سيرة الشخصيات التي تنتزع لنفسها مكانة ما في الحياة السودانية العامه يجدر ان تبقي مفتوحة للاستكمال دوما اذا كان للحاضر والمستقبل ان يستفيدا منها إستفادة كاملة.  وهذه محاولة لتغطية بعض ثغرات سيرة فقيد السياسة والفكر  محمد ابو  القاسم حاج حمد في ذكري وفاته يوم 20 ديسمبر 2004. هي عبارة عن شهادة نابعة من علاقة شخصية وسياسية- فكرية خلال فترة شباب الستينيات.
السِير ليست محض تسجيل لان ذاكرة الانسان مهما قويت وتعددت مصادر إسنادها تبقي انتقائية الي حد او آخر شعوريا او لاشعوريا، فهي بذلك تفسير يتلون بذاتية المؤرخ وقدراته.  وفهمي الخاص لشخصية حاج حمد الغنية من تجربة تلازم شبه- يومي  خلال الستينيات يقول بأن مفتاحها هو حبه للحياة بجوانبها كافة ويقينه بدور شخصي محوري فيها .. مجلة "الخرطوم الجديده " نشرت في عدد خلال مارس 2003 صوراً نادرة لحاج حمد الشاب يبدو في إحداها مرتديا بنطالا وقميصا غير تقليديين بمقاييس تلك الحقبه، فارقا شعره علي اليسار ممسكا بسيجاره بينما ينضح وجهه بأبتسامة ملونة توحي بصفات الزي  نفسها. هذه لقطة مجمدة في الزمن من الجانب الاخر لشخصية ابو القاسم المتكاملة والمنسجمة مع ذلك، فقد كانت صحبته متعة مرهقة للغاية علي الصعيدين الجاد وغيرالجاد  .. والكلمة الاخيرة مسحوبة اذا كانت تُدخل في روع القارئ انه لم يكن يأخذ امور اللهو البرئ، وغيرالبرئ بمعايير سودان مابعد الثمانينيات، بخفة.. كان يدير رؤوسنا، الأخف كثيراً من رأسه ثقافياً، بمناقشاته التي لاتفتر في المسائل النظرية والعمليه .. يعتكف في منزلهم بالعمارات أياما واسابيع يقرأ قراءة استيعاب وهضم في موضوع معين بنهم لامزيد عليه حتي يصيبنا الضجر والرهق من ثقل صحبته التي لاتتحملها طاقاتنا الاضعف في هذا المجال المشترك بيننا .. ولكن  أنفاسنا كانت تنقطع ايضا في ملاحقته عندما يخرج من عزلته الي مرابع اللهو والترفيه البرئ و ( غير البرئ ) في خرطوم الاختيارات الحرة وقتها والاقرب، مع ذلك، الي السماء من خرطوم اليوم.  فكانت سيارته الفيات المتهالكة التي كنا نطلق عليها لقب " الزميلة المناضلة " تعرف مسالك العاصمة في كافة الاتجاهات مهما كانت متعاكسة آناء الليل واطراف  النهار. وفي طاقة ذهنية وجسدية غريبه كان محمد ابو القاسم يجد فسحة كافية وسط كل هذه النشاطات لمساعدة والده الذي كان مقاولا معماريا، ومشرفا كليا علي اعماله اثناء غيابه، متنقلا بين مواقع البناء ومصنع صغير للبلاط.
