كأن وطن العرب اليوم، شعوبا ونخبا، لاصلة لهولهم بوطن الامس إذا قارنا حال ( وحدتهم ) اليوم بحال وحدتهم يوم توقيع ميثاق الوحدة المصرية- السورية قبل 55 عاما في  فبراير/ شباط 58.حينها كان قلب العروبة السوري ينبض بأيقاع واحد حتي مع قلب هامشها السوداني فيرفع السوريون سيارة عبد الناصر علي الاكتاف في دمشق، بينمايرفع صبي سوداني في الخرطومعلم الجمهورية الوليدة الى شجرة- سارية محييا. غير إن محاولة استعادة نقدية مختلفة لذلك الحدث تقول بأن معالجته من قبل طرفيهالرئيسيين، البعث والناصرية، جعلت منه بوابة مشرعة الى نقيضها الكامل المطلق كما نراه بالعين المجردة يوميا في أكثر من نقطة علي الخريطة العربية.
مشروع الوحدة المصرية- السوريةولد بعاهة مستديمة حاملا جينات متلازمة نقص المناعة المكتسب ضد الاستبداد من أبويه. فقد جري تطعيم الجزع الناصري بالفكرة القومية الوحدوية المشرقية المولد بواسطة البعث وكان أن أثمرت وازدهرت توقا عربيا شاملا، حاملة خصائص الجزع أكثر من الاصل. تغذت فكرة الوحدة العربية من انفجار مكبوتاتأشواق وتطلعات الانعتاق السياسي والاجتماعي-الاقتصادي مع انحسار ظل الاستعمار القديم، فأكتسحت عوائق تقدم أجنبية وعربية كثيرة، غير انها اكتسحت ايضا إحتمالات استنبات الديموقراطية في التربة العربية، الشرط الشرط اللازم لاستدامة الازدهار. هذه كانت بالفعل مجرد إحتمالات يحجبها عن الوعي، ناهيك عن الطلب التغييري الملح،تصاعد موجة العداء غير التمييزي للغرب بين سياساته كأنظمة ومصالح قومية لاتحفل كثيرا بمصالح الاخرين، ومقومات ديناميكيته التجديدية المرتبطة بالالية الديموقراطية. بأستثناء نهرو الذي أهله تكوينه التعليمي البريطاني وسلمية حركة الاستقلال الوطني الهندية وعيا وتخطيطا وممارسة لادراك ذلك التمييز، كانت الديموقراطية خارج حيز انشغالات كافة قيادات حركة التغيير العالمثالثي بعد الحرب العالمية الثانية : سوكارنو اندونيسيا، نكروما غانا ، تيتو يوغسلافيا وعبد الناصر مصر. أما  فيما يتعلق بالبعثفلم تكن إمكانية الاطلال خارج هذا الحيز معدومة تماما بالمقارنة للناصريةبحكم منشأه كحركة سياسية ذات بعد فكريوفي البيئة العربية المشرقية بالذات.
هذه البيئة كانت الاكثر تفاعلا مع المنتجات الفكرية والفلسفية للتجربة النهضوية الغربية وحصيلتها في تفكيك قيود العقل بالمقارنة للبيئتين المصرية والمغربية نتيجة، في تقدير هذا المقال، لدور مسيحي المشرق الاستثنائي في اليقظة العربية اواخر القرن التاسع عشر،وولدت فيها فكرة الوحدة، وتيار القومية العربية عموما، متزامنة مع بداية تكون مناخ النهضة. من هنا كان البعث مرشحا أقوي نسبيا من الناصرية لتحسس الافق الديموقراطيللوحدة،لاسيما وان تكوين عفلق النفسي والذهني كان وثيق الصلة بذلك المناخ عائليا وتعليميا ،والذهاب من ثم الىصلته بضمانات إستدامة مشروع الوحدة المشترك مع الناصرية .
