عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

منذ انتهاء الحرب البارده رسميا بأنهيار حائط برلين في 9 نوفمبر عام 89 يزدحم مجال الاخبار بالتطورات الديموقراطيه مايستحيل معه تغطيتها بالمقالات. " العافيه الديموقراطيه درجات " سيكون عنوان ملاحقة خبرية وتحليليه لبعض هذه التطورات ومتعلقاتها من حين لاخر مساهمة في مكافحة حالة سوء التغذيه الديموقراطيه المزمنه التي نعانيها. 

 

+++ لماذا تقدم الهنود وتأخرنا نحن ؟

 

الانتخابات الهنديه التي جرت دورتها الاخيره من 16 ابريل الي 13 مايو الماضي وانتهت بفوز حزب المؤتمر يطلق عليها إخباريا لقب اكبر ديموقراطيه في العالم نظرا لضخامة عدد الناخبين إذ يبلغ عددهم 714 مليون.  بالنسبة لنا في السودان ينبغي ان يكون الضخم في هذه الانتخابات هو مغزاها كاشارة لنجاح التجربة الهنديه في تجسيد المعني الصحيح والايجابي للتنوع الثقافي والديني. يسود عندنا منذ فتره تفكير بأن الاعتراف بالتنوع هو السبيل للتعايش والتقدم العام فأصبح النغمة الوحيدة في اطروحات المثقفين والناشطين ورحنا نقسم البلاد فدراليا وولائيا ومحلياتيا حتي وصلنا الي القبليات وماهو اصغر منها .. مع ذلك لايتوقف تدهور الاحوال العامة بل يتسارع حتي اصبحت انباء الصدامات القبليه خبزنا الخبري اليومي بحيث تبلد حسنا ولم نعد نعبأ بها لاعاطفيا ولاسياسيا. التنوع الهندي اعمق جذورا من تنوعنا لانه مؤسس طائفيا وطبقيا ودينيا ( 22 لغة رسميه ستة اديان رئيسيه ومئات المجموعات الاثنيات ) وسط عديد سكاني يتجاوز البليون ولانسمع الا عن احتكاكات اثنية- دينيه بين الحين والاخر يقل عددها ومداها باضطراد وفي نفس الوقت تتحول الهند الي قوة اقتصادية كبري بمعدل نمو سنوي يبلغ ال9%  قائم علي التقدم التكنولوجي والعلمي وليس علي حقنة بترولية ناضبة غدا او بعد غد. ماهو سر التعايش والتقدم هنديا وعدمه عندنا؟ مفتاح السر هو ان الهند لم تعش منذ استقلالها عام 1945 يوما واحدا بدون برلمانيين وقضاة وصحفيين احرار فيما يقولون ويقررون حتي اصبح وجود هذه المؤسسات هو الامر الطبيعي والعادي مثل وجود الاب والام والمقدسات الدينيه لايتشكك في جدواها حتي ال 800 مليون من المهمشين في مجاري مومباي وارياف ولاية اندرا براديش. اما نحن فقد اقتصر تشبهنا بالهند تاريخيا علي استعارة اسم الحركة السياسية القائدة فيها ( حزب المؤتمر ) للصيغة الاولية لحركة الاستقلال الوطني ( مؤتمرالخريجين ) بينما شرعنا بعد الاستقلال بعامين فقط في انتاج انظمة تبدأ سلسلة إنجازاتها بحل البرلمان وتكميم الصحف والقضاء حتي وصلنا الي شمولية الشموليات ومن تداعياتها البحث المسلح وغير المسلح عن  سبب التهميش في كل شئ اخر عدا حالة الاستعصاء الديموقراطي، وهذه وصفة جاهزة  لاعادة انتاج شموليه المركز  في الاطراف. ولعلنا نجد العذر لهؤلاء إذ يعجز كبار مفكرينا وساستنا المخضرمين عن دلناعلي مصدر حاله الاستعصاء هذه وكيفية معالجتها بحيث تبدو كلعنة أبديه وليس صنيعة بشريه ويظل السؤال معلقا : لماذا تخلف السودانيون ديموقراطيا وتقدم الهنود ؟ 