تعودنا في تجربة بدايات حزب البعث ان نصل إلى، بل ونطارد، من نتوسم فيهم امكانية التجاوب .. مع حاج حمد كانت المسألة عكسية، هو الذي وصلنا، أو اقتحمنا علي الاصح .. رحبنا به غير مصدقين انضمام طاقة الكاريزما والثقافة والحيوية غير الاعتيادية هذه الي صفوفنا غير ان مشكلتنا  بعد فتره  اصبحت كيف ( نتخلص ) منه.   لم يكن من النوع الذي يمكنك التأثير عليه ناهيك عن استيعابه في اطر الحزبية الحديثة التي كانت تهتم بالفكر، وهو أحد جواذبنا له، قدر اهتمامها بالانضباط التنظيمي الحديدي وهو احد منّفراتنا له... إنشغاله الجدي والمستمر  بالعمل العام ذو العمق الفكري المستند الي قناعة مستقرة خالية من الاصطناع والتكبر بخصوصية دوره، أنبت له  قرون استشعار مرهفة مثل رادار من أحدث طراز لاي فرصة تتوافق مع توجهاته وقناعاته في المرحلة المعينة .. التيار الغالب في اوساط المشتغلين بالعمل العام وقتها كان التحرر الوطني والاشتراكية بتنوعاتها المختلفه ولكن قاطرتها الماركسية القيادية ممثلة في الحزب الشيوعي، لم تكن خياراً لحاج حمد الممتلئ برؤية نقدية لها .. بعضها من قراءاته المتعمقة منذ الثانوي وبعضها، ربما، من بيئته العائلية المحافظة الرباطابية الختمية. وتزعمه لمجموعة من القوميين الاشتراكيين السودانيين ( مقابل العرب ) ضمت ثلة من ابرز المثقفين والادباء الشباب لم تكن ترضي طموحه المتوثب.  طموحٌ كان متقداً استثنائيا في تلك الاوقات التي كانت تعج بأحلام ونظريات وحركات الثورة حارقة المراحل التي ستقلب الدنيا رأسا علي عقب، كما انشقت عنها أرض العمل العام السوداني اثر الاطاحة بالدكتاتورية الاولي في ثورة اكتوبر 1964 .  ضالته وجدها في " الاشتراكيون العرب " : انتقال طلابي الي الفضاء العام لمجموعة اشتراكيين قوميين عرب نشطة أغلبيتهم متأثرة بالتجربة الناصرية بدرجات متفاوته تقودها سراً بضع خلايا بعثية. اعضاء المجموعة كانوا عموما أبناء أجواء الختميه والاتحاديين، كما ان التيار علي نفحته العقائدية لم يكن متكامل البنيان مثل الماركسيه بما يبقي فسحة زعامية مفتوحة علي  الصعيدين الفكري والسياسي لم تغب عن فطنة حاج حمد وثقته في استعدادته الطبيعية والمكتسبة.  وهو ماتحقق له فعلا اذ اصبح بسرعة نجما ساطعاً في سماء حركة  " الاشتراكيين العرب " خطيبا في الندوات العامة ومجادلا فكريا لقامات سامقة مثل عبد الخالق محجوب (مناقشة في جريدة صوت السودان التابعه لحزب الشعب الديموقراطي حول استراتيجية الحزب الشيوعي بعد اكتوبر ودور الوسط ). الامر الوحيد الذي استعصي عليه هو اختراق النواة البعثية التي كانت لولب الحركة.  هذه كانت صلبة إستثناءً لكونها كحزب حديث  تقوم علي الانتقاء الدقيق للعضوية ولكونها كانت سرية حتي علي " الاشتراكيين العرب " انفسهم.  بعكس علاقة الجبهة الديموقراطية والحزب الشيوعي تعين علي البعثيين وقتها التمويه علي وجودهم بل وإنكاره تماما امام اعضاء الحركة صيانة لوحدتها في أتون الخلاف المستعر حينذاك بين حزب البعث العربي الاشتراكي والناصرية حول المسئولية عن انهيار أهم انجازات الحركة القوميه العريية وهو الوحدة  المصرية -السوريه ( 1958-1961 ).  والحال ان هذه الزاوية بالذات شكلت الجاذب الثاني لمحمد ابو القاسم نحو الحركة منبثقا عن ارتباطه المبكر بالثورة الارترية وارتباط البعث السوداني بالمنبع السوري للحزب، فكان الامر بالنسبة له لقاء سعيدا بين أفق مكانة مميزة علي مسارين يتبادلان الدعم.
البعث السوداني كان عند بواكيره اواخر الخمسينيات عفلقياً بأمتياز، نسبة الي ميشيل يوسف عفلق المسيحي السوري المؤسس الاول للحزب.  مدخلُ المجموعة الصغيرة من الطلاب وقتها الي الحزب كان كتابات ميشيل عفلق التي تختلط فيها ملكته الادبية الشاعرية ( هناك اجماع علي هذا في اكثر من مؤلف حول انتاجه القصصي خاصة) بحس انساني  مرهف لعله فيض من تربيته المسيحية، التي لايحب التفكير البعثي المتحول إسلامياً الان الاعتراف بها، وآخر اجتماعي فيض يسارية مبكرة تشربها إبان دراسته في فرنسا، مع انفتاح غير متحرج علي الاسلام.