تضافرت عدة عوامل لتجهض هذ ا الاحتمال: بالاضافة لتصاعد موجة العداء غير التمييزي ضدالغرب،هناك اختلاف تاريخ المنطقتين العربية و الاوروبية خاصة بعد انتقال الدورة الحضارية  البشرية، البنية التحتية للديموقراطية، من الاولي للثانية ابتداء من القرن السابع عشر. علي ان الاهم من ذلك كله، علي الاقل لانه لم يدرس حتي الان،هو تطورات العلاقة البعثية مع الناصرية. هذه وفق دراسة تفصيلية وحيدة ( دار الطليعة فبراير/ شباط 1995 ) تشكل بندرتها إشارة الي ثغرة مفصلية في فهم تاريخ العرب الحديث، انتقلت من طور تحالف يقوم علي افتراض تشابه / توحد لدي الطرفين ( 55-59 ) الى عداء مكبوت وعلني استمر حتي بعد وفاة عبد الناصر عام 1970. هذه معركة خسرها البعث بأمتياز يعني تجاوز التهميش الجماهيري والنخبوي الذي لحق به  تحت وطأة الحملة الناصرية الحاميةوالمتعددة الاشكال، الى التبدل في هويته بأختلال التوازن فيها لمصلحة الاشتراكي علي حساب الديموقراطي. ففيما يشبه تأكيدا لصحة مقولة إبن خلدون في الفصل الثالث والعشرون من المقدمة  " في ان المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب " ، إتسم تطور البعث إبان وبعد هدوء معركته مع الناصرية باقترابه من نموذجها القائم علي اندغام الديموقراطية في الاشتراكية في سياق المنافسة معها ودرء لاتهاماتها،مدفوعا أيضا بسيادة التيارات الاشتراكية عربيا وعالمثالثيا خلال الستينيات... وهي السمة التي ترسخت كهوية بديلة للبعث، متناقضة مع بعض السمات الرئيسية لمرحلته التأسيسية في الاربعينيات، بعد تسنمه مراكز سلطوية سورية ثم عراقية دكتاتوريةبدء بانقلاب 8 اذار/ مارس 1963 في سوريا.
في سياق انحداره البطئ ثم المتسارع بأتجاه هذا المآل إنحصر نقد البعث للادارة الناصرية لدولة الوحدة علي تنكرها لشراكتهما في إنجازها وعدم إفساح المجال لخبرته الشعبية، مقابل الخبرة الدولتية للناصرية. هذا القصور الجلي في مفهوم الديموقراطية، مع وصول تأثير البعث العام أدني مستوياته إبان احتدام معركته مع الناصرية اوائل الستينيات، غّلب ايضا الرؤية الناصرية لاسباب انهيار الوحدة المصرية- السورية في ايلول/سبتمبر 1961 . وبما ان هذه الرؤية كانت خالية من النقد الذاتي الحقيقي بتحميلها القدر الاعظم من مسئولية الانفصال للظروف الموضوعية المتمثلة في اختلاف احوال البلدين وللرجعية العربية، كما يكشف تحليل مقالات هيكل وخطب عبد الناصر وقتها،فقد شكلت مدخل التقاء مع القصورات البعثية،علي مسارهما المشترك إتفاقا وافتراقا في تعويق التنمية الديموقراطية المجتمعية ومن ثم في الفصل النهائي بين الوحدة والديموقراطية.
هكذا ولد المشروع الوحدوي حاملا بذور موته ومعها استحالة تدارك إفرازاتها وإنقاذ المشروع نفسه، بل فكرة الوحدة نفسها من الاندثار. ومع إيغال الطرفين علي نفس المسار وصل الاندثار الى مشروعالدولة الوطنية ( القطرية) نفسها التي يقول وعي اليوم بأن ترسخها هو الطريق الى الوحدة بينما تقول بأحتضارها البين وقائع اليوم التي كشفها ربيع الحرية العربي، إنجازا تاريخيا للقوي التي صنعته معرية صنيع الاستبداد المتنكر طويلا بأزياء الوطنية والتقدم،بأمكانية تدارك الامر التي ينطوي عليها ذلكرغم ضآلتها. وعلي الطريق المفتوح والمباشر بين ترسب آثار الاستبداد المزمن في الافهام والعواطف الشعبية والنخبوية نكوصا نحو الارحام الطائفية والمذهبية ،وإضعاف الولاء لفكرة الدولة وتفتت الوحدة الوطنية،يقف العقم الديموقراطي للعلاقة البعثية – الناصريةفي اطوارها المختلفةكمعلم رئيسي مسنودا فيما بعد بغلبة النقد الماركسي ثم الاسلامي، العقيم ديموقراطيا بنفس الدرجة، لتجربتهما.وفي حقيقة أن  جهة بحثية قياديةلاتزال تعتبر الناصرية المرحلة الثانية في النهضة العربية بعد مرحلة الطهطاوي-الافغاني - عبده( مركز دراسات الوحدة العربية ، المشروع النهضوي العربي ) مايومئ الى مدي عمق سلبية تأثير تلك العلاقة  مترشحة عن الهالة الاسطورية للزعيم الناصري الراحل مبكرا، بينما عاش حزب الوحدة والحرية والاشتراكية سوريا وعراقيا لينتج الابشع من بين أنظمة الشموليات العربية.

(  عن جريدة الحياة/ لندن )
KAMIL MAAROUF [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]