mbashier41@ yahoo.com

بين تاريخ قادم بعد شهور  قليله( نوفمبر 2009 ) واخر مضي منذ شهرين ( اول يوليو 2009 )  علاقة وثيقه.   بين المؤتمر المخصص لمراجعة كلية وجذرية للتعليم العام وفق تصريحات الوزير،  وتوحيد جناحي حركة  " حق " مجاري تحتيه لابد من استكشافها لكي ترتوي منها جذور حركة قد تكون هي ومثيلاتها الاكثر تأهيلا من غيرها لاداء هذه المهمه بحكم منشأها كمشروع فكري ذو افاق سياسيه وليس العكس. أمارات ذلك الابرز نجدها في تاريخ " حق " ، في الطابع الغالب علي اهتمامات ونشاطات شخصيتي مؤسسيها الخاتم ووراق، والنوعية الغالبة لكوادرها حاليا. كذلك فأن النفحات الفكرية التي يحملها بيان التوحيد ( الوثيقة السياسيه )  تؤكد هذه الحقيقه وأهمها في تقدير هذا المقال تصور المشروع السياسي علي قاعدة " نهضوية تحديثيه، كما ورد في البيان، بحيث :  " لا يقتصر على الموقع الاجتماعي أو الانتماء للبرنامج السياسى، بل يتعلق جوهريا بالرؤى والتصورات .إنها الحداثة المرتبطة بالقدرة على الخلق والإبداع والابتكار وعدم الركون للأجوبة الجاهزة أو الخوف من غمار المجهول  وتنعكس على الأداء وفي أساليب وأدوات ووسائل العمل ، وفي الأشكال والبنى والمؤسسات المستندة إلى كافة منجزات العلم والمعرفة " .   فرغم الجدل الممكن مع هذا التصور عن العلاقه بين الحداثه والتنوير ، إذ يجد كاتب هذا المقال المصطلح الاخير اكثر ملاءمة لظروفنا التاريخيه، وكذلك الاختلاف الممكن مع بعض اسس المشروع  وترتيب أولوياته كما ترد في البيان، الا ان ربط العمل السياسي بهذا المفهوم يعتبر نقلة جذريه يجدر الاحتفاء بها.

فالحركات السياسية السودانيه لم تنتبه حتي الان الي ان المهمة الكبري امامها تتجاوز انجاز التحول الديموقراطي الي التحول التنويري بأعادة تشكيل العقل النخبوي السوداني مما يضفي قدرا كبيرا من الصحة علي الفرضية التي تقوم عليها هذه المقاله وهي ان كافة الحركات السياسية السودانيه، قديمها وجديدها كبيرها وصغيرها، محكوم عليها بالعودة الي المربع الاول، مربع التأسيس او إعادة التأسيس لان السياسة المنتجة الفعاله مستحيلة دون عقل جماعي يحمل هذه الصفات نفسها، ففاقد الشئ لايعطيه.  هذا هو المعني الوحيد الذي يمكن استخلاصه من فقر حصيلة العمل المشترك بين هذه الحركات ازاء حزب مثل المؤتمر الوطني يبقي إسميا ومجازيا حتي يثبت وجوده بغير سلطه، ومن ظاهرة التشرذم التي تعاني منها جميعا، بما فيها تلك التي لاتحمل الانشقاقات عنها اسما يدل علي الاصل او تتخذ طابع غير منظم. حتي اذا أضفنا، تفاديا للتعميم الظالم لبعض هذه الاحزاب، التفاوت القائم بينها في هذا الصدد يحافظ هذا الحكم علي صحته لان السقف المشترك بينها يظل متدنيا. علي هذا الاساس فأنه بهذا المقياس، مقياس انعدام الحد الادني من الفعاليه الضروري في هذه المرحله وانسداد الافق المستقبلي، تتساوي الاحزاب السودانيه قديمها وجديدها كبيرها وصغيرها. فمع بقاء الاسباب القاعدية لقلة حصيلة العمل الحزبي السوداني الكامنة في إهمال متطلبات إحداث التحول التنويري بحيث ظل دون معالجات نظرية وعمليه، لايبقي من مقياس للكبر والصغر الا السبق الزمني والحجم الكمي وهو مقياس لاقيمة له من الناحية العملية، أي امام التحديات المصيرية المطروحة عليه. والمفارقة هي ان الاحزاب الموصوفة بالصغر وفق هذا المقياس التقليدي الرائج علي خطله،  فرصتها في انجاز مهمة المهمات بالتصدي للسبب القاعدي  افضل لان الاحزاب الكبيرة بهذا المعني نفسه لاتستطيع ( أوللة ) هذه المهمه تشخيصا أو/ وبرمجة حتي لو اهتدت اليها، بحكم ضغوط العمل السياسي اليومي وربما انعدام قابلية قياداتها للتأقلم مع الدور المطلوب.