قبل ثورة اكتوبر بعام ونصف كان البعث السوري قد قفز الي السلطة بأنقلاب.  ولم يستغرق الامر طويلا لذكاء محمد ابو القاسم وقوة ملاحظته لكي يكتشف ان الموتور المحرك ل " الاشتراكيين العرب "  هو مجموعة بعثية صغيرة كان يسميها ممازحاً  " الاقلية المنظمه "، لها منافذ علي النظام الجديد في سوريا وذلك رغم السرية المطلقة التي كانت المجموعة تفرضها علي هذه المنافذ بالذات.  وبما ان النظام السوري الجديد كان مهتما بتثبيت أركان شرعية جاذبة شعبيا مثله في ذلك مثل كافة الانظمة الانقلابية، فقد استجاب لطلب مساعدات عسكرية وغير عسكريه للثورة الارتريه ( وثوار الكونغو ) بدافع إضافي ايضا هو السباق الثوري مع شقيقه- غريمه القومي النظام الناصري شمل دعم حركة فتح في بداياتها، بعكس الموقف المصري.  ويذكر مجايلو تلك الحقبة ماهو موثق في صحفها، الزوبعة التي ثارت حين اُكتشف امر السلاح السوري للارتريين ووصلت حد اتهام الرشيد الطاهر وزير العدل وقتها بالضلوع فيها.  والمؤكد علي كل حال ان محمد ابو القاسم والبعثيين والاشتراكيين العرب كانوا ضالعين في هذه العملية حتي ذؤابة الرأس ويسجل بفخر لشخصيات مثل المحاميين الان عبد الباسط احمد يوسف واحمد ابو جبه والمحاسب ماهر شنوده وغيرهم من من تخونني الذاكرة بشأنهم، انهم شاركوا في نقل السلاح من الخرطوم الي كسلا وغيرها.                                                                                                                  
علي قوتها ومتانتها كان الوهن قدراً مكتوبا لعلاقة ابو القاسم الفكرية والسياسية بالبعث السوداني.  الرجل كان بطبيعته مستعصيا علي التنظيم والاندراج في هرمية حزبية سر فاعليتها هو في انضباطها حتي علي الصعيد الفكري.  هو حجم ضخم من حيث مواهبه ولادة وجهدا ذاتيا، ومن حيث إحساسه هو بهذه الحقيقة وبحثه الدائم عن دور عام يضاهيها حجما مما لاتتحمله حركة ناشئه حتي لو كان استعداد الالتزام موجودا.  علي ان ماعجل بنهاية العلاقة هو نفسه العامل الذي بلغ بها اوج قوتها، أي العلاقة السوريه. ففي 23 فبراير 1966 وقع انقلاب بعثي داخلي ضد قيادة الحزب المؤسسة تاريخيا لم يتردد البعثيون السودانيون في الوقوف الحازم ضده بحكم ولائنا لركنها العفلقي.  وتصدرت المجموعة الاولي من مبعوثي الحزب للدراسة الجامعية في سوريا النشاط البعثي المعارض بقيادة محمد سليمان الخليفه عبد الله التعايشي مختفياً في حي المزرعة الدمشقي وأستضاف سجن المزة السوري الشهير بعضهم وقُتل أحدهم ( حسني ابراهيم ابوزيد ) في ملابسات أوحت بصلة ما بالصراع الدائر. أدي هذا بطبيعة الحال الي قطع حّدي للصلة مع القيادة البعثية السورية الحاكمة ووجد ابو القاسم نفسه مضطرا للاختيار بين روابطه المزدوجة البعثية السودانية والارتريه.  كان اختيارا صعبا ولكن ليس شديد الصعوبه علي ماأتصور لانه كان وقتها قد اقتنع بأن النواة البعثية المهيمنة سودانيا لاتتسع له، وكنا من جهتنا نتعامل معه اصلا بمزيج من الاعجاب والتخوف بعكس المجال الارتري الذي كان مفتوحا امامه علي مد البصر.  