عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

   هناك مجهود محكوم عليه بالاهدار سلفا اسمه الانتخابات التي ستجري اوائل العام القادم. لاتكاد تفتح صحيفة او تسمع مذياعا او تشاهد فضائية الا وتطالعك سيرة الانتخابات واستعدادات مختلف الاطراف لخوضها .... مع فواصل من انباء القتل المتبادل بين السودانيين، الناخبين المفترضين، في الغرب والجنوب والشرق والشمال في مرحلة التوترات والاحتكاكات الظاهره والمكتومه.  هذا عالم من مؤكدات خصائصه السوريالية الاخري ان الانتخابات لن تغير شيئا، فهي محسومة سلفا في الشمال، وبالتالي في أغلبية السلطه، لحزب المؤتمر الوطني وفي الجنوب للحركة الشعبيه مع بعض الخروقات هنا وهناك التي لن  تغير الصورة العامه وكذلك وجود احتمال نسبته اقل من 1% لعدم قطعية هذا الحكم سيبرز في المقالة لاحقا.

 

ولكي تزداد لوحة عدم جدوي الانتخابات القادمة تعتيما قبل غمس الفرشاة، او مفاتيح الكومبيوتر بالاحري، في اللون الابيض يشار هنا الي خلاصة تقرير حول تاريخ الانتخابات السودانيه اعده فريق بريطاني- سوداني لمساعدة الدول المانحه علي تحديد الكيفية المثلي لتوجيه مساعداتها.  التقرير التفصيلي الدقيق حدد جوانب الضعف الاساسية للعمليات الانتخابية في نوعين هما الاساليب الفاسده ونقص الموارد. الجانب الاول المتعلق بالانتخابات خلال العهود الاستبداديه، شمل تبديل صناديق التصويت او حشوها بأصوات مزوره، ارهاب الناخبين، تسخير موارد الدوله في الحملات الانتخابيه ومنع بعض المرشحين من الترشيح.  في ظل الفترات  الديموقراطيه شّخص التقرير الاساليب الفاسدة التي وصفها بانها اقل وضوحا في : التسجيل و التصويت لاكثر من مره، شراء الاصوات وتأثير نفوذ الموظفين العموميين. الفرق الرئيسي الاخر في الحالتين ان مصدر الاساليب الفاسدة في الاخيرة هم  عادة المرشحون ووكلاؤهم وليس الدولة نفسها.  جانب الضعف الثاني الذي شخصه التقرير، عدم كفاية الموارد، يعود الي الاتساع الاستئنائي لمساحة البلاد واستثنائية الحاجة لتوعية الناخبين بسبب انتشار الاميه وعدم الثقه في الدوله والحكومات.

 

بناء علي ماتوصل اليه التقرير لايحتاج الامر الي كبير عناء لتوقع توصياته حول تأمين  انتخابات تستحق هذا الاسم وهي : حرية الصحافه وتساوي الفرص في اجهزة الاعلام. تأمين حرية  التنقل والتنظيم، منع الاستخدام الفاسد لموارد الدوله في الحملات الانتخابيه ومراقبة نفقات الحملات الانتخابيه. وفيما يتعلق بمسألة الموارد : توفير المواصلات والتدريب لموظفي الانتخابات، تحضير قوائم وكروت للناخبين، التأكد من توفر مواد الانتخابات بمراكز التصويت، تدريب وكلاء المرشحين واستخدام وسائل الاتصال الحديثه مثل الانترنت والموبايل للوصول الي الناخبين.

 

 فيما يتعلق بأنتخاباتنا المزمعه فقد تحققت بالفعل بعض التوصيات مثل التدريب، بدعم اجنبي أممي وثنائي غالبا.  علي ان هذا الشق المتعلق بالموارد هو الاقل اهمية في تأمين نزاهة الانتخابات لانه حتي لو توفرت كافة هذه العوامل المساعده فأن بقاء عقبات الشق الاول يجردها من اي قيمه حقيقيه. والحال ان واقع الاوضاع عندنا لايحتاج الي قيام الحكومه ( تقرأ المؤتمر الوطني) بحشو صناديق الانتخابات او تبديلها او غير ذلك مما يورده التقرير من اساليب الشموليات السودانيه لكي ينطبق عليها هذا الوصف فالنظام الحالي هو اولا، من الناحية العمليه، امتداد لنظام ماقبل نايفاشا لان الشريك الذي فرضته عليه هذه الاتفاقيه ليس في وضع يمكنه من شكمه وهو ، ثانيا، ليس في حاجة لتلك الاساليب لكي يبرز اسنانه ومؤهلاته الشمولية سواء في الانتخابات او غيرها مع ان وسائلها موجوده وجاهزة للاستخدام وأقلها تغلغله في الخدمة المدنية والعسكريه والامنيه.

 

       لهذا السبب وحده تعرف المعارضه يقينا إن المعركة الانتخابية محسومة شماليا سلفا لصالح الحزب الحاكم ولكنها لاتستطيع الاعتراف بذلك علنا لانه يعني الاقرار بضعف موقفها، فتتستر وراء اشتراط نزاهة الانتخابات لتقبل المشاركة فيها والكل يعلم بأن كافة انواع انتهاك نزاهة الانتخابات وقع ويقع منذ سنوات وسيقع وبأكثر مما يشير اليه التقرير.  الي جانب التحكم في السلطه موارد وإعلاما وثروة واجهزة لسنوات عشرون وقمع المعارضه لنفس المده هناك حواجز قانوني الامن الوطني والصحافه. حتي اذا تمكنت المعارضة من اختراق شبكة تلاعب ومناورات المؤتمر الوطني التأخيريه والتعطيليه الكثيفه وصدر القانونان فأن هناك عقبة العقبات المتمثلة في عرقلة التنفيذ الفعلي بواسطة محازبي المؤتمر المنتشرين في كافة الاجهزة المعنيه، سواء بتعليمات من فوق او بدونها. علي ذلك فأنه حتي لو صدر القانونان غدا وعلي احسن ماتشتهيه المعارضه ستكون فترة الثمانية اشهر الباقية للتصويت قد انقضت او كادت عند دخولهما حيز التنفيذ الفعلي بما يجعلهما عديمي الاثر في تنظيف جو الانتخابات. 

