عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

هناك عيب منهجي في النقاش المستعر حول تقييم فترة الانقاذ بمناسبة مرور عشرين عاما علي بدئها بما يجعله تمرينا في اللاجدوي في افضل الاحوال ومضللا في أسوأها. العيب يكمن في المقارنة بين نظام حكم لايستمد شرعيته من حرية الصوت الانتخابي  واخر قائم علي هذه القاعده. بصرف النظر عن ايهما الافضل او الاقدر علي الانجاز، فأن المقارنة بين هذين النوعين من الانظمه غير ممكنة اصلا إذ لامعني لها فيما يتعلق بأي موضوع وفي أي زمان ومكان إلا اذا كانت بين شبيهين وهذا شرط غائب في حالة شرعية الانقاذ ونقيضها لاختلاف منشأهما وأدواتهما في العمل ونوعية انجازاتهما، واخفاقاتهما أيضا.  من هنا فأن تحديد الموقف من نظام حكم الانقاذ رفضا او قبولا لاينبغي ان ينبني علي افضلية إنجازاته بالمقارنة لنظام الحكم البرلماني او عدمها وانما علي الاختيار بين النوعين من الانظمة السياسيه مهما كانت طبيعة المعيار المستخدم  للتوصل الي هذا الاختيار.   كون النوعين من الانظمه يتنافسان في بلد واحد ويسعيان لتحقيق اهداف متشابهه عموما لاينفي الاثر الابطالي للمقارنة بينهما في اثبات ايهما الاقدر علي تحقيق هذه الاهداف لان نواحي التشابه هذه واقعة خارجهما ولاعلاقة لها بتكوينهما الذاتي المتباين فلا يمكن المقارنة بين القطار والطائره رغم انهما يستخدمان للوصول الي نفس الغايه.

 

علي ان من الضروري التنبيه هنا الي ان التعامل التغييري مع نظم الحكم التي لاتستمد شرعيتها من حرية الصوت الانتخابي، الشمولية او الاستبداديه في اللغة السائده، يختلف من نموذج الي اخر ومن فترة الي اخري في نفس النموذج وفق محدد رئيسي هو مدي فعالية الاسلوب المعين في الوصول الي الهدف التغييري. فالموقف المبدأي إزاء هذا الصنف من النظم أخلاقيا مصدره كان أو غير ذلك، يخضع في الترجمة التطبيقيه علي ارض الواقع لاعتبارات التقدير العقلاني المدروس وإلا فأنه يغدو عديم القيمه وتبديدا لجهد بشري خّير المقاصد وكبير الثمن في كثير من الاحيان.  فالتضحيات الكبيرة بالنفس وماهو ادني تظل  محل تقدير يساوي قيمتها ولكنها لاتكون إيجابية الحصيله إلا إذا قُدمت في سياق هذه الاعتبارات.

 

وفق هذا الفهم فأن انجازات نظام الانقاذ او انقلاب يونيو 89 التي لايتعب الاعلام الحكومي من تذكيرنا بها تكون مقنعة بل وباهرة احيانا، ولكن صلتها غير القابلة للفصم مع حقيقة ان النظام لايستمد شرعيته من حرية الصوت الانتخابي تضعها في تصنيف مختلف تماما. فحرية الانسان هي المصدر الوحيد لاستمرار فعالية أي نظام حكم وتصاعدها، كما يشهد انهيار التجربة السوفيتية ورصيفاتها القريبة والبعيده. هنا ينتهي إستبعاد حقوق الانسان وإلغاء حضوره كفرد تمشيا مع الايديولوجيات التي تركز علي حقوق الجماعه سواء كانت الطبقه العامله، أو الامه ( الاسلامية او العربيه ) بمرورالوقت الحتمي الي تضييعهما معا ومعهما الانجازات المتحققه. فالجماعة التي لاتملك صوتا مستقلا عن الدوله وحزبها الحاكم تفقد هذه الصفه إذ  تتحول تدريجيا الي قطيع لايصدر عنه سوي صوت واحد تصفيقا وهتافا في المناسبات التعبويه احتفالا بالاعياد السنويه وساعات التصدي لخطر خارجي جدي او مضخم،  ثم تعود الي رصيف الحياة العامه في انتظار المناسبة القادمه. بهذا تجف موارد الابداع وروح الابتكار في المجتمع النابعة من تعدد الاصوات والاراء  وتفقد  المجموعة الحاكمة مصدر تجددها وحيويتها وتتضاءل قدرتها علي الاستجابة للمتغيرات حتي النضوب. ففي غياب التعدد  لايصعد الي القياده او يلتف حولها استشاريا الا الشبيه بها او الانتهازي الذي يجيد تقليد صوت المجموعه، فتتحجر القيادة وتتخثر بمرور الزمن ذهنيا وفكريا. ولهذا ، إضاف لموت الثقافة الخلاقه وحوافز التجديد والابداع عموما، تتوقف القدرات الانجازية للنظام عند سقف معين وحتي هذه تتحول الي صروح ماديه خاوية من الروح وقابلة للانهيار مع النظام نفسه كما تشير وقائع التاريخ العالمي والاقليمي القريب. 