  

+++  " حالة انكار " سوفياتيه

 

  من يتاح له الاطلاع علي برنامج الحزب الشيوعي السوفيتي ( الصيغة الجديده ) الصادر عن المؤتمر السابع والعشرون، مارس 1986، عن دار وكالة نوفستي لن يصدق عقله او عينيه ويحق له ان يتساءل ماإذا كان واضعو التقرير كانوا حقا يعيشون مع الاخرين في نفس العالم ام يسبحون في فلك عالم اخر؟   مهما اجهدت نفسك في البحث عن اي اشارة مهما كانت بعيده او خافته في البرنامج عما كان يحدث وقتها من تفكك داخل دول المنظومة الاشتراكيه فيما بينها ويستعد للانتقال وشيكا الي الاتحاد السوفيتي نفسه،  لن تجدها.

    منذ بداية الثمانينيات كانت بولندا قد بدأت رحلة الخروج عن دول المنظومة الاشتراكيه من ميناء جدانسك  بقيادة اتحاد نقابات التضامن. ورغم  فرض حالة الطوارئ  بعد ذلك بعام وكافة محاولات الضغط والحلول الوسط انتهي الامر عام 89  بأنتخابات أنهت سيطرة الحزب الشيوعي وتولي بعدها زعيم اتحاد النقابات المستقله فاليسا رئاسة الجمهوريه لكي تلتحق بولندا بعد نهاية الحرب البارده بالاتحاد الاوروبي كأول دولة من اوروبا الشرقيه تفعل ذلك.   في المجر حدثت تطورات مماثله خلال الثمانينيات بعد فترة قصيره من احداث بولندا نتيجة التفاعل بين توجهات اصلاحيه لبعض قادة الحزب الشيوعي واحتجاجات شارعية واسعه خلال اعوام 87 -89  قادت عام  1990  الي اول اقتراع انتخابي مفتوح وشملت تجمعا تجاوز ال 200 الف شخص عند إعادة دفن رفاة أمري ناجي احد قادة الحزب الشيوعي الذي كان قد اعدم عام 1956 بعد تمرد علي العلاقة مع موسكو.  في الاتحاد السوفيتي نفسه افلتت الامور عندما اطلق جورباتشوف محاولته ذات الشقين، جلاسنوست ( الانفتاح ) وبريسترويكا ( إعادة البناء ) عام 1985، لتحديث نظام الحكم والسياسات المتبعه إذ اطلقت المحاوله ديناميكية تفجرات داخليه مكتومه زادت  طينها بلة محاولة انقلاب باتجاه مضاد عام 1991  فذاب الاتحاد السوفيتي نظاما ودولة وايديولوجية فيما بدا بين يوم وليله.

ماالذي كان يقوله برنامج الحزب الشيوعي السوفيتي خلال هذه الفتره والارض تضطرم وتزوم  بكل نذر وشرار البركانيات حوله وتحت تحت اقدامه ؟ في ( ص 64  - 66 )  يتحدث  البرنامج عن علاقات التعاون مع احزاب ودول المنظومة الاشتراكيه  وكأن شيئا لم يكن بينما  يشيد في ( صفحة 4 ) بأنجازات البناء الداخلي الكبيره في تطوير القوي المنتجه والعلاقات الاقتصادية- الاجتماعيه والديموقراطية الاشتراكيه وتكوين الانسان الجديد و " تعاظم دور الاتحاد السوفيتي كعامل جبار للنضال ضد سياسة الاستعباد الامبرياليه ".   يستحيل تصور ان القيادة السوفيتية كانت  غافلة عما يجري امامها، فهل كانت تعيش ما يطلق  عليه " حالة انكار     STATE  OF DENIAL "    الاشبه بمرض نفسي  يجعل اصحابه عاجزين عن تصديق ماتراه اعينهم وتسمعه اذانهم؟  الدول والانظمة السياسية لاتصاب بالامراض النفسيه ولكن قيادات التوتالتارية منها تنقطع صلتها بالعالم الواقعي لان طول الاعتياد علي السلطه المطلقه يصيب اجهزتها الرسمية وغير الرسميه بالترهل وانسداد الشرايين فتعجز عن ضخ حقائق مايجري اخبارا وتفسيرات فيأتي الاصلاح، هذا اذا أتي اصلا، في الوقت الضائع. هذا حال الشمولية علمانية كانت او دينيه ولكن الاخيرة إذ تستند الي رصيد موروث في صميم تكوين الانسان تغدو اكثر خطورة مايجعل الانهيارالسريع للاتحاد السوفيتي ميزة وليس عيبا علي ضوء هذا الفارق لانه علي الاقل اختصر الطريق نحو التفكير الجدي في اسباب ماجري.