 

              علي ان هناك سببا اخر لانحسام  المعركة سلفا لمصلحة المؤتمر قد لاتكون اطراف المعارضه جميعها علي وعي تام به او استعداد للاعتراف به وهو ضعف الاستعداد لديها لتقديم التنازلات اللازمه بين اطرافها لفتح طريق المخرج الوحيد الممكن من حالة الانحسام المسبق هذه، رغم كل انباء هذه الايام عن وحدة صفوفها. هذا المخرج ، كما ذكر في مقال سابق ( الصحافه 9 مايو ) هو القبول بفسح المجال كاملا لانجاح مرشحي الحركة الشعبيه وحزب الامه في كافة الدوائر التي لايكون مرشح حزب معارض اخر مضمون النجاح  100% فيها، باعتبارهما الحزبين الاكبر نسبيا بالمقارنة لكافة اطراف المعارضة الاخري وان زعيميهما ( أيهما يتم الاتفاق عليه) هما الاوفر حظا في انتخابات رئاسة الجمهوريه. اما سبب انعدام الاستعداد للتنازل المطلوب فهو ضخامة حجمه لانه ليس اقل من ان تلغي بقية الاطراف وجودها الانتخابي لهذه الدوره تقريبا، وفي الوقت نفسه هشاشة التكوين الديموقراطي السوداني عموما، وقابلية التنازل والمساومات هي المميز الرئيسي لهذا التكوين،  لندرة فرص التدريب التي اتيحت لنا احزابا ونخبا وجمهورا. تأملوا مثلا في هذا الصدد مغزي ان الذين هم في سن تقارب الخمسين عاما الان لم يصوتوا الا في انتخابات نزيهة واحده هي انتخابات عام 86 مايعني ان الاصغر سنا،وهم اغلبية السكان حسب التعداد الاخير وبالتالي اغلبية الناخبين، لم يخوضوا مثل هذه التجربة اصلا. من اين لسواد السودانيين ، إذن، المعرفة الحقيقية بالديموقراطيه ولاسبيل لذلك الا ممارسة؟ . يكاد المرء يشفق علي الاطراف التي لن تقبل التنازل بدلا من نقدها ولومها، فالمسألة الي درجة بعيده ليست في  انها لاتريد ذلك بقدر ما أنها لم تنشأ نشأة تمكنها من ذلك. وهناك بطبيعة الحال سبب اخر لفشل مثل هذا السيناريو (الخيالي اصلا )  لاتتحمل هذه الاطرا ف مسئوليته وهو مدي استعداد الطرفين المعنيين، الامه والحركه، للعمل سويا حتي مع ثبوت استعداد الاطراف الاخري للتنازل لاسيما وانه لابد ان يكون تحالفا وثيقا يغطي فترة ما بعد الانتخابات ومستندا الي برنامج تفصيلي.

     ان الانتخابات، أي انتخابات، مهما كانت نزيهه ليست في حد ذاتها وصفة سحرية لتغيير الاوضاع لانها تشكل الجانب الاجرائي للعملية الديموقراطيه ويمكن لذلك ان تنتهي الي تدوير الوضع القائم واعادة انتاجه كما هو، وحتي الي ماهو اسوأ، اذا خلت من المنافسة الحقيقيه بين اطراف متعدده. فاذا سلمنا بان هذا هو واقع الحال  بالنسبة للانتخابات المزمعه للاسباب التي تعرض المقال لاهمها الا يكون من الحكمة الغاؤها تماما بمعني تأجيلها الي مابعد إجراء الاستفتاء الذي سيحدد وضع الجنوب في عام 2011  حسب اتفاقية نايفاشا؟ علي الاقل عندها سنكون علي بصيره تجديدا للوحده او انفصالا والاهم من ذلك، في تقدير هذا المقال، سنتفادي احتمالات تفاقم نذر التدهور الامني الواضحه وانفجارها  نتيجة ارتفاع درجة حرارة المعركة الانتخابيه، سواء بين المجموعات الاهليه كما حدث مؤخرا بين المسيريه والرزيقات او بين شريكي الحكم حول القضايا المعلقه مثل ترسيم الحدود وابيي واتهامات التضييق المتبادل علي انصارهما والعين بالعين والسن بالسن.  لنترك المؤتمر الوطني يخوض مباراة انتخابية في ميدان خال الا منه إذا لم يقبل الالغاء او نخوضها ولكن بهدف متواضع تواضع حال المعارضه اذا لم تجد مخرجا من تشتتها وتنافسها الداخلي، وهو التعامل معها كفرصة للتدريب علي الجانب الاجرائي في الديموقراطيه ليس إلا، علما بأن الانتخابات القادمة علي علاتها ستكون اقل اعتلالا بكثير من لاحقاتها لان المؤتمر الوطني بعدها سيضحي سلطة شرعيه لها أغلبية برلمانية مريحه تمكنه من تفصيل القوانين بما يناسبه.