والعدو الاول للديموقراطية الداخلية مايجعلها شبيهة بالنظام الذي تدعي معارضته . ثانيا : سحب سلاح المبادأة بالعداء من يد النظام الانقلابي مما يؤدي بمرور الوقت الي تقوية الجناح الاقل تطرفا فيه. ثالثا : اعطاء عناصرالمعارضة وجمهورها فرصة اكبرللمشاركة في خدمة مصالح الناس المباشرة بالعمل في هيئات المجتمع المدني وبما يتجاوز الفهم الضيق الناتج عن اسلوب المواجهة للانقلابات، الي الفهم الذي يراهن علي تنشيط المجتمع المدني بأعتباره وسيلة رئيسية لتعميق الوعي الديموقراطي.
هناك بطبيعة الحال الحجج المضادة لهذا المنطق واهمها ان هذا الاسلوب يضفي الشرعية علي النظام الانقلابي والاجابة واضحة امامنا: هل منع اسلوب المواجهة حدوث ذلك ؟ ألم نضطر للعودة الى قبول  التعامل معه بعد فترة تمكن خلالها وضعفت المعارضةأحزابا وجمهورا ولم تعد سوي مزاج عام لاجسم له ولافعالية؟ ثم هناك قضية فرض النظام الحالي لاسلوب العمل المسلح علي بعض الحركات وفي بعض الجهات وهذه ايضا ينطبق عليها نفس المنطق : عدم اللجوء الي العمل المسلح إلا في حالات الضرورة القصوي وليس كما حدث مع التجمع الوطني الديموقراطي عندما حملناالسلاح لان رئيس النظام تحدانا، ومحاولة تقصير أمده وتقليل خسائره علي المواطنين لاقصي درجة ممكنة والحرص الكبير والمنهجي علي تثقيف كوادر الحركات بالفهم السليم لاشكالية الديموقراطية في السودان بأعتباره االمصدر الحقيقي للتهميش .