\\\\\\\\\\\\\\\\

Mohamed Ahmed or  ALSAWI [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
فعاليتان هامتان حول موضوع هذا المقال خلال الايام القليلة الماضية هما المناقشة التي نظمها  اتحاد الكتاب السودانيين  حول " دور المثقفين والمهنيين في انتفاضة ابريل 85 " يوم الجمعه 5 مايو، وتكريم د. امين مكي مدني،وهو أبرز وجوه هذه المجموعه، بواسطة مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية كشخصية العام الاستنارية. يفترض ان هاتين الجهتين هما الاكثر تأهيلا من غيرهما لانتاج معرفة جديدة بهذا الموضوع. والمعني بذلك معرفة تصلح للبناء المستقبلي عليها نحو  تفكيك معضلة الديموقراطية المستدامة القاتلة للسودان مجازا وفعلاً. هذه مجموعة  أفكار/ خواطر / تأملات أثارتها هاتان الفعاليتان لنقاش يؤمل الا ينتهي بنهايتهما.
في رسالة الكترونية مختصرة الى " مركز الخاتم عدلان " قبل عدة أيام عند اعلان النبأ كتبت مقترحا ان يكون جوهر الاحتفاء بدكتور مدني كونه ممثلا لما يمكن تصنفيه ب " الليبرالية الحديثة" وهو مصطلح أعتقد ان من الممكن إطلاقه علي المجموعة التي يدور حولها منشط اتحاد الكتاب. فماهو معني هذا المصطلح عموما وفي السياق السوداني بصورة خاصة وماعلاقته أصلا بنقل الديموقراطية السودانية من حيز الاستحالة الي حيز الامكان؟
لاسباب تتعلق بضيق الوقت، ولكن الى حد أو اخر أيضا بدرجة الكفاءة الثقافية، يتجنب هذا المقال الدخول في مبحث فلسفي- فكري حول المصطلح مكتفيا بأضاءته من خلال رصد حقيقتين اثبتتهما نهائيا التطورات التاريخية  منذ انهيار حائط برلين  في نوفمبرعام 89. أولي الحقيقتين هي انه لاتنمية مستدامة وتاليا عدالة اجتماعية دون ديموقرطية والثانية، والاهم، انه لاديموقراطية بدون استناد فلسفي الى مفهوم حرية الفرد، جوهر الليبرالية. الانظمة القائمة علي مفهوم حرية الجماعات ( الطبقة/ الاشتراكية، الامة/ الاسلامية- العربية ) ثبت عمليا أنها تنتهي الى  صروح استبداد مفلسة اقتصاديا تهدر فيها حقوق العيش الكريم للشعوب وصيانة وحدتها الوطنية، أفراداً وجماعات. وبينما تزدهر أحوال اقطار اسلامية ( تركيا، ماليزيا واندونيسا الخ.. الخ) وغير اسلامية ( البرازيل وكوريا الجنوبية الخ..  الخ.. ) علي طريق التحول الديموقراطي المستدام يبقي السؤال حول المصير السوداني ؟ 
الحالة السودانية التي تتوسع فيها، دون هوادة، مساحات التدهور الشامل أقاليمياً وطبقياً وتتفكك عري الوحدة الوطنية حروباً أهلية قائمة وممكنة، يصح القول إزاءها فيما يتصل بالعلاقة بين الديموقراطية والليبرالية، بأنه حتي لو لم توجد قوي او تيارات ليبرالية سودانية فلا بد من اختراعها لان البديل لايمكن حتي تصوره لكونه أبشع من الحاضر الماثل أمام أعيننا يوميا الان ؟ ولكن  الامر، لحسن الحظ، لايخلو من إرهاصات ظهرت الى السطح في التحضير لانتفاضة ابريل 85 وتنفيذها. تجسدت هذه الارهاصات في النشاط الدائب لمجموعة من المثقفين والمهنيين حسب التوصيف الصحيح لاتحاد الكتاب ، أساتذة وطلبة جامعيين، محامين، أطباء، مهندسين، مصرفيين،  لعبت دورا محوريا في تشكيل التجمع النقابي الذي تولي تنظيم الاضراب السياسي وأهم المظاهرات ثم جولة المفاوضات الاولي مع قيادة الجيش بعد ( انحيازها ) للشعب. بالمقارنة للاطراف السياسية التي لعبت دورا في الانتفاضة سواء مباشرة أو من خلال نفوذها في الاوساط النقابية والحياة العامة، هناك قواسم مشتركة بين افراد هذه المجموعة تجيز اطلاق هذه الصفة عليها ببعض التجاوز وكذلك صفة الليبرالية بتجاوز أكبر. لايمكن بطبيعة الحال الحديث عن درجة من التماسك بين مكونات هذه المجموعة تقارب تلك القائمة لدي الاطراف السياسية الاخري ولكن قدرتها علي أداء دورها المبادر تدل دون شك علي توفر قدر من التنسيق والثقة المتبادلة بين افرادها لايمكن بدونه تفسير حيازتها لهذه القدرة مما لاينفي عنها صفة المجموعة كلية. الخاصية الاولي المشتركة بين افراد هذه المجموعة انهم في عمومهم غير منتمين حزبيا سواء للاحزاب  (الحديثة ) الاشتراكية او الاسلامية، او الاحزاب ( التقليدية ). القاسم المشترك الثاني هو التوجه ال( علماني ) لافراد المجموعه ليس بمعني الالتقاء الواعي حول هذا التوجه وانما بمعني ابتعاد نمط حياتهم الاجتماعية ومزاجهم العام عن الاجواء والممارسات التي نشأت عن محاولة نظام نميري- الاخوان حشر كافة اوجه الحياة في قالب ديني إسلامي وبصورة قسرية. الخاصية الثالثة للمجموعة أن محددات موقفها من الغرب غير متأثرة بجذور ايديولوجية و/ او تاريخية كما هو الحال مع اليسار واليمين.