 

بناء علي هذه الرؤيه لجوهر العطب في تجربة الانقاذ يمكن الادعاء بأن جوهر العطب في استراتيجية المعارضه فكري او حتي فلسفي يتلخص في انطلاقها من تصور يركز حصرا علي فهم انقلاب يونيو 89 بأعتباره الغاء للمؤسسات الديموقراطيه ودور الشعب/ الامه وليس بأعتباره الغاء لحرية الاختيار والتفكير الفرديين لكونهما الطريق المضمون الي حرية الجماعه ومصدر حيوية المؤسسات الديموقراطيه وفعاليتها.   هذه الحيويه التي يتفق الجميع علي ان انعدامها هو بالضبط الثغرة الكبيرة التي دخل ويدخل منها الفعل الانقلابي منجذبا بلامبالاة الامه والشعب والطبقه بمصير هذه الديموقراطية التي لاتطعم خبزا وفي الوقت نفسه لاتحقق انجازات مادية ملموسه من الطائرات وحتي السدود تعوض عن ذلك، أقله، بشعور الفخر الوطني والقومي.

 

لقد تجلي عطب رؤية المعارضه في التركيز الحصري علي اسقاط نظام الانقلاب خلال 89 – 2000  ثم محاولة تحجيمه بالعمل السياسي السلمي حتي الان، دون أدني اهتمام بكيفية سد هذه الثغره، وفي احسن الاحوال اعتبارها مهمة مؤجلة لما بعد تصفية الحساب مع النظام. هكذا لم يطرح العقل المعارض علي نفسه سؤال الاسئلة المحوري : لماذا لايستطيع الشعب السوداني التمييز بين الديموقراطيه كنظام سياسي يعطيه مكانه اللائق بأعتباره مصدر السلطات كما يقول الدستور، وقصورات التطبيق التي يستند اليها الانقلابيون منذ عام 58 ؟  من هذا السؤال كانت ستتفرع الاسئلة الاخري : لماذا تنجح شعوب اخري في هذا التمييز فتنضج الانظمة الديموقراطية لديها وتتمكن في سلوكية وعقلية أبسط ناسها وتثمر انجازات مادية متصاعده لانها ذات محتوي معنوي نابض بالحياه ؟ كيف تحولت هذه الشعوب من شعوب- القطيع، شعوب –القبائل والطوائف، الي شعوب التفكير المستقل والعقلاني التي تأتلف في مجموعات حرة وطوعية ( مجتمعات مدني سياسيه ولاسياسيه ) غير موروثة من الماضي؟ ماعلاقة تحرر انسان هذه الشعوب من أسر القبيلة والطائفه  بنشوء المدينه الحديثه، المدرسه والمصنع والحقل الممكنن ؟ عند اي نقطه في تاريخنا المعاصر بدأ مثل هذا التحول عندنا ولأية اسباب توقف؟  أو، عند اي نقطه ولأية اسباب نشأت الديموقراطيه عندنا كثقافه ثم تجمدت وتراجعت مع توقف وتراجع نمو عقلية المدينه ومكوناتها المستحدثه، فوجد الانقلابيون مدنيين وعسكريين الباب واسعا بل وداعيا للدخول؟           

 كما يعلم المتابع لتطور المعارضة السودانيه ماضيا وحاضرا سؤال الاسئله هذا، وتاليا، متفرعاته لم يطرح حتي علي المستوي الفكري البحت ناهيك عن الفكري التطبيقي سواء في وضع او مراجعة استراتجيتها.  والنتيجة كانت ان المعارضة تعاملت مع نظام حكم يونيو 89 ( الاسلامي ) وكأنه مجرد انقلاب اخر يمكن اسقاطه بأنتفاضة اخري بينما هو في الواقع تعبير عن حقيقة ان الاسلاميين كانوا أكثر القوي تأهيلا للاستجابة الي دعوة الانقلاب والحفاظ علي مكتسباته بعد ذلك.  فقوي هذه الانتفاضه العتيده لم تكن موجودة فعلا وفعاليه بعد مالحق الخراب بالقدر المتحقق من التطور والتحديث في عقلية النخب المدينية بفعل فترات الانقطاع الدكتاتوري الطويله خلال 58- 64 ثم 69-85 والتردي المريع والمستمر للاحوال المعيشيه  و للتعليم كمكون اساسي للتحديث عندنا،  مادفع اقساما كبيرة من تلك النخب الي احضان الملاذ الديني بحثا عن الامان والتوازن النفسي، فكانت الحركة الاسلاميه واجواؤها الكثيفة. حتي بعد ان ثبت بالدليل العملي أن التمكين لم يكن فعل معجزات او عبقريات وانما حاصل قوة جذب الملاذ الديني كما جسدته الجبهة القومية الاسلاميه بقي العقل المعارض افرادا كان اواحزابا يعيد تكرار تجاربه العقيمة في كيفية مواجهته. عندما فشلت تجربة العمل السلمي للتجمع الوطني الديموقراطي  توهمت المعارضه ان الحل في العمل المسلح فكانت " قوات التحالف " ومقلديها لدي الاحزاب الاخري ولقي نفس المصير ثم جاءت مرحلة العمل السياسي من الداخل بعد عام 2000 ، ونظام يونيو حي يرزق ينمو ويتمكن ويفعل مايشاء تقريبا لايشكمه الا تدخل خارجي في شكل تسوية مصالح مع الولايات المتحدة والغرب فكانت نايفاشا. وكان ان نفضت نخب الهامش ايديها من المعارضة ( القوميه ) وقررت ان تأخذ حقها بيدها المسلحه كما فعل اهل الجنوب. كل ذلك ولايزال سؤال الاسئلة غير مطروح.