استخدمت الحكومة أثقل مدفعياتها في الهجوم علي قوي الاجماع الوطني بعد صدور ميثاق الفجر الجديد فأسدت لها خدمة إذ بدت موحدة في موقفها من هذه الهجمة، وأخرجتها بذلك الي حد ما من مأزق التشتت وتباين المواقف إزاء مولود كمبالا الذي أنكر الجميع أبوته . علي ان ذلك هو الخطأ الاصغرالذي ارتكبته سلطة المؤتمر الوطنيمن حيث أرادت العكس. أما الخطأ الاكبر، الأكبر بكثير ، فهو الحرب المفتوحة التي كانت قد أعلنتها قبل ذلك علي هيئات المجتمع المدني بداية بمركز الدراسات السودانية ووصلت قمتها في تعاملها مع مذكرة فيدراليات المجتمع المدني بتعويق استلامها من قبل مفوضية حقوق الانسان ثم رفض استلامها صراحة في القصر الجمهوري. مضاعفات ومفاعيل هذاالتعامل المستقبلية هي بمثابة خزق العين بأصبع صاحبها  لانه يعني نقل المعركة  الي ارض اخري لاتجيد الانظمة الاستبدادية اللعب فيها.
هذه  النوعية من الانظمة تتفوق في الصراع ضد المعارضة السياسية ليس لانها أكثر شعبية من الاحزاب السياسية وانما لانها تتحكم في ادوات الدولة، والاهم من ذلك، أنالاخيرة تخوض هذه الصراعات دون سند شعبي حقيقي، يعوض في حال وجوده سطوة الدولة مهما قويت، لكونها تنتمي الي مجتمعات ضعفت قابليتها للاستجابة الي الخطاب الديموقراطي. فهي إذ تقضي الشطر الاعظم من حياتها الاستقلالية تحت وطأة انظمة شمولية يتضاءل اهتمام الفرد العادي فيها بالامور العامة تدريجيا بسبب طول اغترابه القسري عنهامقترنا بانشغاله بهموم الحياة اليومية  المتضخمة جباليا نظرا للتلازم الحتمي بين الافلاس التنموي وانظمة الاستبداد. عضوية هذا التلازم اضحت بديهية لان الافتقار الي شرط الحرية المفّعلة ديموقراطيا يؤدي بالضرورة الى تبديد الثروة القومية وعائد المشاريع الكبيرة في مصارف غير منتجة هي الدفاع والامن والبروباقندا والفئات البورحوازية الطالعةموسومة بالفساد والزبائية للسلطة وأهلها الاقربين. في مثل هذه السياقات، علمانية كانت أم دينية،لا ينمو إلا الفقر والقمع كما وكيفا ومعهماتراجُع اهتمامات الناس الي حدود عالمهم الفردي او الاسري او الجهوي - القبلي، بعيدا، من الناحية الفعلية، حتي من الاحزاب التي يميلون أو ينتمون اليها.دليل هذا جلي عندنا سودانيا في  الانفضاض الكلي عن الاحزاب أو ذلك الجزئي المتمثل في النشاط الموسمي،و/ أو التمرد العشوائي علي القيادات الذي يخلط بين عجزها الذاتي وذلك المفروض بحالة المجتمع وظروفه التاريخية. يؤكد هذا أن البدائل الحزبية لتلك القائمة تاريخيا منها،لايضارع انعدام فعاليتها وأنشقاقاتها إلا كثرتها،دون تقليل من جدية اصحابها وتضحياتهم الكبيرة.
بشروعها في التطبيق الخشن لقانون العمل التطوعي لعام 2006 ، بفائض الخشونة المختزن فيه أصلا بما فيه الكفاية ويزيد،تكون الحكومة قد انزلقت، في غباء حتمي للانظمة الاحتكارية، الى إطلاق عملية يمكن ان ان تفضي الي تحرير الاحزاب السياسية من ثقل حالة فقر الثقافة الديموقراطية التي تشل حركتها.