هل يمكن بناء علي هذا التحليل المبسط الاستنتاج بأن هذه المجموعة كانت، علي الاقل في الحد الادني،  مرشحة كمجال أو بيئة ملائمة او كخميرة لحركة الديموقراطيين الليبراليين السودانيين؟ وأجابة هذا المقال هي نعم لان تكوينها الذاتي خلا من العوائق الثقافية والتاريخية، يمينية كانت او يسارية او تقليدية المصدر،  أمام الشرط الرئيسي لنمو الديموقراطية في التربة السودانية كثقافة ومؤسسات وهو الحرية التي تستنبط ضوابطها الاجتماعية والسياسية من طبيعتها وبوسائلها. الاحزاب/ المجموعات السياسية الاخري لم تولد بعاهات جينية تمنعها من حيازة هذه الخاصية ولكنها نشأت في ظروف تاريخية تجعل تكييفها لتلك الضوابط قابلا للتأثر الشعوري أو اللاشعوري بالاعتبارات الطبقية  بالنسبة للحركة الشيوعية والاشتراكية عموما، او الدينية -الطائفية بالنسبة لحزبي الامه والاتحادي، والدينية الايديولوجية بالنسبة للحركة الاسلاميه.
علي ذلك فأن تلك المجموعة كانت مرشحة ايضا لتهيئة العقل  السوداني للتوصل علي المدي البعيد الى حل لمعضلة الديموقراطية المستحيلة الكامن جوهريا في الفرق بين ظروف اوروبا والسودان. الاخير لم يعرف ثورة صناعية ولاإصلاحا دينياً ولاتيارات تنوير فلسفية، المخاض الكبير الذي  ولدت فيه الديموقراطية الليبرالية كمسلمات للحياة ولنظام الحكم، لذلك ظل سؤال النهضة لدينا ولايزال هو : مع الاستحالة البديهية لاستنساخ التجربة الغربية، كيف يمكن استزراع مفتاح نجاحها وهو تحرير ارادة الانسان وقدرته الخلاقة علي صنع وترقية الحياة المادية والمعنوية بتحرير عقله، في التربة المحلية بتضاريسها الثقافية والتاريخية المختلفة ؟ والاجابة هي : بالاستيعاب النقدي ولكن المفتوح دون عقد ومعوقات من اي نوع تجاه  الثقافة والتجربة الغربيتين. البشرية قادرة أكيدا علي صنع حضارة أرقي وأكمل، كما فعل المسلمون والعرب وغيرهم من قبل، ولكن ذلك مستحيل دون هذه النوعية من التعاطي مع النموذج الغربي. هذا مايقوله، بالاضافة لتجربة مجموعة الاقطار المسلمة وغير المسلمة المذكورة سابقا، النظر في تجربة افريقيا الناهضة حيث قفز عدد الديموقراطيات في افريقيا جنوب الصحراء من 3 عام89 الي 23 حتي عام 2008 بينما تحسب ست من الدول الافريقية بين الدول العشر الاسرع نموا في العالم خلال العقد الماضي.
واذا كانت تجربة ( المسودة الاولية ) من الليبرالية السودانية قد توقفت عند هذه الحدود بينما تبدو الاحزاب عاجزة عن تصفية كافة معوقات التعاطي المفتوح المطلوب في تكويناتها، وتتكسر كافة محاولات انشاء احزاب جديدة امام نفس السؤال، فأن أحد اهم المداخل الممكنة لاستكشاف طريق الخروج من أزمة الاستعصاء الديموقراطي هو تواصل الاهتمام بدراسة تجربة مجموعة انتفاضة ابريل. كما أن طبيعة نشاطات مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية ، لاسيما تقليد احتفاله السنوي بشخصية العام الاستنارية، تفتح امامه طريقا رديفا ومكملا إذ يؤول الي تركيز الانتباه علي تجربة المثقف الاستثنائي  معاويه محمد نور (1919 – 1941 ) لان المنجز الاهم لسيرته الثقافية المعدومة النظير سودانيا وربما حتي عربيا، هو بالضبط الانفتاح النقدي ولكن الكامل علي التجربة الغربية. ويقترح هذا المقال علي المركز بدء التحضيرات منذ الان للاحتفاء به كشخصية عام 2013 الاستنارية بهدف تجميع  أكبر قدر من المعلومات الموثقة تصويرا وغير ذلك عن هذه الشخصية ( تاريخ ميلاده تحديدا وبيئته الاسرية وتفاصيل ظروف وفاته مرورا بتقصي بقية كتاباته الخ.. الخ.. ) تمهيد مثلا لافتتاح متحف مصغر يوم الاحتفال تلقي فيه أيضا بعض الدراسات عنه وحبذا لو صاحب ذلك إزاحة الستار عن تمثال نصفي  لمعاويه، ويمكن في هذا الصدد تنظيم حملة تبرعات ماليه ( وعينيه من قبل نحات سوداني ) لتغطية التكاليف. هذه خدمة تاريخية، ومبتكرة في  الوقت عينه،  يسديها مركز الخاتم عدلان لتاريخ الاستنارة والديموقراطية في السودان.