       علي سبيل التداخل  الحواري مع الفكرة التجديدية والتأسيسية التي حملها بيان التوحيد في هذا الخصوص مضفية عليه اهمية يستحقها،  يلاحظ هذا المقال تناقضا في فقرته المحوريه التي يتحدث فيها عن القوي الحديثه بأعتبارها موجودة ولكنها  " مبعثره وغير موحده سياسيا في معظمها ". فالوجود الفعلي الواقعي لهذه القوي غير ممكن، في رأي هذا التداخل، دون ان يكون  التنظيم سياسيا كان او غير سياسي، نقابي مثلا، جزء لايتجزأ منه بحكم ان التنظيم المدني الحديث هو المظهر الملموس للوعي، بما يجعل من هذه الخاصيه عنصرا اساسيا في تعريف مصطلح " القوي الحديثة " نفسه. ومن هنا فأن انعدام هذه الخاصيه، كما تقول الفقرة المعنيه،  دليل علي وجود القوي المعنيه ولكن بالامكان وليس الواقع، في تاريخ مضي منذ عقدين وأكثر وليس حاضرا. فالحقيقة هي ان ضعف انتاجية العمل السياسي ( والنقابي ) السوداني والحالة التشرذمية لمكوناته الحزبيه كما جري التنويه سابقا، هو التجلي العيني لغياب القوي الحديثه. وهو غياب يعود في أسبابه التاريخيه الي سطحية عملية التحديث/ التنوير التي انبثقت عنها هذه القوي منذ بداية القرن الماضي ثم عوامل التعريه القوية التي تعرضت لها بعد ذلك نتيجة تراكم وتصلب ترسبات العهود اللاديموقراطية المتلاحقه.

من الميزات الاخري لوثيقة التوحيد انها  تتعرض لكيفية الشروع بمعالجة هذه الاسباب عندما تتحدث في احدي فقراتها عن ضرورة : "   إجراء إصلاح جذري في التعليم ، مناهج ومؤسسات ، وفي وسائل الإعلام القومية، والأجهزه الثقافية لترسيخ قيم الديمقراطية والحرية والكرامة الإنسانية " . ولكن هنا ايضا مجال للتداخل للحواري من زاوية ما يعتبره هذا المقال تدنيا في الاولوية التي تسبغها الوثيقة علي هذه النقطه في جدول المهمات التي تطرحها الحركة الموحدة علي نفسها، بينما هذا الاصلاح هو في الواقع مفتاح المعالجه لان تاريخ ميلاد الحداثة/ التنوير السوداني ومماته هو تاريخ ميلاد وممات التعليم الحديث. كل مكونات التغيير التقدمي في الحياة السودانيه ونقيضها، يمكن ارجاعها في الجوهر والمنشأ الي هذا المحرك لذلك فلا سبيل لاعادة الحياه الي مسيرة التغيير دون إعادة تعمير كلية وجذريه لهذا المحرك، كما يقول البيان.   

هنا ميدان المعركة الاساسي والحقيقي مع القوي غير الحديثه، وسلطة المؤتمر الوطني أهم تجلياتها، ميدان الاشتباك اليومي مع المعوقات والسدود في طريق الحداثة/التنوير السوداني.  وهو مايعيد الي الفقرة الافتتاحية في هذا المقال منوها الي انعقاد مؤتمر مراجعة سياسات التعليم العام كفرصة لبروز دور حركة حق الموحده ومثيلاتها ( الصغيره ) لكونها مؤهلة اكثر من الاحزاب ( الكبيره ) لايلاء اهتمام لهذا الميدان يوازي اهتمامها بالعمل السياسي المباشر بالمفهوم السائد حاليا مع بقية الاحزاب في تحالف المعارضه.  والاقتراح المحدد الذي يطرحه هذا المقال هو اعداد دراسة او خطوط عريضه تتضمن رؤية اصلاحية للتعليم العام والسعي علي اساسها لتنظيم اكبر قدر ممكن من الفعاليات ( محاضرات، تجمعات تنويريه الخ.. الخ.. ) بقدر امكانيات الاحزاب المعنيه تتوج عند انعقاد المؤتمر ببيان شامل ربما علي شكل عريضه تحمل  اكبر عدد ممكن من التوقيعات للشخصيات ومنظمات المجتمع المدني  السياسي غير السياسي يوزع علي اعضاء المؤتمر انفسهم. وعلينا الا نستكين هنا الي فكرة ان كون معظم هؤلاء سيكونون من مؤيدي او اعضاء المؤتمر  الوطني مما يجرد هذا الجهد من الجدوي، فعلينا ان نتذكر ايضا أن هؤلاء هم في الان نفسه اباء وامهات واقرباء وجيران  لتلاميذ وتلميذات ويدركون الي حد او اخر بالتجربة المرة بعد عشرين عاما من تطبيق النظام الحالي ان أعمار ابنائهم وبناتهم راحت هدرا.  وعلي حد علمي فأن من بين الاحزاب ( الصغيرة ) الاخري  التي يمكن ان تشارك حركة " حق "في تنفيذ مثل هذا الاقتراح " حزب البعث السوداني " الذي يتفاعل منذ مده مع تفكير من هذا النوع. واخيرا لعل في النبأ التالي ( الصحافه 3 اغسطس 2009 ) مايحفز الجميع علي الشروع بالتنفيذ  "  تم ترشيح الأمين العام السابق لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، البروفسير عمر محمد توم لشغل منصب وزير دولة في الوزارة. وعمل البروفسير التوم امينا عاما للوزارة لمدة خمس سنوات، كما شغل ايضا منصب مدير ادارة التعليم الاهلي والاجنبي، وهو من قدامي رجالات الحركة الاسلامية واحد صانعي «ثورة التعليم العالي» وحاليا يتبوأ منصب امين التوجيه بحزب المؤتمر الوطني ".