وحدها السماء الليبية من بين السماوات العربية الاسلامية، كما يبدو، استعصت على محاولة تعكيرها بغبار زوبعة ( الدفاع ) عن نبى الاسلام، مزيج الهيجان العصبى  العفوى والمصطنع سياسيا. وراء ذلك الاستثناء تكمن، أغلب الظن، فعالية أسلوب التصدىللقوى والعقليات التى تثير هذا النوع من الزوابع، بواسطة المجتمع المدنى وليس السلطات الرسمية حتى لو كانت تتوفر على تفويض شعبى كامل الاركان كما هو الحال في ليبيا. قبل إندلاع هذه الزوبعة كان المسرح الليبى قد شهد فى 11 سبتمبر الماضي حادث اقتحام القنصلية الامريكية فى بنغازى التى قتل فيها السفير . مسارعة رئيس المؤتمر الوطنى محمد المقريف الي إدانة الهجوم بأوضح العبارات وأقواها، لايقلل من اهمية المغزى الكامن فىطرد جماعات التطرف الدينىمن مقارها بواسطة مجموعات من المواطنين غير المؤطرين حزبيا او رسميا او قبائليا،  مادة المجتمع المدنى، ما شجع الحكومة بعد ذلك علي رفع التجميد عن سياسة تجريد القوى غير النظامية من الاسلحة. هذا المغزىهو انكسار حاجز السطوة المعنوية لنوعية الاسلام، الخارج على وعن العصر والعقل، علىإرادة الانسان  المسلم وتصرفاته. هنا جرى أول اختراق للقاعدة العامة كما تتجسد في العراق مثلا، حيث يسمح التواطؤ الطوعى او الاكراهىمن قبل المواطنين مع الاسلام التبسيطى التجهيلى بأرتكابات يومية فظيعة. بعد انكسار حاجز الخوف من انظمة الاستبداد الذي أتى بربيع الحرية العربى يتصدى الليبيون لمهمة تحويله الي فضاء للبناء الديموقراطى بدلا من الفوضى بكسر حاجز الخوف من القوى التي تستر تنافيها مع الديموقراطية بالمقدسات الدينية وغير الدينية.
هل يؤسس النموذج الليبى لظاهرة بدء انحسار موجة الاسلام السلفى بمحمولاته الجهادية؟ قد يُرى الىهذه المقولة بكونها إفراطا فى التفاؤل أو مبالغة فى قراءة مدلولات حدث بن غازى. على ان مايحيد هذاالتحفظ إقتران الحدث بسبق ليبى اخر وهو القبول، بل واستدعاء، التدخل العسكرى الغربى في مناخ عربى - اسلامى كان، ولازال بعضه، يعتبره من المحرمات الدينية والقومية والوطنيةخالطا بين السلبى والايجابى في تركيبة الحضارة الغربية تحت تأثير العمى والتحنط الايديولوجى أساساً.النموذج الليبى أسقط المسلمات الميتة ومنح الغرب فرصة تغيير صورته الذهنية فى المخيلة العربية، أو بالاحرىفرض عليهسياسة حماية مصالحه بالتحالف مع الشعوب بدلا من الدكتاتوريات، بما يتجاوز كثيرا  أثر النموذجين التونسى والمصرى من قبل، حيثاقتصر العون الغربى على الدعم غير المباشر وبعد فترة تردد. وهاهو حادث بنغازى ينمذج الفرصة التى أتاحها هذا التغيير لتأسيس علاقة تفاعل ايجابى مع الغرب قائمة على التمييز بين مكوناته المختلفة ومايضرنا وينفعنا منها،فى مناخ أكثر مواتاة بالمقارنة للنموذجين الاخرين إنعكاسا لاختلاف درجة العرقلة الناجمة عن مستوى حضور السلفيين الشارعى والسياسى. والحال ان التفاعل يجرى أيضا مع أهم مافى التجربة الغربية وهو تفعيل إرادة الفرد العادى فى صنع السياسات العامة الي أقصي درجة ممكنة عبر إحياء المجتمع المدنى كأساس وحيد للديموقراطية.
ولهذا الامر صلة بكتاب، أو ترجمة كتاب، صدر مؤخرا لوزير الخارجية الالمانى السابق ممثل حزب الخضر يوسكا فيشر عنوانه " أنا غير مقتنع I AM NOT PERSUADED " . وهى الجملة التىصدرت عنه في مناقشة حامية مع وزير الدفاع الامريكى دونالد رمزفيلد إبان التحضيرات الامريكية لغزو العراق عام 2003 فقد فيها الاخير أعصابه. وكانت ألمانيا، التى تولت أمريكا قيادة التحالف العسكرى الغربى الذى حررها من الاستبداد النازى فى الحرب العالمية الثانيهوأعاد بناء مجتمعها واقتصادها، قد اعترضت علي القرار الامريكىمع بقية دول ديموقراطيات القارة الاوروبية العريقة ( فرنسا وإيطاليا الخ..) بفاعلية أفشلت السعى الامريكى لشرعنة قرار الغزو بأصداره من مجلس الامن. الدولة القوية الفاعلة دوليا واقليميا هى الدولة الديموقراطيه، دولة الفرد العادي- السيد وليس دولة الزعيم-السيد، وليبيا قد تسبق العرب على هذا الطريق بدء بترجيح التوازن لمصلحة قوى الربيع العربى الآيل للديموقراطية، إذا صحت فكرة هذا المقال.
( عن جريدة الحياة / لندن )
KAMIL MAAROUF [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]