  

 +++ بورما :  مانديلا الاسيوي

 

إمراة في الثالثة والستين من عمرها دقيقة الحجم خفيضة الصوت قضت حتي الان 13 عاما من حياتها بين السجن والاعتقال المنزلي منذ اول مرة اعتقلت فيها قبل عشرين عاما وتقف حاليا امام محكمة قد تقضي بسجنها خمس سنوات، والحساب بينها وبين طغمة جنرالات مفتوح الي امد قد يتجاوز سنوات نلسون مانديلا السبعة والعشرين في قبضة نظام الفصل العنصري. بورما، هذا البلد الاسيوي الذي غني له باسمه القديم ( الملايو ) الكابلي/ تاج السر الحسن ضمن عملهما الغنائي الشهير ( اسيا وافريقيا) ، ينوء تحت وطأة الانقلابات العسكريه منذ عام   62 .  وإثر ثورة شعبية قتل فيها الاف الشباب بالرصاص ضد الدكتاتورية الاولي عام 88 وقع انقلاب عسكري توهم قادته بعد ذلك بعامين ان من الممكن شرعنة نظامهم بأنتخابات مفتوحه فاذا بحزب " العصبة الديموقراطيه " الذي اسسته هذه السيده واسمها     Aung San Suu Kyi              وينطق " ان سانق سُو شي" ، يكتسح الانتخابات ماأضطر الطغمة الي الغاء النتائج.

 منذ ذلك الحين استمرت المواجهة بين صلابة الحرية ممثلة في ورقة اقتراع خفيفة خفة الوزن الجسدي لامرأة ستينيه ورخاوة  الدكتاتوريه ممثلة في سلاح الجنرالات ودباباتهم.  . ففي منتصف مايو الماضي أحيلت  " ان سانق سو شي " الي المحاكمة بتهمة واضحة الفبركه بعد ان اوشكت فترة احتجازها المنزلي منذ ست سنوات علي الانتهاء. اصل الحكايه أن رجلا نصف مخبول تمكن من الوصول الي منزلها  سباحة عبر نهر ليلا  واضطرت ساكنته الي ايوائه حتي اليوم التالي بعد ان اشتكي من الارهاق والجوع. وبما ان وجود اي شخص اخر في المنزل فيما عدا خادمتين يعتبر خرقا لشروط الاحتجاز، فقد اعتقلت بتهمة مخالفة هذا الشرط وكذلك قانون قراقوشي اخر يمنع اهل البلاد من السماح لاي شخص اجنبي بالمبيت في منازلهم دون ابلاغ الشرطه. المثير للشك حول كون الحادثة مدبره ان المنزل محاط بالحرس من كل جوانبه وصوت السباحة بالذات لايمكن ان يفوت علي مسامعهم والارجح علي ذلك ان الرجل استدرج الي هذه الفعله لتبرير مد فترة احتجازها حبسا لان الطغمة الحاكمة ترتب لانتخابات بعد عامين وتخشي من تأثير " ان سانق سو شي "  مع انها انتخابات ستجري وفق ماتسميه " الديموقراطية المنضبطه" والجواب التزويري واضح من عنوانه. ايهما الظافر اذن في اخر منازلة بين ( ضعف )  الديموقراطيه و ( قوة ) نقيضها؟