أما وجه احساسه بالصعوبه فقد تمثل في محاولته المخلصة لتغيير قناعاتنا بشأن القيادة السورية الجديدة بعد ان تمكن بسرعته المعتادة من إقامة علاقة معها عبر الجسر الارتري ( كان زعيمها في المرحلة الاولي 66-70 ضابط اسمه صلاح جديد عرف بدهائه قبل ان يبعده عنها حافظ الاسد الاكثر دهاء ).  من سوريا جاء ابو القاسم الي براغ حيث كنت في بعثة دراسية قصيرة من وزارة الماليه عام 1968 ليحاول فتح ابواب اوروبا الشرقيه الموصدة امام الثورة الارتريه المسلحة ويحاول اقناعي بأعطاء القيادة البعثية السورية فرصة لشرح دوافعها للانقلاب، علي الاقل.   فشل في الاولي لتتجه الثورة الارترية بعدها الي الصين ونجح في الثانيه جزئيا لان الاستماع  لم يكن بالضرورة صنوا للاقتناع.  عندما اصطحبني الي دمشق لم أفاجأ كثيرا  بدرجة تغلغله في الحياة السورية العامة وغير العامه طولا وعرضا، وهو الذي لم يكن قد اقام فيها وقتئذ سوي عام وبعضه. ملكاته الإبهاريه كانت قد مهدت الطريق امامي سلسا ورحباً .. من اول الجلسات المطولة مع كافة القيادات البعثية السورية الحاكمة الي آخر الحصول علي تسجيلات نادرة لفيروز في بدايات حياتها الفنية واخري لاغنية جزائريه بربرية علي إيقاع الدلوكة، مرورا بمسامرات مع كوادر بعثية سوريه بعضها اكيدا من عالم المخابرات.                        
افترقنا بعد ذلك جغرافيا وسياسيا.  وحينما استولت المايوية علي مصائر البلاد وعبادها لتعمل فيها تقطيعا وتشويها أصبح الافتراق فراقا لكثيرين لم ينج منه الا من رحم ربك.  أبحر ابو القاسم بين لبنان والخليج وبعيدا في عوالم الصوفية والفلسفة الاسلامية ولكنني رأيته لم يتغير جوهريا عندما تصادفنا في المانيا ( الغربية وقتها ) بعد نيف وعشرة اعوام.  كان قد التحي واصبح أباً لبنات وبنين ولمؤلفه الفلسفي الاساسي " العالمية الاسلامية الثانيه : جدل الغيب والانسان والطبيعه " : نفس الحيوية الذهنية الخارقه، نفس التوق الي الفتوحات الفكريه والتطلع الي دور قيادي عام .. وايضا مناقشة ساخنة مع صديق اسلامي تصادف وجوده معي حول مفهوم حرمة الخمر في الاسلام.  عن طريق  سفارة الامارات في بون أعاد لي من ابوظبي حيث كان يعمل في الخارجية الاماراتيه مجموعة كتب حول السودان كان قد استلفها مني ضمن تحضيراته لكتابه الاشهر " السودان : المأزق التاريخي وافاق المستقبل " ومعها مشروع مجلة لحوار بين المثقفين السودانيين بعنوان اوراق سودانية.  لم تر المجلة النور ولكنها، مع الكتاب، كانت إشارة قوية الي ان انهماكه في الفكر النظري لم يطفئ جذوة التوق الي دور سياسي قيادي، توقٌ شكل بالتأكيد دوما قيداً علي تفرغه الكامل للمجال الذي كان يمكن ان يعطي فيه اكثر مما اعطي فعلا، علي كثرته وعلو قيمته.  لذلك فقد كان من الاخبار السارة للحركة الفكرية السودانية والعربية  فشل محاولته انشاء حزب سياسي بأسم " الحركة  السودانية المركزيه " او " حسم " خلال التسعينيات. ومن فرجة إرتخاء قبضة نظام الشمولية الشاملة تحت الضغط الخارجي تسني لنا ان نري  ابو القاسم يتحول مؤسسة ثقافية بحثية موسوعية متحركه قائمة ومكتفية بنفسها. مؤسسة لم تهدأ الا غداة جولة له في المغرب العربي عرف عندها قلبه المعني الحقيقي للتوقف للمرة الاولي والاخيره، بيد ان ذهنه سيظل ينبض بيننا لاجال طويلة.