في عالم اخر  وزمن اخر ، عالم وزمن ماقبل عصر الحريات وحقوق الانسان والعولمة وثورة الاتصالات والربيع العربي، كان بمقدور النظم الاستبدادية أستئصال نشاطات المجتمع المدني القائمة علي اللاربحية والطوعية في خدمة هدف غير سياسي، بقوة الاجهزة مستكملة العملية بتفريخ هيئات رسمية للتغطية علي ذلك. في عالم اليوم هذا مستحيل، مهما اخشوشنت سياسات الانقاذيين،إذ يستحيل سد كافة منافذ تواصل الداخل والخارج. يتمثل هذا في ابسط صوره وأوضحها في الانتشار الكثيف للسودانيين/ات خارج البلاد. هذا مصدر اختراق غير قابل للرتقالكامل من قبل أي إجراءات إحتوائية، تتسع دائرته بالاتصالات المباشرة بين الخارجيين والداخليين أهلا وأصدقاء. وفي عالم تظهر فيه كل صباح  وسيلة أتصال وتواصل أرخص وأكفأ من سابقاتها ووسائل معرفة واطلاع بنفس المواصفات، تزداد مهمة وسائل التحكم الرسمي في تدفق المعلومات صعوبة وتعقيدا. إضافة لذلك، ومهما قيل عن عدم نظافة الدعم الخارجي غربيا  كان او امميا او اقليميا، فأنه سيبقي مؤثرا في تفعيل  حوافز ابتكار أشكال ومواقع جديدة  للمجتمع المدني التي لايمكن إخمادها تماماً  بسبب انتشار وتجذر ثقافة الدفاع عن الحقوق المدنية. والاشارة الاولي لذلك يمكن قراءتها في موقف  مفوضية حقوق الانسان عندما وافقت علي استلام المذكرة رغم إصرار ممثلي الامن علي العكس، إذ لاشك ان تصرفها، مهما كانت محدوديته، إنعكاس لشعورها بضرورة الالتزام بما يوحي به إسمها.بيد إن علينا نتذكر هنا ان نشاطات المجتمع المدني لاتنحصر في المعني الشائع لحقوق الانسان وأنما تشمل كافة الحاجات البشرية في وقت لاتكف فيه المسافة السودانية  بين احتياجات الناس اليومية مأكلا ومشربا وتعليما وصحة عن الازدياد طولا وعرضا وارتفاعا.بذلك تجد السلطة الشمولية نفسها في مواجهة ضغوط متزايدة القوة مزدوجة المصدر تتسع دوائر المتأثرين بها بما يصل أكيدا  حتي الى أوساط مؤيدة لها فمن بين هؤلاء كثيرون لاتختلف همومهم واهتمامتهم عن غيرهم من الناس السودانيين.
هذا هو باب الريح ذي الضلفتين الذي ستفشل المحاولات الرسمية لإيصاده فيضحي مصدرا لانعدام راحتها. فسواء كان تعريف المجتمع المدني هو جسر التوسط بين الدولة والمواطنين او الهيئات غير الربحية يبقي أن القاسم المشترك هو طوعية الانتماء وفرديته الي كيان غير سياسي ملتزم بالغرض المعين الذي نشأت الهيئة المحددة لتحقيقه. وإذا كانت السلطة الشمولية غير قادرة بطبيعتها علي أبقاء ذراعها الطويلة بعيدة عن هذا النوع من المبادرات فأن مؤدي ذلك  لن يكون سوي المزيد من تضييق قاعدتها. علي الجانب الاخر هناك المهتمون حقا وحقيقة بقضية الديموقراطية أي بأعتبارها وعيا جماعيا بالحقوق والواجبات يتصاعد من الفرد الي المجموع متجاوزا كثيرا الاسقاط المجرد للنظام. بهذه الصفة فأنهم قادرون حتما علي تقصير أذرعهم بل ومكافحة الميل الظاهر لدي بعض الناشطين لتسييس هيئات المجتمع المدني أو استخدامها لاغراض إسترزاقية.  هؤلاء يدركون إن نشاطات المجتمع المدني أكثر البيئات ملاءمة لاحياء اهتمام الناس العاديين بالامور العامة وتدريبهم علي جوهر الديموقراطية وهو الانخرط الحر للفرد في نشاط يجمعه بآخرين، كبر مجاله ام صغر، يساهم معهم في اختيار من يقودهم ومساءلته دوريا حسب اللوائح والقواعد التي تحكم الهيئة المعينة. وهم بذلك يصلون بفشل السلطة الشمولية في  مكافحة حوافز ومنشطات المجتمع المدني الي حده الاقصي بأعادة الروح الى الحياة الحزبيةلأن النتيجة غير المباشرة لالتزامهم بمقتضيات وشروط المجتمع المدني هي إعادة الروح الي انشغال الناس بما يقع  خارج حدود دوائرهم الشخصية وتلك المحلية المنعزلة عن الانتماء المواطني. والمسافة من هنا الي العمل السياسي حزبيا كان او مستقلا ليست بعيده. السلطة تخزق عينها بأصبعها حتي إذا كانت لاتري ذلك الان.
KAMIL MAAROUF [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
//////////////